اخبار فلسطين
موقع كل يوم -وكالة شهاب للأنباء
نشر بتاريخ: ٥ أيلول ٢٠٢٦
خاص / شهاب
لم تعد العمليات التي تنفذها قوات الاحتلال داخل قطاع غزة تقتصر على القصف والاستهداف العسكري المباشر، إذ تكشف سلسلة من التطورات الأمنية خلال الأيام الأخيرة عن نمط مختلف يقوم على التسلل، وجمع المعلومات، والاستعانة بأشخاص من داخل القطاع، والوصول إلى أفراد محددين في مناطق مأهولة.
عمليتان لافتتان
وخلال أيام قليلة، برزت عمليتان لافتتان؛ الأولى تمثلت في اعتقال المسؤول الأمني معين العرابيد خلال عملية خاصة غرب مدينة غزة، والثانية في محاولة قوة مسلحة، وصفتها سرايا القدس بأنها 'ميليشيات عميلة'، اختطاف أحد مقاتليها في منطقة القرارة شمال خان يونس، قبل أن يندلع اشتباك معها وينتهي باستشهاد المقاتل فادي علي العبادلة، وفق رواية السرايا.
لكن التطور الأبرز في قضية العرابيد ظهر في التفاصيل التي كشفتها لاحقًا منصة 'الحارس' التابعة لأمن المقاومة، والتي قالت إن ثلاثة أشخاص، بينهم امرأة، اعتُقلوا على خلفية العملية، وإن التحقيقات الأولية والمضبوطات أظهرت، بحسب روايتها، أنهم كانوا ينتحلون صفة مؤسسة إغاثة دولية لتسهيل تحركاتهم وجمع المعلومات.
وبحسب ما نقلته المنصة عن مصدر أمني، فإن القوة الخاصة وصلت إلى موقع العملية قبل انكشافها بساعات، ولم تكن متمركزة فيه مسبقًا، فيما أدى اشتباك العرابيد معها إلى كشف وجودها، الأمر الذي تسبب، وفق الرواية ذاتها، في حالة من الارتباك داخل القوة ودفع قائدها إلى طلب الإسناد والعمل على إجلائها من المكان.
وتقول منصة 'الحارس' إن أمن المقاومة تمكن كذلك من اغتنام معدات وأسلحة تعود للقوة المشاركة في العملية، فيما جرى اعتقال ثلاثة أشخاص قالت إنهم كانوا يقدمون الإسناد ويجمعون المعلومات لصالح الاحتلال.
وتكتسب هذه التفاصيل أهمية خاصة، ليس فقط لارتباطها بعملية اعتقال مسؤول أمني، وإنما لأنها تشير، في حال تأكدت، إلى أن الوصول إلى الهدف لم يعتمد على القوة العسكرية وحدها، وإنما سبقه نشاط داخل البيئة المحلية لتوفير المعلومات وتسهيل الحركة.
وفي هذا السياق، يرى الباحث السياسي الدكتور أمين الحاج أن محاولات الاحتلال تتجاوز جمع المعلومات والوصول إلى أهداف محددة، لتأخذ شكلًا أوسع يقوم على توظيف أدوات محلية لخلق الفوضى داخل قطاع غزة.
وقال الحاج لوكالة 'شهاب' إن الاحتلال يحاول استخدام أدوات محلية لتنفيذ عمليات الخطف والاغتيال وضرب الجبهة الداخلية، في محاولة لتعويض عجزه عن تحقيق أهدافه بالوسائل العسكرية المباشرة.
وبحسب الحاج، فإن خطورة هذا المسار لا تتوقف عند تنفيذ عملية أمنية هنا أو محاولة اختطاف هناك، وإنما تمتد إلى محاولة زعزعة الاستقرار الداخلي وفتح مسارات جديدة للصراع داخل المجتمع الفلسطيني، بالتوازي مع استمرار العدوان والقتل واستهداف المدنيين.
ويؤكد أن هذه الممارسات، إلى جانب كونها انتهاكات للقانون الدولي، تشكل تهديدًا مباشرًا لأي جهود تهدف إلى تثبيت التهدئة أو الوصول إلى تفاهمات، داعيًا الوسطاء والجهات الضامنة إلى عدم حصر دورهم في رعاية المفاوضات.
ويشدد الحاج على ضرورة أن تشمل مسؤولية الوسطاء ضمان وقف الانتهاكات والعدوان، ووضع حد للاستهداف اليومي، ومحاسبة الاحتلال على خروقاته، ومنع محاولاته لزعزعة الأمن الداخلي أو تقويض أي مسار سياسي أو إنساني، لما لذلك من تداعيات على غزة والمنطقة.
سياق أمني متقارب
وبالتوازي مع ذلك، جاءت محاولة اختطاف مقاتل سرايا القدس في القرارة لتكشف عن صورة أخرى من هذا النشاط الأمني. وقالت السرايا إن قوة مسلحة تقدمت فجر الجمعة باتجاه المنطقة بهدف اختطاف أحد مقاتليها، وإن مقاتليها اكتشفوها واشتبكوا معها من مسافة قريبة باستخدام القنابل والأسلحة المتوسطة.
وأضافت أن طائرات مسيرة إسرائيلية تدخلت لدعم القوة وتأمين انسحابها، فيما أطلقت القوة النار على المقاتل فادي علي العبادلة، ما أدى إلى مقتله، قبل أن تنسحب من المكان وهي تنقل عددًا من أفرادها، بينهم قتلى ومصابون، وفق بيان السرايا.
وتأتي هذه المحاولة بعد ثلاثة أيام فقط من عملية العرابيد، ما يضع الحادثتين في سياق أمني متقارب، حتى وإن اختلفت تفاصيلهما ونتائجهما؛ ففي الأولى تمكنت القوة الخاصة من الوصول إلى هدفها واعتقاله، بينما انتهت الثانية، وفق رواية سرايا القدس، باكتشاف القوة والاشتباك معها وإفشال محاولة الاختطاف.
ويرى الكاتب والمحلل السياسي وسام عفيفة أن تتابع هذه العمليات لا يبدو مجرد سلسلة من الحوادث المنفصلة، وإنما يعكس محاولة إسرائيلية لإعادة بناء بنك المعلومات الخاص بقطاع غزة بعد التحولات الكبيرة التي طرأت على بنية المقاومة خلال الحرب.
ويقول عفيفة إن الاحتلال يحاول فهم شكل البنية الجديدة للمقاومة، ومن يتولى المسؤوليات فيها، وكيف أعيد توزيع الأدوار، وأين أصبحت مراكز العمل، وكيف أعيد تنظيم قنوات الاتصال والحركة، مشيرًا إلى أن التغيرات التي فرضتها الحرب جعلت الوصول إلى هذه المعلومات أكثر تعقيدًا.
ومن هذه الزاوية، تصبح عملية اعتقال شخصية أمنية حية ذات قيمة استخبارية مختلفة عن اغتيالها، إذ يمكن للمعتقل أن يمثل مصدرًا للمعلومات حول بنية جرى إعادة تشكيلها، والمسؤوليات التي أعيد توزيعها، وقنوات الاتصال وآليات إصدار الأوامر والعمل.
ويرى عفيفة أن تنفيذ عملية خاصة داخل منطقة حضرية مكتظة يتطلب معلومات مسبقة عن الهدف والمكان ومسارات الحركة، ما يعني أن الوصول إلى الشخص المستهدف يفترض وجود عملية رصد ومتابعة وجمع معلومات سبقت لحظة التنفيذ، سواء عبر وسائل المراقبة التقنية أو المصادر البشرية.
ويشير إلى أن البيئة الأمنية في غزة تغيرت بصورة كبيرة خلال الحرب؛ فقد تضررت البنى والمواقع، وفقدت المقاومة عددًا من قادتها، وتبدلت أماكن العمل والحركة، وأعيد تنظيم طرق الاتصال، فيما تقلصت المساحة القابلة للحياة وتكدس السكان داخلها، بالتزامن مع استمرار المراقبة الجوية والاستخبارية.
وفي مثل هذه البيئة، تصبح أنماط الحركة والاتصال نفسها مادة يمكن تتبعها وتحليلها، بما يسمح للاحتلال ببناء صورة تدريجية عن الواقع الجديد، وهو ما يجعل الجغرافيا والحركة اليومية جزءًا من المعركة الاستخبارية.
ولا يستبعد عفيفة أن يكون هذا التحول مرتبطًا بمحاولة الاحتلال الانتقال من استهداف البنية المعروفة لديه إلى اختراق البيئة الأمنية الجديدة، معتبرًا أن العمليات الأخيرة تشير إلى رغبة في الوصول إلى الداخل بدل الاكتفاء بالضرب من الجو.
إرباك الجبهة الداخلية
ويضيف أن هذا النوع من العمليات يعكس محاولة لاختراق المنظومة الأمنية للمقاومة وفهمها من الداخل، خصوصًا في ظل تغير مواقع المسؤولين وآليات العمل والاتصال خلال الحرب، معتبرًا أن استمرار هذه المحاولات يفرض إعادة النظر في أساليب الحماية ومواجهة الاختراقات الأمنية.
وعلى المستوى السياسي، يرى عفيفة أن توقيت العمليات قد يتقاطع أيضًا مع الحسابات الداخلية لدى حكومة الاحتلال، ولا سيما في ظل اقتراب الانتخابات الإسرائيلية المقررة في 27 أكتوبر، وحاجة رئيس الحكومة بنيامين نتنياهو وائتلافه إلى تقديم ما يمكن تسويقه باعتباره إنجازات أمنية، لكنه يؤكد أن العامل الانتخابي وحده لا يفسر طبيعة هذه العمليات، التي تحمل في جوهرها بعدًا استخباريًا واضحًا.
وبين البعد الذي يركز عليه الحاج، والمتصل بمحاولة استخدام أدوات محلية لإرباك الجبهة الداخلية، والبعد الذي يشرحه عفيفة باعتباره محاولة لإعادة بناء المعرفة الاستخبارية بالواقع الجديد في غزة، تبدو العمليات الأخيرة جزءًا من مسار أمني أكثر تعقيدًا من مجرد عمليات عسكرية موضعية.
فالمعركة، وفق المحللان، لم تعد تدور فقط حول المواقع التي يمكن استهدافها، وإنما حول الأشخاص الذين يمكن الوصول إليهم، والمعلومات التي يمكن جمعها، والقدرة على اختراق البيئة الداخلية، ومنع الطرف الآخر من إعادة بناء شبكاته بعيدًا عن أعين الاحتلال.
وتكشف واقعة العرابيد، بما رافقها من حديث عن اعتقال أشخاص متهمين بتقديم الإسناد، ومحاولة القرارة التي انتهت باشتباك مباشر، أن الصراع الأمني داخل غزة بات يتحرك في مساحة شديدة الحساسية، تتداخل فيها المراقبة والتسلل والمصادر المحلية مع العمليات الخاصة.
وفي ظل استمرار هذه المحاولات، يبدو أن جزءًا متزايدًا من المواجهة يتجه نحو حرب على المعلومة والاختراق الأمني؛ فبينما يسعى الاحتلال إلى اكتشاف خريطة جديدة للمقاومة بعد سنوات الحرب، تحاول الأجهزة الأمنية في غزة منع إعادة إنتاج الاختراقات والوصول إلى العناصر التي تقف خلفها.

























































