اخبار فلسطين
موقع كل يوم -فلسطين أون لاين
نشر بتاريخ: ٢١ حزيران ٢٠٢٦
لا تكتسب حياة الإنسان معناها وقيمتها إلا بالإرادة؛ فهي الميدان الذي يُظهر فيه الإنسان حقيقته، وبها يختار طريقه ويحدد مصيره. وكل فكر أو عقيدة أو رؤية للحياة تسلب الإنسان إرادته أو تعطلها، لا يمكن أن تصنع إنساناً راشداً ولا شخصيةً مسؤولة. ومن هنا كانت حكمة الله تعالى أن يجعل التكليف والامتحان قائماً على حرية الاختيار والإرادة. إن الإنسان يؤمن بإرادته، ويعيش الإسلام باختياره، ويجاهد نفسه بإرادته. أما إذا انقطعت أسباب الاختيار، وزال زمن الامتحان، وحضرت لحظة الموت، فإن الإيمان حينئذٍ لا يعود يحمل قيمة الاختبار؛ لأن الإرادة التي تمنحه معناه تكون قد انتهت، ويصبح الإنسان في حالة اضطرار لا اختيار.
وقد صوّر القرآن الكريم هذا المعنى في قصة فرعون، ذلك الطاغية الذي استخدم إرادته في الكبر والظلم والاستعلاء. فقد طارد المسلمين بغياً وعدواناً، واستمر في عناده حتى أدركه الغرق. وعندما رأى الموت عياناً، قال: ﴿آمَنتُ أَنَّهُ لَا إِلَٰهَ إِلَّا الَّذِي آمَنَتْ بِهِ بَنُو إِسْرَائِيلَ وَأَنَا مِنَ الْمُسْلِمِينَ﴾، فجاءه الجواب الإلهي: ﴿آلْآنَ وَقَدْ عَصَيْتَ قَبْلُ وَكُنتَ مِنَ الْمُفْسِدِينَ﴾. لقد انتهى وقت الاختيار. ولم يعد إيمان فرعون ثمرة إرادة حرة، بل صار استجابةً اضطرارية أمام حقيقة لم يعد يستطيع إنكارها. ولذلك لم يُقبل منه إيمانه، وكان من الخاسرين.
وهذه القصة ليست مجرد حادثة تاريخية، بل هي رسالة متجددة لكل إنسان. فالذي يقضي عمره في العصيان، ويستخدم صحته وعقله وإرادته في التمرد على الحق، ثم يؤجل التوبة والرجوع إلى الله حتى تنكشف له الحقائق عند الموت، يكون قد فوّت على نفسه أعظم فرصة مُنحت له في الدنيا: فرصة الاختيار. إن من يعيش بشعار: 'لن أعيش إلا مرة واحدة'، فيطلق لنفسه العنان في الشهوات والمخالفات، قد يكتشف في النهاية أنه أضاع عمره فيما لا ينفع، وأن الحقيقة التي كان يهرب منها قد أصبحت أمراً مفروضاً عليه لا يستطيع رده. وحينها لن ينفع الندم، ولن تجدي الحسرة. ومن هنا تتأكد أهمية القدوة الصالحة في حياة الإنسان.
فالواجب ألا يقتدي المرء بالمتمردين والمستكبرين الذين رُدَّت أعمالهم في آخر أعمارهم، بل بالأنبياء والصالحين الذين عاشوا لله وماتوا على رضاه، فكانت حياتهم ومماتهم شاهداً على حسن استعمال الإرادة. إن فرعون، الذي ادعى الألوهية، واستعبد الناس، وساقهم إلى الذل والهوان، لم يهلك إلا لأنه سخّر إرادته للطغيان بدلاً من العبودية لله. ومن تأمل نهايته أدرك حكمةً بليغة: فمن يغرق كل يوم في بحر المعصية والتمرد، ليس غريباً أن تكون خاتمته غرقاً وهلاكاً.
واليوم تبدو تربية الإرادة من أكثر المجالات التي تحتاج إليها الأمة الإسلامية، ولا سيما شبابها. فتهذيب الإرادة وتوجيهها نحو الحق والخير والجمال، واستثمار الوقت والصحة في خدمة الإسلام، والسعي الدائم إلى التقدم وعدم الركون إلى التوقف والجمود؛ كل ذلك ينبغي أن يكون مشروع حياة لكل شاب مسلم. إن الذين لا يربون إرادتهم اليوم على نصرة الحق وإقامة الخير، قد يذوقون مرارة الندم في آخر أعمارهم، لكن بعد أن يكون زمن الاختيار قد انتهى. أما السعيد حقاً فهو من أحسن استعمال إرادته قبل فوات الأوان، وجعلها جسراً إلى رضا الله ونجاته في الدنيا والآخرة.

























































