اخبار لبنان
موقع كل يوم -المرده
نشر بتاريخ: ٥ تشرين الثاني ٢٠٢٦
كتب طارق ترشيشي:
استيقظت واشنطن أمس على مشهد سياسي لم تشهده منذ سنوات طويلة: الديموقراطيون ينتزعون السيطرة على مجلسي الكونغرس معاً، في هزيمة تاريخية للجمهوريين، اعترف بها الرئيس دونالد ترامب نفسه، عازياً إياها جزئياً إلى «الحرب مع إيران وارتفاع أسعار الوقود وتكاليف المعيشة». وفيما ترامب يستعد لدخول آخر عامين من ولايته بصفة «البطة العرجاء» الكلاسيكية، ففي تل أبيب مشهد موازٍ: بنيامين نتنياهو يفقد غالبية الكنيست، محاصراً بين 53 مقعداً لمعسكره و67 مقعداً لخصومه، من دون أن يتمكن أحد من تشكيل حكومة.
المفارقة الكبرى، بحسب قراءة أحد الديبلوماسيين المخضرمين لما حصل، أنّ هذين الضعفين المتزامنين، الرئاسي الأميركي والحكومي الإسرائيلي، لا يعنيان بالضرورة تراجعاً في السياسة تجاه إيران و»حزب الله»، بل قد ينتجان العكس تماماً: تسريع وتيرة التصعيد، وزيادة الاعتماد المتبادل بين إدارة ترامب والحكومات الإسرائيلية المتعاقبة.
«البطة العرجاء» في البيت الأبيض
على أنّ المتعارف عليه في الولايات المتحدة الأميركية، هو وصف كل رئيس أميركي يخسر حزبه الأكثرية في الكونغرس بـ«البطة العرجاء»، ما يعني انّ ترامب بات بطة عرجاء بصلاحيات منقوصة وأجندة مشلولة، بعد فوز الديموقراطيين بمجلسي النواب والشيوخ. وهو الأمر الذي وضعه أمام واقع لم يعهده خلال ولايته الثانية. فبينما سيحتفظ الرئيس بصلاحيات واسعة في إدارة السياسة الخارجية، إلّا أنّ الكونغرس يملك أدوات مالية ورقابية، قادرة على تقييد هذه الصلاحيات بشكل فعّال. فمجلس النواب هو «الممر الإجباري» لكل الاعتمادات المالية، بما في ذلك تمويل العمليات العسكرية. والديموقراطيون، الذين ربطوا بين ارتفاع كلفة المعيشة والحرب على إيران، سيكونون في موقع يسمح لهم بفرض شروط صارمة على أي طلب تمويل إضافي، أو حتى رفضه، مما قد يضطر الإدارة إلى تحويل أموال من قطاعات دفاعية أخرى، أو مواجهة نقص حاد في الموارد.
والأهم من ذلك، أنّ الديموقراطيين سيمتلكون سلطة إطلاق تحقيقات برلمانية موسّعة في إدارة ترامب، تشمل قضايا مالية وسياسية وحتى عسكرية، مع ضغوط من القاعدة الانتخابية للسعي نحو عزل الرئيس للمرّة الثالثة. هذا لا يعني أنّ ترامب سيُعزل، فالغالبية في مجلس الشيوخ (54 مقعداً) ليست كافية للإدانة في محاكمة العزل، لكنه يعني أنّ إدارته ستدخل مرحلة من «الحرب الباردة» مع الكونغرس، حيث كل قرار كبير سيخضع للمساءلة والتشكيك.
ومع ذلك، فإنّ الأثر الأكثر خطورة قد لا يكون في التشريع الداخلي، بل في السياسة الخارجية. فإدارة ضعيفة داخلياً قد تلجأ إلى إظهار الحزم خارجياً لتعويض ضعفها الداخلي. وكما أشار أحد المحللين، فإنّ ترامب بعد الانتخابات قد يكون «أكثر حاجة إلى انتصار، وأقل ميلاً إلى تأجيل قراراته».
سيف التمويل وسوط التصعيد
بالنسبة لإيران، فإنّ فوز الديموقراطيين، في رأي أوساط مطلعة على الموقف الأميركي، يخلق معادلة معقّدة. من ناحية، فإنّ سيطرة الديموقراطيين على مجلسي النواب والشيوخ ستجعل الحصول على تمويل لحرب واسعة ضدّ إيران أكثر صعوبة. خصوصاً أنّ مشروع قانون التمويل الإضافي الذي تقدّم به ترامب في حزيران الماضي، بقيمة 87.6 مليار دولار، تضمّن 21 مليار دولار لشراء أسلحة تُستخدم ضدّ إيران، و17.3 مليار دولار لتغطية الكلف التشغيلية للقوات الأميركية. ومن المرجح أن يرفض الديموقراطيون الموافقة التلقائية على مثل هذه الطلبات، مما قد يحدّ من قدرة إدارة ترامب على شن حرب طويلة الأمد.
لكن هذا لا يعني أنّ باب التصعيد قد أُغلق. بل على العكس، هناك مؤشرات إلى أنّ ترامب قد يسعى إلى استئناف الهجمات أو حتى شنّ «ضربة قاصمة» ضدّ المنشآت النووية الإيرانية، قبل أن يدخل الكونغرس الجديد مرحلة الفعالية الكاملة في كانون الثاني المقبل. وحسب مطلعين على الموقف الأميركي، فإنّ خسارة الجمهوريين للمجلسين، ستسرّع رغبة ترامب في الهجوم على إيران وربما غيرها، لأنّ الرئيس الذي لا يخشى العقاب الانتخابي قد يكون أكثر استعداداً للمخاطرة.
وهنا يظهر البعد الإسرائيلي بقوة. فإدارة ترامب الضعيفة ستكون «أكثر اتكالاً على إسرائيل» في ملف إيران، بحسب بعض التقديرات الديبلوماسية. وإسرائيل، التي تواجه حكومة معلّقة، ونتنياهو بلا غالبية، قد تكون هي الأخرى أكثر ميلاً للمغامرة العسكرية. فنتنياهو، المحاصر داخلياً، قد يرى في أزمة أمنية كبرى، مثل توجيه ضربة لإيران أو تصعيد في لبنان، فرصة لإعادة ترتيب الأوراق السياسية الداخلية، أو على الأقل لتأجيل محاكمته وضغوط المعارضة.
«الثوابت» الأميركية وتغيّر الأدوات
في الملف اللبناني، لا يتوقع فريق من السياسيين تغيّراً جوهرياً في الموقف الأميركي. لأنّ هناك «تقاطعاً واضحاً» بين الجمهوريين والديموقراطيين على دعم سيادة الدولة اللبنانية وبسط سلطتها على كل أراضيها وحصر السلاح بمؤسساتها الشرعية. لكن الاختلاف سيكون في «الأدوات والتكتيكات»: وتيرة الضغوط الاقتصادية والديبلوماسية، وتسريع أو إبطاء مسارات التفاوض، وحدود الدعم السياسي والمالي.
ومع ذلك، فإنّ الضعف المزدوج الأميركي والإسرائيلي قد يدفع في اتجاه تصعيد غير محسوب. فإدارة ترامب التي فقدت سيطرتها على الكونغرس، قد تعطي إسرائيل «ضوءاً أخضر» في لبنان، لتعويض ضعفها التفاوضي، بينما ستُبقي على «بعض الأخذ والردّ» معها في ما يخصّ إيران. ونتنياهو، الذي يدير حكومة تصريف أعمال تتمتع بصلاحيات واسعة في العمليات العسكرية والأمن القومي والسياسة الخارجية، على رغم من فقدانه الأكثرية النيابية في الكنيست، قد يكون أكثر استعداداً لاستخدام هذه الصلاحيات، قبل أن يتغيّر الوضع الحكومي.
وفي رأي هذا الفريق من السياسيين، أنّ السيناريو الأكثر خطورة، هو أن يؤدي فقدان نتنياهو الأكثرية النيابية إلى تسريع الجدول الزمني للعمليات العسكرية ضدّ «حزب الله» أو إيران، إما لأنّ نتنياهو يسعى إلى «حالة طوارئ» تعيد ترتيب الأولويات السياسية، أو لأنّ خصومه الذين يفتقرون إلى الغالبية اليهودية الكافية لتشكيل حكومة من دون دعم الأحزاب العربية، قد يجدون أنفسهم غير قادرين على وقف هذه العمليات، حتى لو أرادوا.
«البطة العرجاء» الإسرائيلية
على أنّ خسارة نتنياهو لغالبية أعضاء الكنيست الإسرائيلي لا تعني نهاية حكمه الفورية. فالنظام الإسرائيلي يسمح لرئيس الوزراء بالبقاء في منصبه كرئيس لحكومة تصريف أعمال تتمتع بصلاحيات تنفيذية واسعة، بينما تدور مفاوضات تشكيل الحكومة الجديدة التي قد تستغرق أسابيع أو أشهراً. لكنها تعني أنّ أي حكومة جديدة، سواء برئاسة غادي آيزنكوت أو غيره، ستكون في وضع أكثر تماسكاً من إدارة ترامب، كما يرى مطلعون على الموقف الأميركي، لأنّ إسرائيل لديها حكومة قادرة على اتخاذ قرارات حتى في حالة الجمود السياسي، بينما إدارة ترامب ستكون مشلولة جزئياً بسبب الكونغرس. اقرأفي السياسة
والأهم، أنّ خسارة نتنياهو للغالبية النيابية لا تعني تغيّراً في التوجّه الإستراتيجي الإسرائيلي تجاه إيران. فآيزنكوت، الذي يُتوقع أن يُكلّف تشكيل الحكومة، لا يختلف كثيراً عن نتنياهو في كل ما له علاقة بالأساسيات. وبعبارة أخرى، إنّ إسرائيل قد تشهد تغيّراً في الوجوه والأساليب، لكن ليس في السياسة الجوهرية تجاه طهران و»حزب الله».
ضعفان لا يصنعان سلاماً
على أنّ المفارقة المركزية في هذه اللحظة التاريخية، هي أنّ ضعف ترامب الداخلي، وربما الخارجي ايضاً، وضعف نتنياهو الحكومي في المقابل، لا يعنيان تراجعاً في التصعيد، بل قد ينتجان تصعيداً أكبر. فترامب، المحروم من غطاء الكونغرس، قد يبحث عن انتصار عسكري سريع لتعويض ضعفه السياسي. ونتنياهو، المحاصر بين 53 مقعداً و67 مقعداً، قد يرى في شن حرب جديدة طوق نجاة. والنتيجة، أنّ العامين المتبقيين من ولاية ترامب قد لا يشهدان «بطة عرجاء» هادئة، بل «بطة عرجاء» مسلحة ومندفعة، تبحث عن نصر خارجي لتغطية عجزها الداخلي. وفي هذه المعادلة، سيكون لبنان وإيران و»حزب الله» في مقدمة الأهداف المحتملة.











































































