اخبار فلسطين
موقع كل يوم -وكالة شهاب للأنباء
نشر بتاريخ: ٢٩ تموز ٢٠٢٦
خاص /شهاب
يترصد الموت مرضى قطاع غزة في كل محطة من رحلة العلاج التي أثقلتها حرب الإبادة. فمنذ اللحظة الأولى التي يشعر فيها المريض بالألم، تبدأ معركة جديدة مع منظومة صحية استنزفتها أشهر الحرب والحصار، لتتحول رحلة البحث عن العلاج إلى سلسلة من العقبات التي قد تنتهي قبل أن يبلغ المريض سرير المستشفى.
لم تتوقع صفاء أبو عطايا أن يتحول النزيف الذي تعرضت له داخل خيمتها في مواصي خانيونس إلى سباق مع الزمن تخوضه بكل قهر وخوف من فقدان جنينها، بينما حاول أفراد عائلتها العثور على سيارة إسعاف أو حتى مركبة عامة تقلها إلى أقرب مرفق صحي، لكن شلل منظومة النقل بفعل نقص الوقود حال دون ذلك، لتفقد جنينها قبل أن تصل إلى الرعاية الطبية.
حالة استثنائية
لم تكن قصة صفاء حالة فردية، بل تعكس واقع آلاف المرضى، إذ تحذر وزارة الصحة في قطاع غزة من أن منظومة نقل المرضى والطواقم الطبية دخلت مرحلة 'العد التنازلي' للتوقف، بسبب النقص الحاد في الوقود والزيوت والإطارات وقطع الغيار، مؤكدة أن تعطلها سيحرم آلاف المرضى من الوصول إلى المستشفيات، وفي مقدمتهم مرضى السرطان والفشل الكلوي الذين تعتمد حياتهم على الوصول المنتظم إلى جلسات العلاج.
ويؤكد مدير مجمع الشفاء الطبي، الدكتور محمد أبو سلمية، أن الأزمة تجاوزت حدود المستشفيات، مشيرًا إلى خروج نحو 70% من سيارات الإسعاف عن الخدمة بسبب نقص الإطارات وقطع الغيار والزيوت، الأمر الذي يعيق نقل الجرحى والمرضى بين المحافظات، ويهدد بتوقف الخدمة بالكامل إذا استمر منع إدخال الوقود وقطع الغيار والاحتياجات الأساسية.
ومع تدمير عدد كبير من سيارات الإسعاف والمركبات العامة، وتراجع ما تبقى منها عن العمل بسبب نفاد الوقود، لم يعد الوصول إلى المستشفى مجرد رحلة نقل، بل أصبح معركة يخسرها بعض المرضى قبل أن تبدأ رحلة علاجهم.
لكن الوصول إلى المستشفى لا يعني بالضرورة بداية العلاج، إذ يصطدم آلاف المرضى بعقبة عجز الأطباء عن تشخيص أمراضهم. أما علاء مرتجى (33 عامًا)، فيتنقل منذ نحو شهر بين المراكز الصحية بحثًا عن تفسير لما ينهك جسده، لكن نقص الفحوصات المخبرية، وتعطل أجهزة التشخيص، وغياب الإمكانات اللازمة، حال دون الوصول إلى سبب واضح لمرضه.
ولا تمثل قصة علاء حالة استثنائية، إذ تؤكد وزارة الصحة أن الأزمة لم تعد تقتصر على نقص الأدوية، بل امتدت إلى أدوات التشخيص التي يقوم عليها القرار الطبي. وبلغ العجز في مواد الفحص المخبري 87%، فيما وصلت نسبة النقص في المستهلكات الأساسية اللازمة لإجراء الفحوص إلى 74%، ما يهدد بتوقف عدد من الفحوصات المنقذة للحياة.
وتوضح مديرة وحدة المختبرات وبنوك الدم بوزارة الصحة، سحر غانم، أن فحوص غازات الدم توقفت بالكامل، فيما تواجه فحوص صورة الدم الكاملة خطر التوقف خلال أيام، إلى جانب اقتراب نفاد المواد الخاصة بفحوص وظائف الكلى والكبد، ونقص أنابيب سحب العينات والكواشف المخبرية.
وتضيف أن الأزمة لم تعد تقتصر على نقص المواد المخبرية، بل تفاقمت بعد فقدان أكثر من نصف أجهزة المختبرات نتيجة استهداف المرافق الصحية، في وقت تعاني فيه الأجهزة المتبقية من أعطال متكررة، مع استمرار منع إدخال قطع الغيار اللازمة لإصلاحها.
وأمام هذا الواقع، يجد الأطباء أنفسهم مضطرين، في كثير من الأحيان، إلى اتخاذ قرارات علاجية بإمكانات تشخيصية محدودة، وهو ما يضاعف المخاطر التي تهدد المرضى، ولا سيما أصحاب الأمراض المزمنة والحالات الحرجة والنساء الحوامل والأطفال الخدج، الذين تعتمد خطط علاجهم على فحوص دورية لا يمكن الاستغناء عنها.
بلا علاج
في المقابل، تواجه فوزية أبو عربية المرض بلا علاج، بعدما شُخِّصت إصابتها بسرطان الغدد، وتوقفت رحلتها العلاجية داخل المستشفى بعد نفاد الأدوية اللازمة لعلاجها، وحتى المسكنات التي كانت تخفف آلامها أصبحت نادرة.
ولا تختلف معاناة فوزية عن واقع آلاف المرضى في قطاع غزة، إذ تؤكد وزارة الصحة أن أزمة نقص الأدوية والمستهلكات الطبية تتفاقم مع استمرار الحصار ومنع إدخال الإمدادات العلاجية، محذرة من أن مئات المرضى باتوا مهددين بفقدان العلاج المنقذ للحياة.
وفي هذا السياق، يحذر مدير مجمع الشفاء الطبي، الدكتور محمد أبو سلمية، من أن أربعة آلاف مريض بالسرطان باتوا محرومين بالكامل من العلاج الكيماوي، مع تسجيل أربع إلى خمس حالات وفاة يوميًا بينهم نتيجة تعذر الحصول على العلاج. ويؤكد أن الأزمة لا تقتصر على مرضى السرطان، بل تمتد إلى مرضى الفشل الكلوي الذين يعتمدون على جلسات الغسيل ويعانون نقصًا في الأدوية والمكملات الأساسية، وإلى الأطفال المصابين بالسكري، الذين حُرم كثير منهم من أقلام الأنسولين، ما أدى إلى دخول عدد منهم إلى أقسام العناية المركزة بسبب المضاعفات.
وتشير وزارة الصحة إلى أن نحو 250 مريضًا بالفشل الكلوي يواجهون خطر توقف جلسات الغسيل بسبب نفاد المحاليل الطبية، فيما تهدد أزمة نقص الفلاتر بتوقف علاج ثمانية أطفال يحتاجون إلى غسيل الكلى، إلى جانب نحو 11 ألف مريض بالسكري يواجهون مضاعفات خطيرة بسبب نقص الأنسولين، و110 مرضى بالهيموفيليا يعانون نقصًا في العلاج اللازم.
ورغم هذا المسار الطويل الذي يقطعه المرضى بحثًا عن العلاج، لا تزال المستشفيات العاملة في قطاع غزة تواصل استقبال آلاف المراجعين والجرحى يوميًا، في محاولة للحفاظ على الحد الأدنى من الخدمات الطبية، رغم أنها تعمل بإمكانات استنزفتها أشهر طويلة من الحرب والحصار.
مرحلة انهيار
ويقول مدير مجمع الشفاء الطبي، الدكتور محمد أبو سلمية، إن المنظومة الصحية تعيش مرحلة انهيار غير مسبوقة، موضحًا أن المستشفيات تعمل بأكثر من 130% من طاقتها الاستيعابية، بينما تستقبل يوميًا عشرات الشهداء والجرحى بإصابات بالغة ومعقدة تتطلب تدخلات جراحية متعددة التخصصات، في وقت تعاني فيه نقصًا حادًا في الأدوية والمستهلكات الطبية وأدوات الجراحة.
ويضيف أن الأزمة لم تعد تقتصر على آثار القصف المباشر، إذ باتت المجاعة وسوء التغذية يفاقمان الحالة الصحية للسكان، موضحًا أن نحو 1.6 مليون شخص مهددون بالمجاعة وسوء التغذية، بينهم 74 ألف طفل و25 ألف امرأة حامل، وهو ما يزيد من المضاعفات الصحية ويثقل كاهل الطواقم الطبية.
وتعكس بيانات وزارة الصحة حجم الضغط غير المسبوق الذي تتحمله المنظومة الصحية، إذ استقبلت أقسام الطوارئ خلال النصف الأول من العام 997 ألفًا و844 مراجعًا، فيما راجع العيادات الخارجية 826 ألفًا و60 مريضًا، وأدخلت المستشفيات 111 ألفًا و378 حالة إلى أقسام المبيت لتلقي الرعاية الطبية.
وخلال الفترة ذاتها، أجرت الطواقم الطبية 57 ألفًا و112 عملية جراحية، بينها عمليات طارئة ومعقدة، ونفذت 760 عملية قسطرة قلبية، كما قدمت 47 ألفًا و629 جلسة غسيل كلوي لنحو 3912 مريضًا، إلى جانب عشرات آلاف جلسات العلاج الطبيعي والدعم النفسي.
حجم الاستنزاف
لكن هذه الأرقام لا تعكس حجم الجهد الذي تبذله الطواقم الطبية بقدر ما تكشف حجم الاستنزاف الذي تعمل في ظله المستشفيات، بعدما خرج 26 مستشفى من أصل 38 مستشفى عن الخدمة، فيما تواصل المرافق المتبقية العمل وسط نقص يتجاوز 50% في الأدوية الأساسية، و70% في المستهلكات الطبية، و87% في مواد الفحوص المخبرية، فضلًا عن شح الوقود، وتعطل الأجهزة الطبية، وصعوبة إدخال قطع الغيار.
وفي ظل هذا الواقع، لم يعد التحدي الذي يواجه الطواقم الطبية يقتصر على علاج المرضى، بل بات يتمثل في إنقاذ أكبر عدد ممكن من الأرواح بالإمكانات المتاحة. وبين أسرة مكتظة، وغرف عمليات تفتقر إلى المستلزمات، ومختبرات مهددة بالتوقف، تواصل المستشفيات معركتها اليومية في محاولة للحيلولة دون انهيار ما تبقى من المنظومة الصحية، بينما يواصل المرضى رحلة علاج قد تنتهي في أي محطة قبل الوصول إلى الشفاء.

























































