اخبار لبنان
موقع كل يوم -النشرة
نشر بتاريخ: ٨ كانون الأول ٢٠٢٥
قبل مئة عام، في قلب بيروت، افتتح طبيب شاب طموح، عائد من باريــس، عيادة صغيرة بعد إنهــاء تخصصه وكانت تضم 12 سريرا و 3 ممرضـــات فقط. لم يكن الدكتور توفيق رزق يتصوّر، حينها، المســـار الذي ستسلكه هذه المؤسسة المتواضعة. وبعد أن التقى بشريكة حيــاته، أولغـــا طوبيـــا، شكّل معها عائلة كرّست حياتها للطب وتجذّرت في المجال الطبي، إذ نقل الدكتور توفيق رزق شغفه إلى أولاده الأربعة: أسعد وبيير وبول، الذين أصبحوا أطباء ايضا، ومنى التي تخصصت بالتمريض وتقنية العمليات الجراحية.
وأسس في العام 1925 'عيادة الدكتور رزق'، قرب محطة ترامواي الناصرة - في منطقة السوديكو، والتي كان مقدّرا لها ان تصبح مركزًا طبيًا مرتبطًا بالجامعة اللبنانية الأمريكية، فاصبحت أكثر من مجرّد مستشفى اذ تحوّلت الى ملاذ للرعاية الصحية ومنبر للابتكار الطبي وركن اساسي في خدمة المجتمع، فقد شهدت العيادة توسعًا سريعًا وانتقلت مع حلول العام 1927 الى رأس النبع، ثم وجدت عام 1934 مقرًا أكبر في منطقة بسطا الفوقا. إذ لم يكن انتقالها خطوة نحو النمو فقط، بل شكّل دليلًا على الثقة المتزايدة من سكان المدينة واعتمادهم عليها، فيما كان فريق العمل قلب العيادة النابض وسرّ نجاحها، من الطاقم المخلص إلى الممرضات المتميّزات بالحنان والأخوات الراهبات اللواتي انضممن اليها، ليضفن دفئاً ورعاية تتجاوز جدران غرف العمليات.
وفــي العــام 1957، بدأ الفصـل الحــاســم في تــاريــخ المستشفى مع افتــتــاح المبنى A في الاشرفية، في حضور رئيس الجمهورية آنذاك كميل شمعون، ما أظهر تزايد مكـانة المستشفى. وقد تحقق هذا النجاح ليس فقط من خلال التفاني الطبي، بل أيضًا بفضل الدعم المعنوي والمالي المستمر من شقيق الدكتور توفيق رزق، عبد الله رزق. وانضمت بعدها راهبات ايطاليــات من رهبنة الفرنسيسكــان لقلب مريم الطاهر، ولاحقــا الأخوات الشويريــات من الخنشارة، ليصبحن ركنًا أساسيًّا في المستشفى، مجسّدات فلسفة مفادها أن الرعاية لا تقوم على الكفاءة الطبية فقط، بل على الإنسانية أيضًا.
أمّا ستينيات وسبعينيات القرن الماضي فشهدت انضمام جيل جديد الى المستشفى مع عودة الدكتور اسعد رزق، نجل المؤسس الدكتور توفيق رزق، من باريس حيث تلقّى تدريبه كطبيب مقيم ومتخصص في جراحة المسالك البولية وعمل أستاذًا مساعدًا في التخصّص نفسه في فرنسا. وتولى القيادة، الى جانب والده، فادخل خدمات حديثة، منها 'مركز غسيل الكلى' الذي كان أحد أول المراكز في لبنــان. وفي العــام 1971، اطلقت 'مؤسسة مستشفى رزق' اول بنك دم غير ربحي في لبنــان والذي أصبح لاحقًا المركز اللبناني لنقل الدم، مشكّلا شريان حياة لعدد لا يحصى من المرضى، ورمزًا لالتزام المستشفى بالصحة العــامة.
وانضم الى المستشفى العديد من اشهر الاطباء آنذاك في مختلف الاختصاصات الجراحية و الطبية.
وخلال الحرب الاهلية اللبنانية، بقي المستشفى صامدا، من دون أن يغلق أبوابه يومًا واحدًا، ورغم صعوبة الظروف والفوضى إلّا أنه تم افتتاح المبنى ' ب '، مستقبلا المرضى والجرحى ,فشكّل رمزًا مؤثرًا للصمود والالتزام الرعاية.
كما استمر المستشفى في الابتكار، فكان سبّاقًا في العام 1985 بإجراء أول عملية زرع كلى في لبنان، فضلا عن تحقيقه سلسلة من الإنجازات الطبية، منها إجراءات متقدمة في قسطرة القلب التداخلية مثل الدعامات التاجية وإجراء TIPS وتوسيع الصمام الميترالي عبر الجلد و بذالك ساهم في النهضة الطبية التي شهدها لبنان مساهمة فعالة.
وكان العام 1990، عامّا عزز فيه المستشفى مكانته القيادية في مجال زراعة الأعضاء من خلال انضمامه إلى 'البرنامج الوطني للأعضاء'، وهي خطوة محورية ساهمت في ترسيخ دوره في تطوير التبرع بالأعضاء وإجراء العمليــات الجراحية المنقذة للحيــاة في لبنــان. ثم في العـام 1991، انضم جيــل ثــالث من عــائلة رزق الى فريــق الإدارة، ممثلاً بسامي رزق، ابن الدكتور أسعد رزق، الذي كتب فصلًا جديدًا من القيادة والاستمرارية والحفاظ على رؤية العائلة وإرثها. وتم بناء المبنيين ' D 'و ' C' ، الأمر الذي ساهم في توسيع المستشفى وتوطيــد رســالتها في التقدم المستمر في مجــال الرعاية الصحية, و خصوصا انه اعتمد المعايير الاكاديمية في العلاج مما جعله من أكبر المستشفيات الجامعية في لبنان.
ومع مطلع الألفية، واصل المستشفى مسيرة تطوّره وشهد تحولًا جديدًا بفضل رؤية الجيل الثالث، إذ كان اول من انشأ مهبطاً للطائرات المروحية على سطح مستشفى لبناني، في العام 2002 ساهم في ايصال جرحى حرب نهر البـــارد في عـام 2007 بالسرعة المطلوبة الى غرف العمليـــات في المستشفى مما انقذ العديـــد من الجرحى جراء التدخل الجراحي السريع. كذلك كان اول مركز طبي لبناني ينال شهادة 9001، هذا بالإضافة الى إدخاله جراحات متقدمة كجراحة العمود الفقري واستبدال الفقرات وعمليـــات الورك بالتدخل الجراحــي المحدود، مما عكس حرصه على تقديم رعاية طبية حديثة. ثمّ وسّع المستشفى، في العام 2008، نطاقه من خلال شراء مبنى مجاور لاستيعاب النمو المستقبلي وتلبية الاحتياجات المتزايدة.
أمّا في العام 2009، فكانت شراكة الجامعة اللبنانية الأمريكية مع المستشفى علامة فــارقة أخرى، مؤكداً مهمة المستشفى المزدوجة في التميز السريــري والريــادة الأكــاديمية، وبات هذا الإنجــاز التــاريخي ممكنًا بفضل الثقة المتبــادلة والصداقة والتفاهم بين الدكتور جوزيف جبرا والدكتور أسعد رزق. وقد ضمنت رؤيتهما المشتركة بقاء المستشفى مركزًا أساسيًا للتعليم الطبي للأطباء الشباب، محافظًا على استدامة التميز في هذا المجال.
في السنوات الاخيرة، ومع تعيين السيد سامي رزق بمنصب الرئيس التنفيذي، واصل المركز الطبي للجامعة اللبنانية الاميركية – مستشفى رزق قيادة قطاع الرعاية الصحية في لبنان من خلال الابتكار والتعاطف والتفاني الثابت. وعلى الرغم من التحديات الكبيرة التي عصفت بلبنان والجسم الطبي فيه، بدءًا من الأزمة الاقتصادية، مرورًا بـ انفجار مرفأ بيروت في 4 آب 2020، وصولًا إلى جائحة كورونا والحرب الإسرائيلية على لبنان في عام 2024، لم يتزعزع المستشفى يومًا، بل بقي مفتوحًا دائما أمام أبناء مجتمعه، مقدّما الرعاية الأساسية، مما سلّط الضوء على المثابرة والعمل الجماعي والوفاء لفريق عمل المركز الطبي للجامعة اللبنانية الأمريكية – مستشفى رزق.
لطالما لعبت المستشفيات الجامعية دورًا أساسيًا خلال هذه الأزمات الأخيرة، حيث كانت عمودًا فقريًا للنظام الصحي اللبناني. وكان المركز الطبي للجامعة اللبنانية الأمريكية – مستشفى رزق واحدا منها محقّقا إنجازات بارزة في مجال التميز الطبي.
- عام 2018 افتتح أول مركز شامل للسكتة الدماغية في لبنان، مما ساهم في رفع معدلات نجاة المرضى وتعـافيهم.
- عام 2020 أطلق برنامج العيادة المتنقلة لتقديم الرعاية للمجتماعات الأكثر ضعفا من خلال توفير فحوص الخدمات الطبية الأساسية ورفع مستوى الوعي، كما افتتح، في العام نفسه، قسما جديدا للأذن والأنف والحنجرة.
- عام 2021 استقبل المستشفى مرضاه في قسم طوارئ حديث مزوّد بأفضل أجهزة التصوير الطبي وقدرات الاستجابة
السريعة.
- عام 2022 دشّن أول غرفة عمليات هجينة في لبنان تجمع بين الدقة الجراحية والتقنيات المتقدمة للتصوير الطبي.
- عام 2025 أقام برنامج الوقاية الصحية التنفيذي للعلاجات المتقدمة والتقنيات الجراحية الحديثة.
لم يكن مستشفى رزق، على مدى قرن من الزمن، مجرد مبانٍ وتجهيزات بل كان شريكا اساسيا للمجتمع وميدانًا لتدريب أجيال من الاطباء والممرضين والصيادلة وغيرهم من الكوادر الصحية. كما تميّز بكونه مكانا تلتقي فيه الإنسانية مع الخبرة والتميّز الطبي، فبات الملاذ الآمن في أوقات الأزمات وفسحة الأمل للمرضى وعائلاتهم.
لقد أصبح مركزًا طبيًا أكاديميًا يداوي الأجساد ويلامس القلوب، حاضرًا أبدًا من أجل أبناء مجتمعه ومُركّزا على رفع مستوى الوعي لديهم والخدمات المجتمعية الرائدة ليكون منارة امل حقيقية واليوم، مع احتفاله بمرور مئة عام على تأسيسه، حاملا إرثًا مبنيًا على الشجاعة والرعاية والابتكار، يواصل مسيرته بثبات مستعدًا لمواجهة تحدّيات الغد مع وفائه للماضي. ومع مزيد من التوسّع، يتطلّع الى قرن مقبل حافل بالنمو والابتكار، مساهماً في بناء مستقبل أفضل للرعاية الصحية في لبنان والمنطقة.
مئة عام من الرعاية. إرث من الإنسانية. مستقبل مكرّس للحياة والصحة والامل.











































































