اخبار لبنان
موقع كل يوم -المرده
نشر بتاريخ: ٢ تشرين الثاني ٢٠٢٦
كتب جوني منيّر في الجمهورية
تتأرجح أجواء المنطقة بين تكثيف التحضيرات العسكرية إيذاناً بجولة حربية قريبة جداً، وبين مساعٍ متقدّمة لإنجاز تسوية جديدة، عبر مفاوضات قائمة في الكواليس وبعيداً من المتابعة الإعلامية. فانتهاء الإنتخابات النصفية الأميركية بات على مسافة أيام معدودة، بعدما انتهت الإنتخابات الإسرائيلية إلى نتيجة غير حاسمة، ما يتيح لحكومة بنيامين نتنياهو الإستمرار لفترة غير محددة. وما يضاعف من عامل الغموض أسلوب الرئيس الأميركي دونالد ترامب نفسه، فهو اشتهر بأنّه عصي على أي استنتاج مسبق، وهو ما يجعل كل الإحتمالات مفتوحة. لكن الأهم، أنّ الوقت بات ضاغطاً جداً لاتخاذ القرار النهائي.
نتائج الإنتخابات الإسرائيلية أدخلت إسرائيل في مفاوضات داخلية صاخبة حول إمكانية تأمين الغالبية المطلوبة لتشكيل الحكومة. لكن الأخطر من ذلك، جنوح الشارع الإسرائيلي في اتجاه مزيد من التطرّف، بسبب تصاعد المخاوف الوجودية، والتي غذّتها النسبة المرتفعة لاقتراع العرب، وفاقت نسبة اقتراع اليهود. وهو عامل يلعب لمصلحة اليمين الإسرائيلي وتوجّهاته الداعية إلى مزيد من العنف والحروب. وقد تجلّى ذلك بوضوح مع التصريح المثير لنجل نتنياهو.
أما على المستوى الأميركي، فالترجيحات تشير إلى فوز للحزب الديموقراطي، سيسمح له بالسيطرة على الكونغرس بمجلسيه النيابي والشيوخ. لكن وبخلاف الإنطباع السائد بأنّ خسارة الحزب الجمهوري الحاكم ستجعل ترامب مقيّداً ويعيد حساباته مع إيران، فإنّ خبراء السياسة الأميركية يعتقدون العكس، قياساً على شخصية كالتي يتمتع بها ترامب. فهؤلاء يتوقعون أن تدفع الهزيمة بالرئيس الأميركي إلى الجنوح أكثر باتجاه الخيار العسكري ضدّ إيران، كونه سيشعر بالإهانة، ما قد يدفعه إلى اتخاذ قرارات يغلب عليها التهور.
أين يميل المستقلون؟
في الواقع، فإنّ غالبية شريحة المستقلين، والتي تشكّل في العادة العامل الإنتخابي الحاسم، باتت تميل للإقتراع ضدّ الحزب الجمهوري الحاكم، لسببين أساسيين: الاول والمتعلق بسياسة التعرفة الجمركية، والثاني إرتفاع مستوى غلاء المعيشة والناتج من إرتفاع أسعار النفط بسبب الحرب مع إيران. وكانت صحيفة «وول ستريت جورنال» قد كشفت منذ أيام عن اجتماع عسكري سرّي عُقد منتصف الأسبوع الماضي في غرفة عمليات البيت الأبيض، وشارك فيه رئيس أركان الجيوش الأميركية الجنرال دان كاين وقائد المنطقة الوسطى «سينتكوم» الأميرال براد كوبر، وأنّ الموضوع الأساسي كان ملف الحرب مع إيران. وجاء ذلك بالتزامن مع التحشيد العسكري الأميركي في الشرق الأوسط، إضافة إلى نقل بطاريات صواريخ إضافية من نوع «باتريوت». كذلك لفت إجلاء واشنطن لكافة عائلات ديبلوماسييها من المنطقة، والطلب من دول الخليج دفاعاتها لحماية أجوائها ومصالحها، وخصوصاً بناها التحتية الحياتية. وهو ما أوحى بأنّ ترامب قد يعطي الضوء الأخضر لإسرائيل لاستهداف البنى التحتية الإيرانية.
وبات ثابتاً أنّ ترامب يريد إنهاء الحرب مع إيران، عسكرياً أو تفاوضياً. وجاءت تغريدة السيناتور الجمهوري تيد كروز لتعزز المخاوف من جولة حربية جديدة ومفاجئة ومختلفة عن سابقاتها. وكتب سيناتور ولاية تكساس والأقرب لترامب على صفحته على منصة «إكس» قائلاً: «أمضيت يوم أمس كله مع الرئيس ترامب. إنّه يريد إنهاء التهديد الذي يشكّله النظام الإيراني، وقد حضضته على تسليح المحتجين الإيرانيين للإطاحة بالنظام».
لكن هذا لا يلغي الواقع بوجود توجّهين أساسيين في الدائرة الأساسية المحيطة بترامب: التوجّه الأول ويضمّ وزير الدفاع بيت هيغسيت ووزير الخارجية ماركو روبيو والقادة العسكريين الكبار، ويدفع في اتجاه مواصلة الضغط العسكري وصولاً إلى إضعاف النظام تمهيداً لإسقاطه. أما التوجّه الثاني والذي يضمّ، نائب الرئيس جي دي فانس والمبعوثين الرئاسيين ستيف ويتكوف وجاريد كوشنر، فهو يبدو أكثر ميلاً إلى حلول أقل كلفة من خلال سلوك خيار التفاوض. أما أعضاء مجلس الشيوخ الكبار من الحزب الجمهوري، فهم يحذّرون من العودة إلى المفاوضات من دون تحقيق نتائج ملموسة قد تمنح طهران فرصة لإعادة ترتيب أوراقها بدلاً من معالجة التهديد الذي يمثله بقاء النظام.
تعقيدات التفاوض
وعلى الضفة الأخرى لا يقلّ المشهد غموضاً. ففيما تتحدث التسريبات الإيرانية عن نقاط تفاهم جديدة مع واشنطن، مختلفة عن تلك التي تضمّنها اتفاق إسلام آباد، وجّه المرشد مجتبى خامنئي في إحدى مواقفه النادرة منذ تولّيه مسؤولياته، للردّ من دون قيود جغرافية. وهو ما قصد به أن تطاول الصواريخ الإيرانية أراضي وبلداناً جديدة، يتهمّها بتسهيل التحركات العسكرية الأميركية، كمثل قبرص وبلداناً في القارة الأوروبية. فيما قال نائب رئيس «الموساد» السابق للعمليات العالمية عوديد إيلام لصحيفة «نيويورك بوست»، إنّ إسرائيل قد تلجأ إلى تنفيذ هجوم مباغت على غرار عملية «البيجر» ضدّ «حزب الله»، بهدف القضاء على القيادة العسكرية الإيرانية.
والتأزّم القائم على مستوى المنطقة والمشوب بكثير من الغموض، إنعكس بدوره وبشكل مباشر على الواقع اللبناني. فلبنان سيتأثر مباشرة وسريعاً إزاء أي تصعيد عسكري، كما أنّه موجود في أي تسوية سياسية قد تحصل، وهو ما أثبتته اجتماعات طهران الأخيرة. والسؤال الأبرز الذي تبادر به الأوساط الديبلوماسية المتابعة للملف اللبناني، يتركّز حول سبل تعاطي الحزب مع الحماوة العسكرية المقبلة، على رغم من أنّ انخراطه في التصعيد المحتمل هو التوجّه الذي ترجحه هذه الأوساط. ولذلك تمّ توجيه تحذير أميركي رسمي إلى لبنان، بأنّ الردّ الإسرائيلي سيكون أكثر تدميراً هذه المرّة، وأنّ واشنطن لن تتدخّل لدى إسرائيل لثنيها أو لوضع خطوط حمر أمام هجماتها. وتروي هذه الأوساط نقلاً عن خبراء عسكريين غربيين، أنّ إسرائيل لم تعمد حتى الآن إلى رفع مستوى حشود قواتها البرية، وهو ما تفسّره بأنّها ليست في وارد القيام بتقدّم برّي واسع. واستطراداً، فهي جهّزت قوتها الجوية لتنفيذ ضربات هائلة عبر القنابل الضخمة والثقيلة، والتي قد تطاول منشآت تمّ تحييدها في السابق. لكن الأوساط العسكرية اللبنانية لا تجاري كثيراً التقييم الغربي. فهي تعتبر أولاً أنّ الجيش الإسرائيلي قادر خلال ساعات معدودة على تأمين الحشود البرية المطلوبة والإنتقال إلى تحركات هجومية في حال قرّرت ذلك. وهو ما يعني أنّ عدم تحشيد القوات البرية حتى الآن لا يعطي ضمانات جدّية وحقيقية حول نياتها التوسعية. كذلك فإنّ استهداف لبنان بحملة قصف جوية تدميرية يبقى قائماً، بغض النظر عن أي حادثة قد تحصل، وأنّ إسرائيل قد تكون تدرس التوقيت الملائم أكثر من أي أمر آخر.
ولا شك في أنّ هذا الواقع اللبناني والذي يشكّل انعكاساً مباشراً للتطورات الإقليمية، سيكون مطروحاً على بساط البحث، خلال اللقاءات الجانبية التي سيعقدها قائد الجيش العماد رودولف هيكل مع قادة جيوش المنطقة، خلال مشاركته في مؤتمر «المنامة». وسيلتقي أيضاً بالوفد العسكري الأميركي المشارك. فخلال الأسابيع الماضية، لوحظ ارتفاع منسوب الإنتقادات للبنان على خلفية اكتشاف متفجرات ضهر البيدر من عدد من الدول العربية والأوروبية. وخلال التواصل مع عواصم هذه الدول، كان الجواب شبه موحّد: رتّبوا أوضاعكم مع واشنطن، فالتشكيك الأميركي بالموقف اللبناني هو السائد.
ملف شحنة المتفجرات
ومع القرار الإتهامي الصادر حول شحنة متفجرات ضهر البيدر، بدا أنّ السلطات اللبنانية وصلت إلى أقصى ما يمكن فعله. فللمرّة الأولى يصدر قرار قضائي يجري فيه تسمية أشخاص من «حزب الله» وبشكل محدّد، وهو ما لم يكن يحدث سابقاً. لكن الأمور ستقف عند هذا الحدّ من دون الذهاب إلى خطوات تنفيذية أبعد، وهو ما لا تستسيغه واشنطن. فهي ترى أنّ ما حصل جاء من ضمن ترتيبات تمّ التفاهم حولها لاحتواء الضغوط الخارجية. وبالتالي، فإنّ الأمور لن تذهب في اتجاه السعي لاعتقال الأشخاص المتهمين، ولا لإحالة الملف إلى المجلس العدلي. لا بل إنّ هذه الأوساط تقول إنّها تملك معلومات عن أنّ «حزب الله» لن يتجاوب مع مطالب القضاء، وبالتالي لن يسمح لأي من هذه الأسماء بالذهاب إلى التحقيق. وبالتالي فإنّ المسار لن يتجاوز هذا الحدّ.
خطوط حمر
في أي حال، فإنّ لبنان يدرك جيداً أنّ الضغوط الأميركية لا يمكنها أيضاً الذهاب إلى الأبعد وتجاوز الخط الأحمر. فسقوط الهيكل القائم للدولة منذ نحو سنتين سيصبّ في خانة مصلحة «حزب الله». وكذلك تفكّك الجيش اللبناني سيمنح الحزب أوراقاً ثمينة تسمح له بتوسيع نفوذه. وهيكل الدولة بات ضعيفاً، ما يعني أنّه لم يعد قادراً على تحمّل ضغوط إضافية، وواقع الجيش يشهد صعوبات متزايدة في ظل أزمة معيشية وحياتية تعصف بالمجتمع اللبناني. لكن ثمة مَن يقترح نقل الضغوط الأميركية عن الهيكل بكامله إلى مفاصل داخله، ما يسمح بالمحافظة على البناء الضعيف القائم، وفي الوقت نفسه توجيه ضربات مؤلمة لبعض مفاصله.
منتصف الأسبوع الجاري ينتهي السباق الإنتخابي الأميركي، ويتحرّر معه ترامب من القيود الإنتخابية التي حاصرته خلال الأشهر الماضية. وهي حسابات تلائم أيضاً بنيامين نتنياهو. ترامب مقتنع بأنّ الإرث الذي سيطبع فترته الرئاسية يتعلق بما ستؤول إليه الأزمة مع إيران، ولا شيء غير ذلك، وهنا المعضلة الأساس.











































































