اخبار لبنان
موقع كل يوم -لبنان الكبير
نشر بتاريخ: ٢٣ تشرين الأول ٢٠٢٦
تتمثل إشكالية بعض التيارات القومية واليسارية والإسلامية في العالم العربي في تحوّل الخلافات الفكرية والسياسية إلى مواقف متناقضة تجاه قضايا الأمن القومي العربي، ولا سيما أمن دول الخليج. وقد أسهمت هذه المواقف في تعميق الانقسام داخل الرأي العام العربي، خصوصًا في العراق ولبنان وفلسطين والجزائر ومصر، بشأن التعامل مع الصراعات الإقليمية والتدخلات الخارجية.
بين مواجهة إسرائيل وتجاهل التدخلات الإيرانية
تبرز هذه الإشكالية عندما تتعرض المملكة العربية السعودية أو دول الخليج لاعتداءات أو تهديدات تمس أمنها واستقرارها، فتظهر مواقف تبرر تلك الاعتداءات أو تقلل من خطورتها، انطلاقًا من اعتبارات أيديولوجية وحسابات سياسية مرتبطة بالموقف من إيران والصراع مع إسرائيل. وتكشف هذه المواقف عن انتقائية في التعامل مع قضايا الأمن القومي العربي، حين تُمنح بعض القوى شرعية سياسية بسبب شعاراتها المناهضة لإسرائيل، مقابل التغاضي عن سياساتها الإقليمية وانعكاساتها على أمن الدول العربية.
وتزداد الإشكالية تعقيدًا عندما يصبح الصراع مع إسرائيل معيارًا وحيدًا للحكم على مواقف القوى الإقليمية. فمواجهة إسرائيل لا تعني بالضرورة أن نتائجها تصب في مصلحة العرب، كما أن رفع شعار المقاومة لا يعفي أي طرف من مسؤولية احترام سيادة الدول وحماية شعوبها. لذلك، ينبغي التمييز بين دعم القضية الفلسطينية وبين تأييد السياسات الإيرانية أو غيرها من السياسات التي قد تتعارض مع مصالح الدول العربية. فالأمن القومي لا ينبغي أن يخضع لاعتبارات المحاور، بل لمصالح الشعوب وسيادة الدول.
الحوثيون ومعادلة الصراع: فلسطين وأمن اليمن والخليج
تتجلى هذه الازدواجية في المواقف من جماعة الحوثيين في اليمن، ولا سيما انخراطها في المواجهة مع إسرائيل تحت شعار دعم الفلسطينيين. فبينما يرى بعض المتابعين أن عمليات الجماعة تمثل إسنادًا للقضية الفلسطينية، يرى آخرون أن تقييم دورها يجب أن يشمل أنشطتها العسكرية والسياسية وانعكاساتها على أمن اليمن والسعودية ودول الخليج والممرات البحرية.
وتكمن الإشكالية في اختزال موقف جماعة سياسية أو عسكرية في جانب واحد من نشاطها، وإغفال تداعياته الأخرى. فدعم الفلسطينيين لا يستلزم تأييد جميع العمليات التي تنفذها القوى التي تعلن مساندتهم، كما أن الدفاع عن أمن الخليج لا يتعارض مع إدانة الاعتداءات الإسرائيلية. ومن ثم، يتطلب التقييم الموضوعي الفصل بين عدالة القضية الفلسطينية وبين تقييم سياسات الحوثيين وأدوارهم الإقليمية.
كما أن استمرار الصراعات يثير تساؤلات حول الأعباء التي تتحملها الشعوب العربية نتيجة توسيع نطاق المواجهات. فعندما تتحول الأراضي اليمنية والممرات البحرية إلى ساحات للصراع، تمتد التداعيات إلى الأمن والاقتصاد الإقليميين. ولذلك، ينبغي وضع سيادة اليمن ومصالح شعبه وأمن دول الخليج ضمن إطار تحليلي واحد، بعيدًا عن الاكتفاء بالشعارات السياسية.
العرب بين مطرقة إسرائيل وسندان إيران
تمثل السياسات الإسرائيلية، بما تتضمنه من احتلال وعمليات عسكرية وانتهاكات بحق الفلسطينيين، محورًا أساسيًا في فهم الصراع الإقليمي. غير أن إدانة هذه السياسات لا ينبغي أن تتحول إلى مبرر لتجاهل التدخلات الإيرانية في الدول العربية، مثلما أن انتقاد الدور الإيراني لا يبرر الاعتداءات الإسرائيلية أو الأمريكية.
وتظهر المشكلة عندما تصبح الانتهاكات مقبولة لدى بعض الأطراف بسبب توافقها مع توجهاتها الأيديولوجية، بينما تُرفض عندما تصدر عن خصومها. ويقتضي الموقف المتماسك إخضاع الجميع لمعايير واحدة في تقييم استخدام القوة، واحترام سيادة الدول، وحماية المدنيين، وعدم التدخل في شؤون الشعوب. فالشعارات المتعلقة بالمقاومة أو حماية الأمن والاستقرار لا تكفي وحدها للحكم على السياسات، بل ينبغي النظر إلى ممارساتها ونتائجها الفعلية.
كما لا يصح افتراض أن المواجهة بين إيران وإسرائيل تجري بالضرورة لمصلحة الشعوب العربية؛ إذ يسعى كل طرف إلى تحقيق أهدافه ومصالحه الاستراتيجية، وقد تتقاطع هذه المصالح مع بعض المطالب العربية أو تتعارض معها. فالعداء المشترك لطرف ما لا يعني بالضرورة تطابق المصالح أو وحدة الأهداف، الأمر الذي يستدعي قراءة الصراعات في ضوء نتائجها وتداعياتها على أمن الدول العربية واستقلالها.
منطق المحاور أم منطق الدولة؟
إن التحدي أمام الرأي العام العربي لا يتمثل في الاختيار بين رفض السياسات الإسرائيلية وتجاهل التدخلات الإيرانية، بل في رفض الانتقائية في الموقف من الطرفين. فليس من المنطقي أن تتحول الأراضي العربية إلى ساحات لتصفية الحسابات الإقليمية والدولية، أو أن يصبح أمن الشعوب ورقة ضغط في صراعات لا تتحكم في مساراتها.
وعليه، فإن المطلوب من التيارات القومية واليسارية والإسلامية وسائر القوى السياسية العربية تجاوز الاصطفاف الأيديولوجي في قراءة الأحداث، والتمييز بين دعم القضية الفلسطينية وتبرير سياسات القوى الإقليمية التي ترفع شعارها. فالتضامن مع الفلسطينيين لا يتعارض مع الدفاع عن سيادة الدول العربية وأمنها، كما أن رفض التدخلات الإيرانية لا يقلل من خطورة الاحتلال الإسرائيلي والانتهاكات بحق الفلسطينيين.
إن اعتماد معيار سياسي وأخلاقي موحد في تقييم ممارسات جميع الأطراف يمثل ضرورة لحماية الأمن القومي العربي، والحد من الانقسامات الداخلية، ومنع توظيف القضايا القومية والإنسانية لخدمة مشاريع إقليمية متنافسة. فالأولوية ينبغي أن تكون لمصالح الشعوب العربية واستقلال قرارها، لا لمصالح المحاور الإقليمية وحساباتها.











































































