اخبار لبنان
موقع كل يوم -ام تي في
نشر بتاريخ: ٣ تشرين الأول ٢٠٢٦
يدخل المسار اللبناني - الإسرائيلي مرحلة مختلفة، لا يعود فيها جوهر المسألة محصوراً في التفاوض على ترتيبات أمنية أو في إدارة الاتصالات بين الأطراف المعنية، بل ينتقل تدريجياً إلى اختبار قدرة الدولة اللبنانية على ترجمة ما تم التفاهم عليه إلى خطوات عملية، وعلى إدارة تداعيات هذه الخطوات سياسياً وميدانياً.
هذا التحول يفرض على السلطة التعامل مع المرحلة المقبلة باعتبارها استحقاقاً سياسياً بالدرجة الأولى. فكلما اقترب البحث من إجراءات ملموسة على الأرض، تراجع هامش الحركة التقنية لمصلحة القرار السياسي، وأصبح السؤال الأساسي: ما الذي تريد الدولة الالتزام به؟ وما الذي تستطيع المؤسسة العسكرية تنفيذه؟ وماذا يريد لبنان، في المقابل، من إسرائيل والجهات الراعية للتفاهمات؟
تقوم المعادلة التي تتشكل تدريجياً على مبدأ واضح قائم على أنه لا يمكن فصل أي التزام لبناني عن النتائج التي يفترض أن تترتب عليه. فإذا كان المطلوب من الدولة تعزيز حضورها في مناطق محددة واتخاذ إجراءات مرتبطة بترسيخ سلطتها، يفترض ذلك وجود مسار مقابل يترجم على الجانب الإسرائيلي، سواءٌ عبر إعادة الانتشار أو تثبيت ترتيبات تخفف احتمالات التصعيد. من شأن أي خلل في هذا التوازن أن يعيد إنتاج الأزمة بدلاً من معالجتها.
من هنا، تبرز أهمية الدور الأميركي في المرحلة المقبلة. فواشنطن أمام مقاربة تتجاوز إدارة التفاوض إلى متابعة مدى قدرة الدولة اللبنانية على تنفيذ ما تلتزم به. هذا يعني أن الاهتمام لن ينصب فقط على ما تقوله الأطراف في الاجتماعات، بل على ما يحدث فعلياً على الأرض. بذلك، تصبح الدولة نفسها موضع اختبار باعتبارها الجهة السياسية المسؤولة عن القرار وعن توجيه مؤسساتها الرسمية.هنا تحديداً تظهر مسؤولية السلطة السياسية. فالجيش يستطيع تنفيذ المهمات التي تكلفه بها الحكومة، لكنه لا يستطيع أن يحدد منفرداً طبيعة التسوية أو سقفها أو أثمانها السياسية. لذلك، يحتاج أي انتقال إلى إجراءات ميدانية جديدة إلى قرار سياسي واضح يحدد المهمة والحدود والأهداف، ويؤمِّن في الوقت نفسه الغطاء الداخلي اللازم لتنفيذها.
لا يقل أهمية عن ذلك تحديد المقابل. لا تكمن المشكلة فقط في معرفة ما هو مطلوب من لبنان، بل في معرفة ما سيحصل عليه في المقابل. إذ يفترض نجاح أي صيغة جديدة أن تقوم على خطوات متبادلة، بحيث لا تتحول الالتزامات اللبنانية إلى مسار منفصل عن الالتزامات الإسرائيلية. في هذا السياق، تصبح آليات التحقق والمتابعة أكثر أهمية، لأنها تحدد عملياً ما إذا كانت قاعدة الخطوة مقابل الخطوة ستبقى مجرد عنوان تفاوضي أم ستتحول إلى آلية عمل.
في هذا الإطار، يكتسب الاجتماع المرتقب في تامبا أهمية سياسية وعملية، لا سيما أن البحث يفترض أن يلامس التحضير للملفات التي يمكن أن تشكل أساساً للمرحلة التالية، وفي مقدمها كيفية التعامل مع المناطق التجريبية.
لكن الأهم من موعد الاجتماع هو ما سيحمله لبنان إليه. فالدخول في مرحلة التنفيذ يحتاج إلى موقف لبناني محدد، لا يكتفي بإبداء الاستعداد للتعاون، بل يحدد بوضوح حدود ما يمكن للدولة أن تقوم به، والضمانات التي تحتاج إليها، والنتائج التي تنتظرها من الطرف الآخر. ذلك أن الانتقال من التفاوض إلى التنفيذ يغيّر طبيعة المسؤولية. ففي مرحلة التفاوض يمكن تأجيل الملفات الخلافية وإبقاؤها قيد البحث، أما عندما تصبح الإجراءات ميدانية، تخلق كل خطوة واقعاً جديداً وتستدعي خطوة مقابلة. وقد يضع أي قرار غير محسوب أو أي التزام غير واضح الدولة أمام استحقاقات يصعب التراجع عنها لاحقاً.
لذلك، لن يكون الاختبار الحقيقي في المرحلة المقبلة للمؤسسة العسكرية وحدها، بل للقرار السياسي اللبناني بأكمله. المطلوب أن تحدد السلطة ما الذي تريده من المسار، وما الذي تستطيع الالتزام به، وما الذي تعتبره مقابلاً ضرورياً، وأن تحول هذه الرؤية إلى تفويض واضح للمؤسسات المعنية.
لا يحتاج الجنوب فقط إلى إجراءات أمنية جديدة، بل إلى معادلة سياسية واضحة تحمي هذه الإجراءات وتضمن استمراريتها. وستصبح قدرة الدولة على إنتاج قرار موحد ومحدد عاملاً أساسياً في رسم المرحلة المقبلة. ولن تقاس قيمة أي تفاهم بما ورد في نصوصه، بل بقدرته على إنتاج وقائع متبادلة تخفف احتمالات التصعيد وتعيد تثبيت دور الدولة في إدارة ملف الجنوب.











































































