اخبار لبنان
موقع كل يوم -نافذة العرب
نشر بتاريخ: ١٣ أيلول ٢٠٢٦
اعتبر توماس كارلايل في كتابه 'الأبطال وعبادة البطولة، والبطولي في التاريخ' أن التاريخ يُشكّل في جوهره سجلًّا لأفراد استثنائيين، رجالاً تتميّز شجاعتهم وقوة شخصيتهم بقدرتهم على منح عصرهم اتجاهاً حين تعجز المؤسسات عن ذلك. هؤلاء لا يبتكرون الفوضى من العدم، بل يسيطرون عليها ويحوّلون مسارها. وأشار كارلايل إلى أن الأزمة توفر الفرصة للرجل العظيم لمنحها التوجه المناسب.
في هذا الإطار، يُعدّ بشير الجميّل نموذجًا معاصرًا لتلك الشخصية، إذ تزامن ظهوره مع انهيار النظام القديم في لبنان إثر الفوضى والحرب الأهلية. فقد فرض وحدته على المشهد المسيحي اللبناني، وتسلم السلطة في مواجهة احتمالات هزيمته، قبل أن يُغتال في 14 أيلول 1982، بعد ثلاثة أسابيع فقط من انتخابه رئيسًا للبنان في 23 آب 1982 تحت الاحتلال الإسرائيلي والسوري، ومعارضة داخلية وخارجية واسعة.
في لبنان أواخر السبعينيات، كان المشهد مشابهاً لما عانته روما قبل عهد قيصر، إذ شهد الانهيار التدريجي للجمهورية وتفكك سلطة الدولة. عاشت المناطق المسيحية ضغطًا عسكريًا وسياسيًا من عدة قوى مسلحة، أبرزها منظمة التحرير الفلسطينية التي أنشأت دولتها داخل الدولة في جنوب لبنان وأجزاء من بيروت وجبل لبنان، بالإضافة إلى تحالف اليسار اللبناني بقيادة كمال جنبلاط والحركات الإسلامية والبعث السوري الذي دخَل عام 1976 بذريعة إعادة النظام، لكنه قالب ذلك بحصار مناطق مسيحية عدة.
وفي هذا الجو المعقد، نجح بشير الجميّل في توحيد التنظيمات العسكرية المسيحية تحت قيادة واحدة، رغم معارضة والده بيار الجميّل والرئيس السابق كميل شمعون والمؤسسة التقليدية التي لم تكن مؤيدة لإنشاء قوات لبنانية موحدة. وقد تطلب تحقيق هذا الهدف مواجهة قاسية مع خصومه داخل المعسكر المسيحي نفسه، إذ اضطر إلى إخضاع المنافسين في ما يشبه حربًا داخلية دموية، على غرار ما حدث بين قيصر وبومبيوس في روما.
تُعتبر لحظة بناء بشير قوة مسيحية مسلحة ومنضبطة مع تحدٍّ علني للجيش السوري بمثابة 'عبور الروبيكون'، وهي نقطة الانطلاق التي لم يعد التراجع بعدها ممكنًا، لتبدأ مشواره السياسي بقرار صارم على مواجهة التردد.
رغم انتخابه رئيسًا في 23 آب 1982، لم يستلم بشير مهامه رسميًا قبل اغتياله، لكن خطاباته ورؤاه التي عبّر عنها في تلك الفترة القصيرة أكدت تطلعه إلى حكم يتجاوز الانقسامات الطائفية ويُعنى بالمصالحة الوطنية الواسعة. رغم أن التسامح لا يمكن الجزم به بالكامل في سجله، إلا أن نيته بالاندماج الوطني بدت واضحة. وقد يُشبه موته بمحاولة قيصر لإرساء نظام دائم، فكل منهما قُتل حين بدأ يحوّل القوة العسكرية إلى سلطة سياسية مستقرة.
كان بشير يبلغ من العمر 34 عامًا وقت اغتياله، لينضم بذلك إلى قائمة رجال قصّر الموت حياتهم قبل نضوج مشاريعهم، مثل الإسكندر الأكبر وهنري الخامس ملك إنكلترا. ويتجلى أثر ذلك في استمرار السؤال عمّا كان سيمثّله لو عاش أكثر.
لا ينكر المؤرخون أن نتائج التاريخ لا يُفسّرها فرد واحد بمعزل عن السياق والحلفاء والجماعات، لكن كارلايل يرى أن بعض الأزمات تنتج فوضى عارمة، وأحيانًا تُفرز شخصًا يمنحها وجهًا واتجاهًا. بشير الجميّل كان هذا الشخص بالنسبة إلى المسيحيين اللبنانيين في زمن الحرب، وقد ترك أثرًا استثنائيًا رغم عيوبه.
يشير الكاتب إلى أن صعود بشير الجميّل وموته يتطابقان مع مسار 'العظماء' في التاريخ؛ فقد ظهر وسط سقوط مؤسسات جماعته، فرض الوحدة في المعسكر المسيحي الممزق، وتسلّم السلطة رغم كل الصعاب، لكنه اغتيل قبل أن يتمكن من تثبيت مشروعه، ما أبقى اسمه حيًا منذ أكثر من أربعة عقود.
تثير مقارنة بشير بقيصر سؤالًا مهمًا حول حاجة المسيحيين اللبنانيين اليوم إلى شخصية قيادية مماثلة، تمكّن من خلق تماسك تنفيذي حقيقي، يغيّر التعددية والضعف وينقل الصوت المسيحي إلى قوة تفاوضية موحدة. غير أن هذا التماسك الذي تحقق في عهده كان مرتبطًا به شخصيًا ولم يتحوّل إلى بنية مؤسساتية مستدامة.
وقد أدّى اتفاق الطائف عام 1989 إلى تجريد الرئاسة المارونية من معظم صلاحياتها التنفيذية، ونقلها إلى رئاسة الحكومة ورئاسة البرلمان من الطوائف الأخرى، ما أفقد المسيحيين زمام المبادرة، وحوّلهم إلى طرف يتقبّل ترتيبات تُفرض عليهم بدلًا من أن يفرضوا شروطهم.
لذلك، يبدو أن ما فقده المسيحيون منذ عام 1982 ليس فقط زعامة أو ذكرى بل إطارًا مؤسساتيًا متينًا يضمن حضورهم المستمر على الأرض، إطارًا يقيمه ويثبت استمراريته قوة قيادية حاسمة وليس مجرد شخصية استثنائية واحدة. هذه هي 'صدمة القيصر' الضرورية التي قد تمكّن المسيحيين من تأمين مستقبلهم السياسي والاستقلالي لعقود مقبلة











































































