اخبار فلسطين
موقع كل يوم -فلسطين أون لاين
نشر بتاريخ: ٢ كانون الثاني ٢٠٢٦
في ظل حرب مفتوحة يشنها الاحتلال الإسرائيلي على قطاع غزة، تستهدف قبل كل شيء رأس الهرم القيادي للمقاومة الفلسطينية، تبرز تساؤلات حول قدرة المقاومة، وعلى رأسها كتائب عز الدين القسام، على الصمود والاستمرار رغم خسارة قادة بارزين في ميادين التخطيط والقيادة والتصنيع.
فهل يُفضي غياب الصفّ الأول إلى إرباك البنية العسكرية، أم يكشف عن نموذج مختلف في القيادة والسيطرة قائم على اللامركزية وتدوير الأدوار؟ ولماذا فشلت سياسة الاغتيالات، حتى الآن، في كسر المنظومة القتالية للمقاومة؟
وكانت كتائب القسام نعت في خطاب لها، الاثنين الماضي، عددا من قادتها العسكريين البارزين الذين استشهدوا في الأسابيع والأشهر الماضية وقادوا العمليات العسكرية خلال حرب الإبادة على قطاع غزة وهم: محمد السنوار قائد هيئة الأركان الذي خلف الشهيد محمد الضيف، ومحمد شبانة قائد لواء رفح في كتائب القسام، وحكم العيسى قائد ركن الأسلحة والخدمات القتالية، ورائد سعد قائد ركن التصنيع العسكري، وحذيفة الكحلوت 'أبو عبيدة' المتحدث العسكري باسم كتائب القسام.
نظام مؤسسي
وفي السياق، قال الخبير العسكري والاستراتيجي اللواء المتقاعد فايز الدويري إن كتائب القسام تعمل وفق نظام مؤسسي منظم، يتيح لها القدرة على إنجاب قيادات جديدة فور غياب القادة الحاليين، مشيرًا إلى أن القائد البديل قد لا يكون، في اللحظة الأولى، بمستوى القائد الأصيل أو السابق، لكنه يكون قد عمل معه لفترة طويلة واكتسب خبراته وتفاصيل عمله.
وأوضح الدويري في مقابلة تلفزة، في مقارنة بين المتحدث العسكري السابق لكتائب القسام المعروف باسم 'أبو عبيدة' والمتحدث الحالي، أن ثمة تشابهًا لافتًا في الشكل والهيئة، بدءًا من اللثام نفسه، مرورًا بالهيئة العامة، ووصولًا إلى قرب الصوت ولغة الجسد، لافتًا إلى أن المتحدث الجديد حاول، في بعض اللقطات، محاكاة لغة الجسد التي اشتهر بها أبو عبيدة، ولا سيما رفع الشاهد الأيمن، وهي إشارة لم تكن معروفة سابقًا عنه.
واعتبر أن هذه الرسائل البصرية والإعلامية تعكس حرص القسام على إظهار استمرارية المؤسسة الإعلامية والعسكرية، وكأن المتحدث الجديد يقول إن أبا عبيدة كان مرآة للوجه الإعلامي للمؤسسة، وها هو اليوم يخرج مقتفيًا أثر القائد السابق، وسائرًا على دربه.
ولفت إلى أن استشهاد القادة يؤثر بلا شك في المنظومة، لكنه لا يعطلها ولا يشلها، مشددًا على أن استشهاد أي قائد لا يعني توقف العمل النضالي أو انهيار المقاومة، التي تواصل مسيرتها رغم الخسائر.
نموذج هجين
من جهته، يرى الباحث في الشأن العسكري رامي أبو زبيدة إن بنية القيادة والسيطرة لدى المقاومة في غزة، ولا سيما كتائب القسام، تقوم على نموذج هجين يجمع بين المركزية في التخطيط واللامركزية في التنفيذ، وهو ما مكنها من الصمود والاستمرار رغم الاستهداف المكثف للقيادات والبنية التحتية خلال الحرب.
وأوضح أبو زبيدة لـ 'فلسطين أون لاين'، أن الهيكل التنظيمي للقسام يعتمد على تقسيم قطاع غزة إلى مناطق دفاعية، تضم كل منها لواءً عسكريًا، ينقسم بدوره إلى كتائب ثم سرايا وفصائل وصولًا إلى مجموعات قتالية صغيرة، تعمل جميعها ضمن نطاقها الجغرافي بدرجة عالية من الاستقلالية، ولكن وفق رؤى وخطط موحدة.
وبين أن هذا النموذج يمنح الوحدات الميدانية صلاحيات واسعة لاتخاذ القرار القتالي دون الحاجة للعودة إلى القيادة العليا في حالات الاشتباك والمواجهة، وهو ما ظهر خلال عامين من الحرب، حيث تعرضت جميع مناطق القطاع لاستهداف واسع، ورغم ذلك استمرت المقاومة في التواصل وتنفيذ العمليات بصورة منظمة، حتى في ظل تقطيع أوصال القطاع وانقطاع الاتصالات.
وأشار إلى أن غياب الفوضى الميدانية وعدم انهيار الأداء القتالي، رغم اغتيال قادة بارزين، يعكس طبيعة المقاومة باعتبارها مؤسسة عسكرية منظمة ذات هيكلية ونظام، وليست فعلًا فرديًا أو تنظيمًا يعتمد على قائد واحد، لافتًا إلى أن القسام يعمل وفق عقيدة حرب العصابات والحرب اللامتناظرة.
وأضاف أن هناك ثباتًا في العقيدة القتالية، حيث إن المقاتل الميداني لا يقاتل بناءً على أوامر صوتية آنية أو تعليمات لحظية، بل يمتلك تصورًا مسبقًا لأهدافه ومهامه، سواء كان القائد حاضرًا أو غائبًا، إلى جانب وجود حاضنة شعبية قوية تشكل ركيزة أساسية لاستمرار المقاومة.
منظومة ذاتية الترميم
واعتبر أبو زبيدة أن الاحتلال يواجه ما يمكن تسميته بـ'المنظومة ذاتية الترميم'، إذ تمتلك المقاومة قدرة مستمرة على تعويض خسائرها البشرية عبر التجنيد الميداني واستقطاب عناصر جديدة، مستفيدة من البيئة الشعبية الحاضنة.
وتابع أن المقاومة اعتمدت خلال السنوات الماضية، وخاصة خلال حرب الإبادة، على التصنيع العسكري الذاتي، من خلال ورش محلية وقدرة عالية على توظيف الإمكانيات والموارد المتاحة، مشيرًا إلى أن معظم السلاح المستخدم، من الصواريخ إلى عبوات 'الشواظ' وقاذف 'الياسين'، هو من صناعة القسام، ما عزز استقلالية القرار العسكري.
ولفت إلى أن المقاومة تراقب باستمرار أساليب الاحتلال وتعمل على تغيير تكتيكاتها القتالية وفق المرحلة، من المواجهة المباشرة إلى الكمائن المركبة وعمليات الاستهداف المحددة، إضافة إلى تقييم الواقع الميداني والإنساني في قطاع غزة في ظل الظروف الكارثية الراهنة.
وفيما يتعلق بتعبئة الشواغر القيادية، أوضح أبو زبيدة أن هذه القدرة ناتجة عن نظام بنيوي داخل المقاومة يقوم على إعداد أجيال ثانية وثالثة من القادة بالتوازي مع الجيل الأول، ما أتاح عملية تعويض وتفويض سريعة وسلسة، رغم قسوة الظروف واستمرار الحرب.
وأشار كذلك إلى اعتماد المقاومة على القيادة الجماعية من خلال مجالس عسكرية مصغرة بدل نموذج 'الرجل الواحد'، وهو ما يضمن اتخاذ القرار بالتشاور، ويحمي المنظومة من الشلل في حال غياب رأس الهرم القيادي.
وحول غياب القيادات التاريخية، قال أبو زبيدة إن هذا التحدي شكل إرباكًا للأجهزة الاستخبارية الإسرائيلية، موضحًا أن القراءة العسكرية للمشهد تشير إلى تحول من الرمزية إلى الوظيفة، حيث إن قادة مثل محمد السنوار، ومحمد الضيف، وأحمد الغندور، ومن قبلهم يحيى عياش وعماد عقل، أسسوا النظام والمنظومة، بحيث أصبحت الوظيفة والشاغر أهم من الاسم. وأضاف أن القائد الذي يدير لواء الشمال اليوم قد لا يكون معروفًا إعلاميًا، لكنه يعمل وفق نظام عسكري صارم ومتعارف عليه داخل أروقة المقاومة.
وخلص إلى أن المقاومة اليوم ليست مجرد مجموعة مسلحة، بل بنية عسكرية مؤسسية صُممت خصيصًا للتعامل مع سيناريوهات انقطاع الاتصال أو اغتيال القادة، مشددًا على أن مصدر القوة لم يعد في الشخص، بل في البديل والدليل الإجرائي القتالي الذي يعمل وفقه أصغر مقاتل في الميدان.

























































