اخبار لبنان
موقع كل يوم -ام تي في
نشر بتاريخ: ٢٤ أيلول ٢٠٢٦
تدخل العلاقة بين لبنان وإيران مرحلة مختلفة مع انتقال الملف اللبناني، ولا سيما ما يتصل بالجنوب والحدود والعلاقة مع إسرائيل، بصورة متزايدة إلى المؤسسات اللبنانية الرسمية. فالإطار الثلاثي الذي جمع لبنان وإسرائيل والولايات المتحدة في 26 حزيران لم يكن مجرد تفاهم حول وقف النار أو الانسحاب، بل حمل دلالة سياسية أوسع تتصل بمن يملك حق التفاوض باسم لبنان ومن يقرر في القضايا المرتبطة بأمنه وسيادته ومستقبله. وفي هذا المعنى، فإن إحدى أبرز نتائج هذا المسار تمثلت في تراجع قدرة طهران على الإمساك بالقرار الدبلوماسي اللبناني، بعدما كان النفوذ الإيراني، عبر «حزب الله»، حاضراً بقوة في أي مسار يتعلق بالجنوب أو بالصراع مع إسرائيل.
فخلال السنوات الماضية، لم تكن إيران بحاجة إلى الجلوس رسمياً إلى طاولة التفاوض كي يكون لها تأثير مباشر في مستقبل لبنان. كان وجود «حزب الله» كقوة عسكرية وسياسية خارج الإطار الكامل للدولة يمنحها ورقة نفوذ أساسية، ويجعل أي تسوية تتعلق بالجنوب أو بإسرائيل مرتبطة حكماً بموقف الحزب وحسابات المحور الذي تقوده طهران. إلا أن دخول الدولة اللبنانية مباشرة في المسار التفاوضي، وبرعاية أميركية، أعاد طرح قاعدة مختلفة: لبنان يتفاوض باسمه، والحكومة اللبنانية هي صاحبة القرار في الملفات السيادية.
وتكمن أهمية هذا التحول في أنه لا يسحب من إيران ورقة دبلوماسية فحسب، بل يضيّق تدريجياً المساحة التي كانت تتحرك من خلالها داخل لبنان. فكل اتفاق تتوصل إليه الدولة اللبنانية مباشرة مع الأطراف المعنية يعزز شرعية المؤسسات الرسمية ويضعف الحاجة إلى أي وسيط أو قوة موازية للدولة. ومن هنا يمكن فهم حساسية طهران تجاه أي مسار يعيد حصر القرار اللبناني بالحكومة والجيش والمؤسسات الدستورية.
وفي المقابل، يبقى سلاح «حزب الله» الحلقة الأكثر حساسية في هذه المعادلة. فبعد تراجع الدور الإيراني المباشر في إدارة المسار الدبلوماسي، تصبح القدرة العسكرية للحزب واحدة من أبرز الأدوات التي يمكن أن تحافظ من خلالها طهران على نفوذها السياسي والاستراتيجي داخل لبنان. ولا يعني ذلك أن كل قرار يتخذه الحزب يصدر بالضرورة عن طهران، أو أن دوافعه الداخلية غير موجودة، لكن استمرار وجود قوة عسكرية منظمة خارج الاحتكار الرسمي للسلاح يبقي لإيران قناة نفوذ مختلفة عن القنوات الدبلوماسية التقليدية.
وهنا تحديداً ينتقل الصراع من سؤال «من يفاوض؟» إلى سؤال «من يملك القرار بعد انتهاء التفاوض؟». فإذا كانت الدولة اللبنانية هي التي تفاوض على الانسحاب، وهي التي تنتشر قواتها في الجنوب، وهي التي تتولى حماية الحدود وإعادة الإعمار وعودة الأهالي، فإن بقاء سلاح خارج سلطتها يصبح العقبة الأساسية أمام اكتمال هذا التحول. ولذلك فإن قضية السلاح لم تعد مجرد نقاش حول القدرة على مواجهة إسرائيل، بل أصبحت مرتبطة بصورة مباشرة بمستقبل النفوذ الإيراني في لبنان وبمدى قدرة الدولة على احتكار القرارين الأمني والعسكري.
ومن هنا أيضاً يمكن فهم الربط بين الانسحاب الإسرائيلي وعودة السكان وإعادة الإعمار وبين مسألة السلاح في الإطار الثلاثي. فكلما تقدمت الدولة في استعادة دورها، أصبح من الصعب تبرير استمرار قوة مسلحة مستقلة عنها باعتبارها الجهة الوحيدة القادرة على حماية الجنوب. وإذا نجحت المؤسسات اللبنانية في تأمين الانسحاب والاستقرار وحماية السكان، فإن الوظيفة التي لطالما قُدّم السلاح على أساسها تصبح موضع نقاش لبناني واسع، ولا سيما داخل البيئة الشيعية التي دفعت تاريخياً ثمناً كبيراً للحروب المتكررة.
وعليه، فإن خسارة إيران جزءاً من سيطرتها على القرار الدبلوماسي اللبناني لا تعني انتهاء نفوذها في لبنان، لكنها تعني أن أدوات هذا النفوذ باتت أمام اختبار مختلف. فطهران التي كانت قادرة على التأثير في مسار التفاوض من خلال حليفها المسلح، تجد نفسها أمام دولة تسعى إلى استعادة موقعها كمرجعية وحيدة في القضايا السيادية، فيما يصبح سلاح «حزب الله» آخر الأوراق التي يمكن أن تبقي النفوذ الإيراني حاضراً في المعادلة اللبنانية.
المعركة الحقيقية، بالتالي، لم تعد فقط حول اتفاق هنا أو تفاهم هناك، بل حول من يملك القرار اللبناني في النهاية. فإذا اكتمل انتقال الملفات الأمنية والعسكرية والدبلوماسية إلى الدولة، فإن لبنان يكون قد قطع خطوة أساسية في استعادة سيادته، ويكون النفوذ الإيراني قد خسر أهم أدواته التقليدية. أما استمرار السلاح خارج سلطة الدولة، فيبقي الباب مفتوحاً أمام استمرار هذا النفوذ، ولو بأشكال مختلفة. ومن هنا يصبح مستقبل سلاح «حزب الله» جزءاً من المعركة الأوسع على استعادة القرار اللبناني، وليس مجرد ملف عسكري منفصل عن الصراع على هوية الدولة وسيادتها.











































































