اخبار لبنان
موقع كل يوم -المرده
نشر بتاريخ: ١٧ أذار ٢٠٢٦
بتاريخ 9/3/2026 مدّد المجلس النيابي لنفسه مدّة سنتين بأكثرية 76 صوتاً من أصل 121 حضروا الجلسة وتغيّب ستة نواب إضافة الى وفاة النائب غسان السكاف. وإن أكثرية 76 صوتاً مثلّث الأغلبية المطلقة أي نصف النواب زائد واحد أو أكثر على أساس 127 نائباً. في حين لو تمّ اعتماد مبدأ أكثرية ثلثي أعضاء مجلس النواب لكان توجّب لتمرير قانون التمديد توافر 85 صوتاً على الأقل.
إن السؤال الواجب طرحه هنا هو التالي: لماذا تمّ الإستناد الى مبدأ الأكثرية المطلقة لإقرار قانون التمديد بدلاً من مبدأ أكثرية الثلثين أي الأكثرية الموصوفة La majorité qualifiée renforcée علماً أن تمديد ولاية المجلس النيابي غير منصوص عليه في الدستور.
• ما هي الطبيعة القانونية لظاهرة تمديد النواب لأنفسهم؟
هل هو تصرّف أو تشريع قانوني عادي أم استثنائي وهل يستوجب موافقة ثلثي أعضاء المجلس لإقراره؟
لقد نصّ الدستور على أنه «لا يكون اجتماع المجلس قانونياً ما لم تحضره الأكثرية من الأعضاء الذين يؤلفونه وتتخّذ القرارات بغالبية الأصوات». مما يعني أن كل قرار يتخّذه المجلس متعلّق بموضوع تشريعي عادي ممكن إقراره بالأغلبية البسيطة أي النسبية بمعنى الحاصلة على عدد أكثر من المعارضين بغضّ النظر عن عدد الحاضرين. في حين أوجب الدستور توافر أكثرية ثلثي أعضاء المجلس النيابي لإقرار المشاريع والاقتراحات المتعلقة بنزع الثقة عن رئيس مجلس النواب ونائبه وبانتخاب رئيس الجمهورية وبإصدار قرار الإتهام بحق رئيس مجلس الوزراء والوزراء في حال الإخلال بواجباتهم إضافة الى تعديل الدستور.
وربّ سائل يسأل ما هي الحكمة من وجوب توافر أكثرية الثلثين لإقرار هذه المواضيع الهامّة الواردة أعلاه.
وللإجابة على هذا السؤال يجدر بنا الإشارة الى أن غالبية ثلثي أعضاء المجلس تتفوّق عدديّاً على الأغلبية المطلقة والغاية منها ضمان وجود توافق واسع لحماية الأقليات في القرارات المصيرية ومنع تسلّط الأغلبية البسيطة، إضافة الى الحؤول دون هيمنة الأغلبية المطلقة.
نضيف الى ذلك أن مفترضات المنهجية التشريعية تقضي بأن كل موضوع تشريعي هام ومصيري وحيوي واستثنائي يستوجب توافر أكثرية عدديّة واسعة ومتعدّدة التمثيل لكي يكتسب شرعية تمثيليّة وازنة.
ومن هذا المنطلق نسأل هل أن تمديد ولاية مجلس النواب لسنتين هو موضوع عادي لكي يتمّ إقراره بالأغلبية المطلقة أي ما يعادل 76 صوتاً.
وهكذا يقودنا البحث الى التأكيد بأن تمديد ولاية مجلس النواب هو بحدّ ذاته كما أشرنا موضوع مصيري وهام ومن اختصاص القاعدة الشعبية وهو من دون شكّ أوْلى بالأهمية من أي موضوع دستوري. وما يهمّنا الإشارة إليه هنا هو أن المدلول القانوني لمفهوم الأغلبية الموصوفة يرتكز على الفكرة القائلة بأن القرارات الهامّة تستلزم لتكريس شرعيتها عدداً من الأصوات يفوق تلك المستوجبة للقرارات العادية. وإن الإتجاه الدستوري السائد يبرّر صحّة هذه الفكرة معتبراً أنه كلّما اتّسعت دائرة الأغلبية التمثيلية أصبحت أكثر انعكاساً للحقيقة.
وهكذا ينتهي بنا المطاف الى الإحاطة بناحية أخرى لا تقلّ أهمية عمّا سبق وهي الواقع القائل بأن تمديد ولاية المجلس النيابي لمدّة سنتين في 9/3/2026 قد جنّب تقديم الحكومة الحالية استقالتها أو اعتبارها مستقيلة إذ لو حصلت الانتخابات النيابية في شهر أيار المقبل لكان لزاماً على الحكومة أن تستقيل وفقاً للمادة 69 من الدستور التي نصّت على اعتبار الحكومة مستقيلة عند بدء ولاية مجلس النواب. إذن نحن أمام تمديد مزدوج ليس فقط للمجلس النيابي بل أيضاً للحكومة الحالية بحجّة الظروف الإستثنائية واستناداً إلى مبدأ استمرار سير المرافق العامة. وهكذا يتجلّى لنا أن الثقة الممنوحة لحكومة الرئيس نواف سلام قد تمّ تجديدها ضمناً من قبل مجلس النواب الممدّد له. ومن غرائب النظام السياسي اللبناني أنه يُعرّفنا على ظواهر دستورية فريدة من نوعها وغير مألوفة في الأنظمة البرلمانية Sui generis.
وإن هذه الظاهرة تدفعنا إلى التساؤل عمّا إذا كان هذا التمديد للمجلس النيابي لمدّة سنتين قد قصد ضمناً استمرار حكومة الرئيس سلام «لحاجة في نفس يعقوب»، مع الإشارة الى أن استمرار هذه الحكومة مرحّب به دولياً وإقليمياً.
وحيث أننا تحدّثنا عن الظواهر الدستورية غير المألوفة في لبنان لا بدّ لنا ختاماً من الإضاءة على بعض الممارسات السياسية العجيبة والغريبة التي عرفناها خلال العقود الثلاثة الأخيرة ونذكر منها على سبيل المثال: إقفال مجلس النواب لمدّة طويلة، عدم تمكّن الرئيس المكلّف من تشكيل الحكومة لفترة طويلة، بقاء رئاسة الجمهورية شاغرة لأكثر من سنة إضافة إلى تقاعس مجلس النواب والحكومات عن حلّ أكبر مشكلة مالية ومصرفية عُرفت بأنها واحدة من أسوأ الأزمات في العالم.
وختاماً لا نذيع سرّاً إذا قلنا بأن مرجعاً رفيع المستوى في مجلس النواب قد كشف الى دائرته الضيّقة قبل ستة أشهر أنه سيُمدّد للمجلس لمدّة سنتين.
* دكتور في القانون العام











































































