اخبار لبنان
موقع كل يوم -ام تي في
نشر بتاريخ: ٦ أذار ٢٠٢٦
في أحدث تصعيد، أثار تحذير من الإخلاء نُشر عبر الإنترنت من قبل الجيش الإسرائيلي واحدة من أكبر عمليات النزوح المفاجئة التي شهدتها بيروت منذ سنوات. طُلب من سكان برج البراجنة وحداث وحيّ الرحيق وشيا إخلاء منازلهم فورًا، فيما حض المتحدث باسم الجيش الإسرائيلي أفيخاي أدرعي الناس على التوجه شمالًا وشرقًا محذرًا من أن البقاء في المنطقة قد يعرض حياتهم للخطر. وفقًا لإحصاءات الصليب الأحمر، فرّ 500,000 شخص من منازلهم في غضون ساعات، محوّلين أحد أكثر أحياء بيروت اكتظاظًا بالسكان إلى ممر من الفوضى المطلقة.
الحياة على الطريقأظهرت لقطات تلفزيونية وشهادات شهود عيان سيارات مكتظة بالعائلات تتزاحم في حركة المرور نحو جبل لبنان والأحياء الشمالية من العاصمة. في بعض المناطق، أطلق السكان طلقات تحذيرية في الهواء لتنبيه الجيران بأمر الإخلاء بينما انتشرت الفوضى في الضواحي المكتظة. غمر هذا النزوح الطرق الرئيسية المؤدية خارج المنطقة. ازدحمت الطرق السريعة والشوارع الفرعية بالسيارات، بينما سار آلاف السكان لعدة كيلومترات للوصول إلى أحياء أكثر أمانًا. بالنسبة للكثيرين، لم يكن هناك وجهة واضحة.بدأت العائلات تصل إلى بيروت وجبل لبنان متأخرة في الليل. وجد بعضهم مأوى مؤقتًا لدى أقارب أو أصدقاء، بينما نام آخرون في سيارات متوقفة على طول الطرق البحرية والساحات العامة والشوارع السكنية. لقد حوّل التحرك المفاجئ لنصف مليون شخص بيروت مرة أخرى إلى مدينة تستوعب النزوح. ظهرت أسئلة بسرعة: إلى متى سيظل الناس نازحين؟ وما هي الآليات المتاحة لاستيعاب مثل هذا التحول السكاني الضخم؟ وحتى الآن، تبقى الإجابات غير مؤكدة.
أحمد عز الدين: “لم نعرف إلى أين نذهب”بالنسبة لأحمد عز الدين، كان ليل الإخلاء ينتهي على رصيف في وسط بيروت. مثل آلاف آخرين يفرّون من الضواحي الجنوبية، غادر منزله دون وقت كافٍ للتخطيط. كانت الشوارع تختنق بالفعل بحركة المرور، والعائلات تتدافع في كل اتجاه بينما تنتشر تحذيرات الإخلاء. قال لـالبيارتر: الناس كانوا يحملون أطفالهم بين أذرعهم. بعضهم كان نصف نائم، وبعضهم يبكي. كانت الشوارع مكتظة ولم يعرف أحد إلى أين عليه الذهاب.وسط الفوضى، حاول عز الدين التنقل مع ابنه الصغير بين الحشود. يقول: كان شعورًا وكأن الجميع يركض في آن واحد. الفوضى كانت في كل مكان. السيارات، الناس يصرخون، الهواتف ترن. وبحلول وصولهم إلى وسط بيروت، لم يعد هناك مكان يذهبون إليه. قضى الأب وابنه الليل على الأرض بعد أن أعطتهم شابة لم نعرفها مرتبة. يقول: أتت فتاة لم نعرفها وأعطتنا مرتبة. وضعناها على الأرض ونمنا هناك.بالنسبة لعز الدين، التقطت اللحظة ازدواجية غريبة لليل: نزوح جماعي يتكشف جنبًا إلى جنب مع أعمال صغيرة من التضامن بين الغرباء. يقول بهدوء: فقدنا منزلنا في ليلة واحدة، لكن الناس ما زالوا يحاولون مساعدة بعضهم البعض.
مريم قنبر: “حملتهم ومشيت فقط”تخبر مريم قنبر البيارتر: لم أحزم حقيبة، فقط أخذت أطفالي ونزلت. ومع غياب طريق واضح للخروج، انضمت هي وأطفالها إلى تدفق السكان الذين يحاولون الوصول إلى الطرق الرئيسية. تقول: كان هناك أطفال في كل مكان. الناس يحملونهم، الناس يبكون، الناس يحاولون العثور على سيارة. في نهاية المطاف، خفف احد السائقين من سرعته وعرض توصيلهم شمالًا. صعدت قنبر وأطفالها إلى السيارة جنبًا إلى جنب مع غرباء تم التقاطهم أيضًا على الطريق.تقول: لم نكن نعرفهم، لكن الجميع كان يحاول فقط مساعدة من يستطيع. كانت الرحلة هادئة. نام أطفالها، متعبين من فوضى الإخلاء، متكئين عليها.تضيف: تغادر منزلك هكذا، بلا شيء، وتدرك كم أن كل شيء هش. بالنسبة لقنبر، اللحظة التي ستبقى معها ليست التحذيرات ولا حركة المرور، بل الصمت داخل السيارة المليئة بالغرباء الذين فرّوا جميعًا من نفس المكان. تقول: لم يكن أحد يتحدث.جغرافية الخوفتعيد الحرب تشكيل الجغرافيا بطرق وحشية. ما كان يومًا أحياءً عادية يصبح منطقة محددة على خريطة عسكرية. تحت الحسابات السياسية التي أنتجت هذه الليلة تكمن حقيقة أكثر تدميرًا: بالنسبة لمئات الآلاف، لا تُقاس الحرب بالاستراتيجية أو الأيديولوجيا. إنها تُحس كألم ظهر الأم وهي تحمل أطفالها وسط الفوضى، وصرخات الأطفال المذعورين تتردد في الشوارع المكتظة، واليأس الصامت للآباء الذين لا يعرفون إن كانوا سيعودون إلى منازلهم يومًا. إنها تُختبر في القبضة المتينة للغرباء الذين يشاركونك السيارة، في الليالي الباردة التي قضيت على الأسفلت.الحرب، في هذه اللحظات، ليست مجرد مفهوم نظري، بل حياة تُعاش بألم في كل نبضة قلب، كل نفس، وكل خطوة بعيدًا عن ما كان يومًا آمنًا.











































































