اخبار لبنان
موقع كل يوم -لبنان الكبير
نشر بتاريخ: ١٤ أيلول ٢٠٢٦
بسقوط علي الطاهر، سقط الجزء الأكبر من الوهم الذي كان يُرقَّع به وجه الجنوب واللبنانيين، ذلك الوهم الذي حاول أن يُظهر أن هناك من يحمي الجنوب، ويدافع عن الدولة اللبنانية وسيادتها، ويمنع الاحتلال عن الأرض.
وبغض النظر عن الطريقة التي تم بها احتلال علي الطاهر، سواء أكان ذلك بصفقة إيرانية ـ إسرائيلية، كما يعتقد البعض، أم نتيجة معارك أدت إلى إضعاف المدافعين عنه وانهيار قدرتهم على الصمود داخل الأنفاق، فلا بد من القول إن سقوط علي الطاهر هو سقوط للوهم وهزيمة لمشروع الممانعة.
السؤال لم يعد كيف سقط علي الطاهر
قد يكون من المهم معرفة كيف سقط علي الطاهر، ومن اتخذ القرار، وما إذا كان السقوط نتيجة ترتيبات سياسية أو نتيجة عسكرية بحتة. لكن السؤال الأهم لم يعد: كيف سقط علي الطاهر؟ بل: ماذا يعني سقوطه؟
فالمواقع العسكرية لا تحمل قيمتها من الصخور والأنفاق وحدها، وإنما من الصورة التي تُبنى حولها. وعلي الطاهر لم يكن مجرد موقع جغرافي؛ لقد تحول إلى رمز في خطاب المقاومة والممانعة، وإلى جزء من رواية تقول إن الجنوب محمي، وإن هناك قوة قادرة على منع إسرائيل من فرض إرادتها. ومع سقوط هذا الرمز، تصبح هذه الرواية أمام اختبار حقيقي.
الجنوب دفع الثمن
الجنوب اللبناني هو الذي دفع الثمن الأكبر طوال عقود من الحروب والصراعات والاحتلالات.ولهذا، فإن الحديث عن السيادة لا يمكن أن يبقى شعارًا سياسيًا يُرفع عند الحاجة، ثم تُترك الدولة عاجزة عن ممارسة سلطتها الكاملة على أرضها.
فإذا كان سقوط علي الطاهر يعني شيئًا، فهو أن أبناء الجنوب يحتاجون إلى إجابة مختلفة عن تلك التي سمعوها طوال السنوات الماضية. يحتاجون إلى دولة تحميهم، ومؤسسات قادرة على الدفاع عن سيادتها، وقرار وطني لا يكون مرهونًا بحسابات إقليمية تتجاوز حدود لبنان.
هزيمة مشروع الممانعة؟
يمكن النظر إلى سقوط علي الطاهر باعتباره أكثر من خسارة عسكرية لموقع.
إنه ضربة للرواية التي قدمت مشروع الممانعة باعتباره الطريق الوحيد لحماية الجنوب والدفاع عن لبنان.
فإذا كانت هذه المنظومة قد بنت جزءًا كبيرًا من شرعيتها على قدرتها على حماية الأرض ومنع إسرائيل من التقدم، فإن سقوط موقع استُخدم بوصفه رمزًا لهذه الحماية يطرح أسئلة صعبة حول جدوى المشروع كله. وهنا لا يصبح النقاش متعلقًا بموقع واحد، بل بمشروع سياسي وعسكري كامل.
فالجنوب بحاجة إلى دولة فاعلة وقادرة تحمي أبناءها من الأوهام.
ماذا بقي من الوعود؟
لسنوات، قيل للجنوبيين إن السلاح هو الضمانة، وإن الممانعة هي الحماية، وإن الجنوب لن يكون مكشوفًا ما دامت هذه القوة موجودة.
لكن عندما تسقط المواقع، وتتغير خطوط المواجهة، ويجد السكان أنفسهم أمام واقع أمني وسياسي جديد، تصبح الوعود بحاجة إلى مراجعة.فالسيادة لا تُقاس بعدد الصواريخ أو الأنفاق، ولا تُثبت بالشعارات، وإنما بقدرة الدولة على حماية حدودها ومواطنيها واتخاذ قرارها بنفسها.
زيارة الرئيس وقائد الجيش إلى الجنوب
بالرغم من زيارة الرئيس جوزاف عون وقائد الجيش إلى الجنوب ونشر الجيش، فإن ذلك لن يمنع الإسرائيلي من قضم المناطق وتحويل البوصلة إلى منطقة جديدة شرقًا وصعودًا، لأن الهدف الإسرائيلي واضح: نزع السلاح.
وبالتالي، فإن بقاء السلاح سيعرض الجنوب لمزيد من التدمير والتهديم، وعدم تفكيك ترسانات حزب الله العسكرية واللوجستية سيعطي العدو التبرير لمتابعة ما يقوم به.
وهنا تكمن المشكلة الأساسية؛ فطالما بقيت هذه الترسانة خارج إطار الدولة، سيبقى الجنوب عرضة لمزيد من الضربات والعمليات، وسيبقى العدو قادرًا على تقديم مبررات لمواصلة تحركاته.
الدولة وحصرية السلاح
حزب الله لا يعترف بوجود الدولة لتسليمها السلاح، كما حصل مع علي الطاهر، لأن الهزيمة، في نظره، قد تتحول إلى ما يبرر له تصوير النصر أمام الانصياع لأوامر الدولة. لكن استمرار هذا الواقع سيجعل مسألة حصرية السلاح بيد الدولة ظاهرة تفرض نفسها على الحزب وإيران. فالمرحلة المقبلة تتطلب الانصياع لتوجهات الدولة القائمة على استعادة الجنوب وحصرية السلاح، وعندها يكون للجيش الدور الفاعل في إعادة هيبة الدولة.
ماذا بعد علي الطاهر؟
ما بعد علي الطاهر يجب ألا يكون مجرد البحث عن موقع بديل أو شعار جديد.
السؤال الحقيقي هو: ماذا بعد سقوط الوهم؟ هل يستمر لبنان في الدوران داخل الحلقة نفسها، حيث يُستخدم الجنوب ساحة لصراعات الآخرين، أم تبدأ مرحلة تعود فيها الدولة إلى موقعها الطبيعي؟
إن سقوط علي الطاهر، بهذا المعنى، قد يكون لحظة فاصلة؛ ليس لأنه أنهى كل شيء، بل لأنه كشف هشاشة خطاب حاول لسنوات أن يقدم الهزيمة على أنها انتصار، والتراجع على أنه صمود، والارتهان للخارج على أنه قرار وطني.
الجنوب يحتاج إلى دولة
الجنوبيون لا يحتاجون إلى مزيد من الشعارات.هم يحتاجون إلى الأمان، وإلى أرض لا تُستخدم منصة لحروب الآخرين، وإلى دولة تمتلك قرارها وحدودها ومؤسساتها.
ومن هنا، فإن سقوط علي الطاهر يجب أن يكون مناسبة لإعادة طرح السؤال الأساسي: هل يبقى الجنوب أسير مشروع إقليمي، أم يعود جزءًا كاملًا من الدولة اللبنانية؟ربما يكون هذا هو المعنى الأوسع لسقوط الموقع.
فالمعركة الحقيقية بعد علي الطاهر ليست فقط معركة أرض، بل معركة على معنى الدولة والسيادة والقرار الوطني.
بسقوط علي الطاهر، سقط موقع. لكن الأهم أن يسقط معه الوهم الذي حاول أن يقنع الجنوبيين بأن الممانعة وحدها قادرة على حماية الجنوب والدولة والسيادة.
وما بعد هذا السقوط يجب أن يكون بداية نقاش مختلف: لبنان أولًا، والجنوب أولًا، والدولة صاحبة القرار.











































































