اخبار لبنان
موقع كل يوم -جريدة اللواء
نشر بتاريخ: ١٣ أذار ٢٠٢٦
في الوجدان العربي، رمضان ليس شهر صمت، بل هو شهر «الكلمة الطيبة» التي تقع في القلوب موقع المطر في الأرض العطشى. فمنذ أن كان النبي صلى الله عليه وسلم يخطب في الناس معلناً قدوم «شهرٍ مبارك»، تحول المنبر الرمضاني إلى «جامعة مفتوحة» تعيد صياغة أخلاق المجتمع وبناء قناعاته. لم يكن «خطيب رمضان» مجرد واعظ يسرد الأحكام، بل كان قائداً فكرياً، ومصلحاً اجتماعياً، وفناناً يمتلك ناصية اللغة ليحول الوعظ إلى «ترياق» يداوي جراح النفوس. من منبر المسجد الحرام والنبوي، إلى مآذن الأموي والأزهر والقرويين، تروي لنا هذه الحلقة قصة «حناجر الحق» التي صدحت عبر التاريخ، وكيف تحولت «الموعظة الرمضانية» من نص ديني إلى فنٍ عبقري يجمع بين البلاغة، والسياسة، والروحانية.
•تاريخ المنبر الرمضاني.. من «البساطة» إلى «البيان»
كانت الخطابة في الصدر الأول للإسلام تمتاز بالتركيز على «جوهر التغيير». يذكر المؤرخون أن خطب النبي صلى الله عليه وسلم وخلفائه الراشدين في رمضان كانت قصيرة، مركزة، وتدفع نحو «العمل» لا «الجدل».
ومع اتساع رقعة الدولة في العصرين الأموي والعباسي، تطور فن الوعظ الرمضاني. يذكر الجاحظ في «البيان والتبيين» أن رمضان كان «موسم الخطباء»، حيث كان يتنافس البلغاء في إظهار قدراتهم اللغوية في «ترقيق القلوب». وفي بغداد، كان الخلفاء يحضرون مجالس الوعظ التي يقيمها علماء كبار مثل الحسن البصري (الذي اشتهر بوعظه الزاهد) وابن الجوزي، الذي كان يحضر مجلسه الآلاف، فكان صوته في رمضان بمثابة «زلزال روحي» يدفع الناس للتوبة الجماعية والبكاء شوقاً لما عند الله.
•»ابن الجوزي» في العراق.. فيلسوف الوعظ الرمضاني
يُعد الإمام ابن الجوزي في العصر العباسي المتأخر هو «أيقونة الخطابة الرمضانية» بلا منازع.
-سحر المجالس: يذكر في كتابه «صيد الخاطر» كيف كان ينظم مواعظه في رمضان لتناسب أحوال العامة والخواص. كانت لغته مزيجاً من القصص التاريخي، والحكمة الفلسفية، والشعر الرقيق.
-الأثر الشعبي: قيل إن آلافاً من غير المسلمين أسلموا على يديه في مجالس رمضان، وتاب آلاف العصاة، مما جعل من «المنبر الرمضاني» في بغداد أداةً للإصلاح الاجتماعي الشامل، تتجاوز حدود المسجد لتصل إلى الأسواق والبيوت.
•منابر الحجاز.. هيبة «المركز» وصوت الوحي
في مكة والمدينة، للخطابة الرمضانية «بروتوكول» يجمع بين القداسة والهيبة.
-منبر الكعبة: ارتبط الوجدان العربي بأصوات خطباء الحرم المكي الذين يمزجون في رمضان بين «الترغيب والترهيب». تمتاز خطبهم بمقام «الحجاز» في الإلقاء، وهو مقام يبعث على الخشوع والسكينة.
-التوجيه العالمي: لأن مكة وجهة المسلمين، كانت الخطبة الرمضانية هناك بمثابة «بيان للأمة»، تتناول قضاياها الكبرى وتدعو لوحدتها، مما جعل من «الخطيب المكي» لسان حال الوجدان العربي والإسلامي العام.
•«الأزهر» و«الأموي».. قلاع الوعظ في مصر والشام
- في دمشق: يذكر ابن كنان في «يوميات شامية» أن خطباء الجامع الأموي في رمضان كانوا يخصصون دروساً يومية تُسمى «المجالس الرمضانية». كانت هذه المجالس تتناول «سير الصالحين» و»آداب المعاملات»، وكان الخطيب في الشام يركز على «الجوانب الروحية» التي تلطف جفاف الحياة اليومية.
-في القاهرة: ظل الجامع الأزهر هو «بوصلة الوعظ». يذكر التاريخ أن خطباء الأزهر في العصر المملوكي كانوا «صوت الشعب» في رمضان؛ فإذا غلت الأسعار أو وقع ظلم، كان المنبر الرمضاني هو الوسيلة للضغط على السلاطين، مما جعل الخطابة فعلاً سياسياً وأخلاقياً في آن واحد.
•المغرب العربي.. «دروس الحسنية» وعمق القرويِّين
في المغرب وتونس، تأخذ الخطابة الرمضانية طابعاً «عالمياً» و«أكاديمياً»:
-جامع القرويين بزيته: كان الخطباء يرتدون «الجلابة والبرنس» الأبيض، ويقدمون مواعظ تمتاز بالعمق اللغوي والفقهي.
-الدروس الحسنية: في العصر الحديث، أصبحت هذه الدروس التي تُقام في حضرة الملك في المغرب، ويشارك فيها علماء من كل دول العالم العربي، هي الوريث الشرعي لمجالس العلم الرمضانية التاريخية، حيث تُناقش قضايا التجديد والفكر الإسلامي المعاصر.
•لماذا تكون كلمة الخطيب في رمضان أكثر نفاذاً؟
-رقة القلب: الجوع والظمأ في نهار رمضان يكسران «كبرياء النفس»، مما يجعل الإنسان أكثر استعداداً لتقبل النصيحة والتغيير.
-الاستعداد الجمعي: عندما يرى الصائم الجميع من حوله في حالة خشوع، تزداد لديه «قابلية التأثر» بالكلمة الجميلة.
-الارتباط بالقرآن: بما أن رمضان هو شهر القرآن، فإن استشهاد الخطيب بالآيات يجد صدىً عميقاً في وجدانٍ من يتلو القرآن ليل نهار.
•«الوعظ النسائي» في رمضان.. الذاكرة المنسية
لا يكتمل الحديث عن الخطابة دون ذكر «الواعظات» اللواتي كنّ يقمن بمجالس العلم للنساء في البيوت والمصليات الملحقة بالمساجد. في دمشق والقاهرة وتريم (باليمن)، كانت هناك «فقيهات» يقدمن دروساً في رقائق الإيمان وأحكام الصيام، مما ساهم في صياغة «الوجدان الرمضاني» للمرأة العربية، وتربية الأجيال على قيم الشهر. إن خطباء رمضان في الوجدان العربي هم «سدنة الكلمة» وحراس الفضيلة. من بساطة الوعظ في خيام البادية، إلى رصانة المنابر في عواصم الحضارة، ظلت «الخطبة» هي الخيط الذي ينظم لؤلؤ العبادة. سيظل التاريخ يذكر أن «حنجرة الخطيب» كانت أحياناً أقوى من الجيوش في تثبيت العزائم، وأرق من النسيم في مسح الدموع. نحن أمةٌ تقدس «البيان»، وفي رمضان يصبح البيان «نوراً» يهدي الحائرين، ويؤكد أن الكلمة هي أصل الفتح، وأن الخطيب هو رفيق الصائم في رحلته نحو السماء.











































































