اخبار فلسطين
موقع كل يوم -فلسطين أون لاين
نشر بتاريخ: ٤ تشرين الأول ٢٠٢٦
أثارت حادثة الرحلة FZ1073 بين دبي وتل أبيب سؤالًا يتجاوز واقعة طيران وقعت في قمرة قيادة: هل نحن أمام خلل فردي يُعالج بإجراءات فحص وتحقيق، أم أمام اختبار لمتانة العلاقات العملية التي نشأت بين إسرائيل ودول خليجية، ولمن تُسند سلطة الحكم على ما جرى؟ وما يزيد السؤال إلحاحًا أن الواقعة وقعت قبل نحو شهر من الانتخابات الإسرائيلية، وبعد أيام من زيارة غير معلنة أجراها نتنياهو إلى أبوظبي، في ظل جدل لم يُحسم حول تحذير إماراتي مزعوم قبل السابع من أكتوبر.
أولًا: ما ثبت رسميًا وما نُسب إلى مصادر مجهولة
يقتضي الحكم الرصين على الحادثة تمييزًا صارمًا بين ما أعلنته جهات رسمية وما تداولته الصحافة بمصادر لم تُسمَّ، لأن كثيرًا مما قيل في الساعات الأولى تعدّل لاحقًا.
فقد أعلنت السعودية أن التحقيقات الأولية تشير إلى اعتداء مساعد الطيار على القائد، ما اضطر الطائرة إلى هبوط في تبوك، وأن طيارًا احتياطيًا من فلاي دبي كان على متنها تولى الهبوط، ثم احتُجز المساعد ونُقل إلى الإمارات. وأضاف النائب العام الإماراتي أن المساعد اعتدى على القائد بفأس الطوارئ وحاول السيطرة على أدوات التحكم، وأن التحقيق ما زال يبحث في الدوافع والصلات واحتمال وجود تخطيط سابق.
أما ما يقع خارج الإعلان الرسمي فيشمل جنسية المساعد وسجله المهني، إذ نقلت وول ستريت جورنال عن مصادرها أنه عُماني، وأنه مُنع سابقًا من الطيران في عُمان لأسباب تتصل بأفكاره، ثم عيّنته فلاي دبي، وهي معلومات لم تتحول بعد إلى نتائج معلنة، وامتنع متحدث إماراتي عن التعليق عليها حفاظًا على التحقيق. وقد ثبت في الأثناء أن قائد الطائرة هندي الجنسية، خلافًا لما أُشيع أولًا من أنه إماراتي، وهو تصحيح يعطي صورة عن مدى حاجة المعلومات المبكرة إلى الحذر.
ثانيًا: الصراع على الرواية
لا تقتصر المسألة على ما جرى، بل تمتد إلى من يعلنه وكيف. فالمعطيات تمر عبر قنوات متعددة: نيابة إماراتية صاحبة الاختصاص، وسلطات سعودية احتجزت المشتبه به أول الأمر، وصحافة أمريكية بمصادر مجهولة، وحكومة إسرائيلية في موسم انتخابي. وقد صرّح نتنياهو بأن المشتبه به خضع لتأثير فكري معين، مع إقراره بأن صلاته بإيران أو غيرها لم تُحسم، في حين نقلت يديعوت أحرونوت عن مسؤول إسرائيلي أن التحقيق يستبعد حاليًا صلة بإيران، وطالب بن غفير بتسليم المشتبه به إلى إسرائيل لمحاكمته.
وتزداد حساسية هذا المسار مع ما نقلته رويترز عن مصدر مطلع من أن مسؤولين إسرائيليين يُتوقع أن يستجوبوا المشتبه به في الإمارات، دون أن تعلّق الخارجية الإماراتية حين سُئلت. وليس في ذلك ما يطعن في الرواية بذاته، فمن المألوف أن تتابع دولة حادثة تمس مواطنيها، غير أنه يعني أن جزءًا من المادة الأولية قد يمر عبر طرف له حساباته الداخلية. ولذلك فإن بيانًا ختاميًا إماراتيًا، يعلن النتائج كاملة ويفصل بين الثابت والمرجّح، سيكون المرجع الفعلي لما يستقر عن الحادثة.
ثالثًا: التوقيت الانتخابي والزيارة السرية
تبدو الصلة الزمنية بين زيارة نتنياهو إلى أبوظبي والحادثة لافتة، فقد استقبله محمد بن زايد يوم الأحد في زيارة أحيطت بالسرية قبل أن تؤكدها وكالة وام رسميًا، وبعد ثلاثة أيام وقعت الحادثة. وتختلف قراءات الزيارة، فمنها ما يعدّها محاولة لإصلاح العلاقة بعد جدل التحذير المنسوب لابن زايد، ومنها ما يرى أن تسريبها يخدم صورة نتنياهو أمام ناخبيه، وهي قراءات بقيت دون إسناد من معطيات منشورة.
أما الربط بين الزيارة والحادثة فلا يوجد ما يسنده، والتقارب الزمني وحده لا يكفي للاستدلال على علاقة سببية بينهما.
ومن الطبيعي في هذا السياق أن تتجه الحكومات في مواسم الانتخابات إلى توظيف الحوادث الأمنية في خطابها، وهذا لا يعني بالضرورة أن الحادثة مصطنعة، فالتوظيف اللاحق شيء والتدبير المسبق شيء آخر.
ولا يوجد حتى الآن دليل منشور يدعم فرضية التدبير من أي طرف، وإن ظلت مفتوحة نظريًا إلى حين اكتمال التحقيق.
رابعًا: عُمان والخليج، حدود الاستدلال
يضع تداول جنسية المشتبه به عُمان في موقع حساس، وهي التي أعلن وزير خارجيتها أنها لن تقيم علاقات رسمية مع 'إسرائيل'، وتحتفظ مع ذلك بقنوات مع أطراف إقليمية متعددة. وتتباين العلاقات الخليجية مع مسقط في ملفات عدة، لكن القفز من جنسية فرد، إن ثبتت رسميًا، إلى موقف دولة أو مجتمع لا يسنده منهج، وهو ينطبق على أي جنسية في أي حادثة مماثلة.
وإن صحت رواية المنع السابق، فإن المسألة تنتقل من نطاق الرأي العام إلى أسئلة مؤسسية: هل أُبلغت جهات التوظيف في الإمارات بما كان معروفًا في عُمان؟ ومن يتحمل مسؤولية الفجوة إن وُجدت؟
خامسًا: الكلفة العملية والأسئلة المؤسسية
سرعان ما بدأت كلفة الحادثة على التعاون العملي بين الطرفين تظهر قبل أي حكم قضائي، إذ أعلنت فلاي دبي توقف رحلاتها بانتظار نتائج التحقيق، وهو إجراء يعني أن أحد أبرز مظاهر العلاقة بين الإمارات وإسرائيل، أي الرحلات المباشرة، صار رهينة بسلوك فرد واحد داخل طاقم. وتبقى الأسئلة المؤسسية مفتوحة: هل الإخفاق، إن ثبت، في آلية التعيين لدى الشركة، أم في قنوات تبادل المعلومات بين الجهات المنظمة في أكثر من دولة، أم في الاثنين معًا؟ وهي أسئلة لا يجيب عنها إلا بيان رسمي يتناول سجل المشتبه به كاملًا لا ما تسرب منه.
الخلاصة:
يشير مسار الحادثة إلى أن أثرها الإستراتيجي سيتحدد بنتائج التحقيق وبمن يعلنها أكثر مما سيتحدد بالواقعة ذاتها. فإن أظهر التحقيق دافعًا فرديًا محضًا، تراجع الثقل السياسي للحادثة وبقي أثرها في إجراءات الفحص والتوظيف، وإن كشف عن صلات بجهة منظمة أو بإخفاق مؤسسي عابر للحدود، فستتحول إلى ملف أمني بين أكثر من دولة.
وتبقى مؤشرات المتابعة الأولى هي الموقف الرسمي العُماني، وطريقة نشر النتائج، وشروط عودة الرحلات، وما إذا كانت الرواية 'الإسرائيلية' ستتغير مع اقتراب موعد الانتخابات، وهي أمور تستحق متابعة تحليلية منفصلة حين تتضح معطياتها.

























































