اخبار لبنان
موقع كل يوم -المرده
نشر بتاريخ: ٣١ أذار ٢٠٢٦
لم يعد التصدير اللبناني يعمل وفق قواعده المعتادة. فمع تصاعد التوترات في المنطقة لم تعد الكلفة واضحة ولا مسارات الشحن مستقرّة. وبين ارتفاع أسعار الشحن والتأمين، وتعقيدات سلاسل الإمداد، بدأت ملامح تداعيات هذه الأزمة تتشكّل في السوق المحلية حيث يعتمد عدد كبير من الصناعات على الأسواق الخارجية لتصريف الإنتاج وتأمين الاستمرارية، وهو ما يعني ارتفاع مخاطر خسارة الأسواق الخارجية والثقة التي بناها الصناعيون مع زبائنهم في الخارج. فبين مصانع متوقّفة، وشحنات متأخّرة، وكلفة تتبدّل وفق «عامل المخاطر»، يجد المُنتج اللبناني نفسه خارج المنافسة تدريجياً، ما يثير سؤالاً اساسياً: هل هي أزمة ظرفية أم تحوّل أعمق؟
هناك كلام متزايد عن تحوّل كبير في كلفة التصدير. فقد ارتفعت كلفة بعض الحاويات من 1500 دولار إلى أكثر من 6000 دولار للحاوية الواحدة (40 قدماً) من دون وضوح كامل عمّا إذا كانت هذه الزيادة ناتجة من الشحن أو التأمين أو ما يُعرف بكلفة «المخاطر». هذا الغموض لا يقتصر على الرقم بحدّ ذاته، بل يطاول آلية التسعير، التي باتت مرتبطة بعوامل متقلّبة، تتبدّل وفق التطورات الأمنية والتقديرات المرتبطة بالمخاطر في كل مسار شحن.
في هذا السياق، يؤكد أمين سر نقابة الصناعات الغذائية والشريك في المعمل المُنتِج لعلامة «يمامة» الغذائية عدنان عطايا، أنّ جميع عمليات التصدير الخاصة بإنتاجهم توقّفت. ويوضح أنّ التصدير يشكّل ركيزة أساسية لعمل العديد من المصانع، مشيراً إلى أن نحو 70% من إنتاجهم موجّه إلى الخارج، ونسبة كبيرة من هذه الصادرات تصل إلى 45% وتتوجه إلى دول الخليج وحدها. إلا أنّ هذه الأسواق، التي لطالما شكّلت منفذاً رئيسياً للصادرات اللبنانية، باتت اليوم تواجه تحدّيات غير مسبوقة، سواء على مستوى الكلفة أو انتظام التسليم.
تعقيدات التصدير المستجدّة بدأت تنعكس مباشرة على مجمل الحركة، إذ يشير عطايا إلى وجود شحنات وصلت إلى موانئ مثل خورفكان وجبل علي وجدة، من دون أن يتم تسلّمها حتى الآن، رغم أن المستوردين دفعوا مقابلها مبالغ كبيرة. وفي إحدى الحالات، بلغت قيمة شحنة في خورفكان نحو 130 ألف درهم إماراتي، من دون أن تصل إلى وجهتها الأخيرة، ما يعكس حجم المخاطر المالية.
هذا الواقع لا يقتصر على التأخير، بل ينسحب أيضاً على القدرة على اتخاذ القرار. فبحسب عطايا، فإنّ الغموض في الكلفة وغياب التفسير الواضح للزيادات المفروضة على الشحنات، يدفعان العديد من الصناعيين إلى التريّث أو حتى تعليق التصدير مؤقّتاً، بانتظار اتضاح الصورة، إذ لم يعد ممكناً تسعير البضائع أو توقيع عقود جديدة في ظل أرقام متقلّبة ومخاطر غير محسوبة.
من جهته، يشير المدير العام لجمعية الصناعيين اللبنانيين طلال حجازي إلى أن الطلبات التصديرية القائمة لم تُلغَ حتى الآن، إلا أنّه لم يُسجّل أي طلبات جديدة. هذا الواقع لا يرتبط فقط بالكلفة، بل أيضاً بعدم وضوح مواعيد التسليم، نتيجة الخلل في سلاسل الإمداد والتأخير في توزيع بعض الشحنات. ويضيف أن الصورة تختلف بين سوق وأخرى. ففي حين تبقى الأسواق الأوروبية أكثر استقراراً نسبياً، نظراً إلى عدم تأثّرها بمسارات الشحن المرتبطة بمناطق التوتر، تبدو الكلفة أعلى باتجاه دول الخليج، حيث يرتفع عامل «الخطر»، خصوصاً لجهة مضيق هرمز.
بكداش: العودة إلى الزبائن بعد الانقطاع قد لا تتجاوز نسبتها 30%
إلى جانب كلفة الشحن والمخاطر اللوجستية، يبرز عامل أكثر خطورة يهدّد التصدير اللبناني: فقدان الثقة، إذ يشير نائب رئيس جمعية الصناعيين زياد بكداش إلى أن الطلبات التصديرية القديمة التي أُعطيت لمصانع موجودة في مناطق آمنة لا تزال تُسلّم تدريجياً، وإن كان ذلك يشهد بعض التأخير نتيجة تعقيدات في تسلّم المواد الأولية عبر المرافئ. إلا أنّ الصورة تختلف جذرياً بالنسبة إلى المصانع الواقعة في مناطق غير آمنة، ولا سيما في الضاحية الجنوبية، ومناطق واسعة من الجنوب، إضافة إلى أجزاء كبيرة من البقاع، حيث توقّف نحو 90% من هذه المصانع عن العمل منذ بداية الحرب، ما جعلها غير قادرة على تنفيذ التزاماتها التصديرية.
هذا التوقف لا ينعكس فقط على الإنتاج، بل يترك أثراً مباشراً على العلاقات التجارية مع الخارج. فعدم الالتزام بمواعيد التسليم يشكّل، بحسب بكداش «علامة سوداء» لدى الزبائن، الذين يعتمدون على دقّة المواعيد في تعاقداتهم. ومع تكرار التأخير أو عدم التسليم، بدأت المصانع اللبنانية تخسر تدريجياً زبائنها في الأسواق الخارجية. ويضيف أنّ المصانع العاملة في مناطق آمنة لا تزال قادرة على تلبية الطلبات السابقة للحرب، إلّا أنّ الثقة بمواعيد التسليم باتت مهزوزة لدى عدد كبير من المستوردين في الخارج، ما أدّى إلى إلغاء جزء من الطلبات الجديدة التي وردت بعد الأول من شهر آذار أو تحويلها إلى مورّدين من خارج لبنان.
الخطر الأكبر، وفق بكداش، لا يكمن فقط في تراجع الطلب الحالي، بل في صعوبة استعادة الأسواق بعد خسارتها. فالتجارب السابقة، ولا سيما في أسواق مثل السعودية والبحرين، أظهرت أنّ العودة إلى الزبائن بعد الانقطاع ليست مضمونة، وقد لا تتجاوز نسبتها 25% إلى 30% من حجم الأعمال السابق، أي خسارة 70% من أسواق التصدير. ويختم بالإشارة إلى أنّ الصورة العامة للبنان في الخارج تلعب دوراً أساسياً، إذ لا يميّز العديد من الزبائن بين مصنع في منطقة آمنة وآخر في منطقة متضرّرة، بل يتعاملون مع البلد ككل، ما يدفعهم إلى تحويل طلباتهم إلى دول أخرى فور اهتزاز الاستقرار.
700 مليون دولار تمرّ عبر هرمز
تُظهِر حركة التصدير اللبنانية أن الصادرات التي تمرّ عبر مضيق هرمز، والتي تذهب بشكل أساسي إلى دول الخليج، تقارب 97 ألف طن وبقيمة 700 مليون دولار في عام 2025، أي 20% من مجمل الصادرات.
وتتركّز صادرات لبنان نحو الإمارات بـ551 مليون دولار، ما يجعلها الوجهة الأولى بحصّة 78% من الصادرات اللبنانية التي تمرّ عبر هرمز. وتأتي قطر في المرتبة الثانية بقيمة تقارب 69 مليون دولار، تليها الكويت بنحو 50 مليون دولار، ثم سلطنة عمان بـ24 مليون دولار.
أمّا البحرين والسعودية فتسجّلان أرقاماً متواضعة للغاية، لا تتجاوز بضعة ملايين دولار، بسبب القرارات السابقة التي منعت المستوردين هناك من استيراد البضائع اللبنانية. وعلى المستوى السلعي، تتّسم الصادرات اللبنانية عبر مضيق هرمز بتركيبة يغلب عليها الطابع الصناعي ذو القيمة المرتفعة، إذ تتصدّر الأحجار الكريمة والمعادن الثمينة والمصاغات قائمة السلع المُصدّرة بقيمة 385 مليون دولار، أي أكثر من نصف إجمالي الصادرات عبر هذا المسار.
وتليها منتجات الصناعات الكيماوية بنحو 73 مليون دولار، ثم الصناعات الغذائية والمشروبات والتبغ بـ66 مليون دولار. كما تظهر فئات أخرى بأحجام أقل، مثل الآلات والأجهزة الكهربائية بنحو 33 مليون دولار، والمنتجات النباتية بنحو 20 مليون دولار، إضافة إلى سلع متنوّعة تشمل الورق والكرتون، والمواد النسيجية، والزيوت والدهون، والمعادن العادية، واللدائن والمطاط، وغيرها من المنتجات الصناعية والاستهلاكية.
تعكس هذه التركيبة اعتماداً مزدوجاً، من جهة، على عدد محدود من الأسواق، وفي مقدّمتها الإمارات، ومن جهة أخرى على عدد محدود من السلع، تتقدّمها المنتجات ذات القيمة المرتفعة مثل المعادن الثمينة. وهذا النمط يعزّز من هشاشة هذا المسار التصديري، خصوصاً في ظل التوتّرات الجيوسياسية التي تحيط بمضيق هرمز الذي يشكّل إحدى أهم العقد التجارية العالمية.
وفي ظل هذا الواقع، فإنّ توقف الملاحة عبر المضيق سينعكس مباشرة على جزء أساسي من الصادرات اللبنانية، ليس فقط من حيث الحجم، بل أيضاً من حيث القيمة، ما يطرح تحدّياً إضافياً أمام الاقتصاد اللبناني الذي يعاني أساساً من محدودية تنويع أسواقه التصديرية.











































































