اخبار لبنان
موقع كل يوم -جريدة اللواء
نشر بتاريخ: ٢٠ أذار ٢٠٢٦
تثاءبت آماله وانسلت على حياء منه لتستلقي غافية بجانب أحلامه التي غطت في نوم عميق، أمس بانسحابها، حاول استعادتها وهمس في سرّه...
«لا حياة لمن تنادي» تكور على نفسه.. وأحسّ بدمعات تسيل بصمت، حاول فتح كوة على الماضي... كم تغدو الذكريات عزاء عندما تغتال الأيام أحلامنا فنركض في عكس الزمن.. بحثاً عن شيء تفتقده الروح، وتصبو إليه النفس.. في عالم بعيد تصبح فيه الحياة بصور لأحباب، لآمال، لأحلام، لعالم أصبح مجرد ذكرى ويعلو صوت نشيجه ويتلفت مستطلعاً عن الغريب صاحب الصوت... ويتنبّه إلى أنه هو ذالك الغريب، وتحين منه التفاتة إلى طاولته، فيرى تلة من الأوراق، كم من البيانات خط، وكم من المعلومات أملى عن سيرته الذاتية.. عله يحظى بتلك الوظيفة الأمنية، وكأن هذه العبارة فتحت عليه أبواب جهنم، لتكوي بنارها روحه، لقد جعلت أماله بعيدة المنال لا بل جعلتها تذوب في ريعان صباها وصباه.. صباه ألم يبلغ الآن السبعين الثمانين.. وربما تجاوزها، وأحسّ بوهن، كومات السنين هذه يقصم ظهره تحرك حركة محمومة.. تناول مرأته ونظر وجهه فيها.. أمعن متأملاً.. لم يستطع تبين ملامحه؛ فقد اخترقت نظراته صفحة وجهه متسللة إلى شخص سكن داخله.. لقد رأه.. شيخ هرم نامت به السنون وحيد في صحراء حياة قاحلة، وانتفض مذعوراً وقد أشفق على نفسه من نفسه واستوقفته هذه الخاطرة...
هل هو يعاني من انفصام بالشخصية أو سشيزوفيرنا، كما يذكر صديقه الدكتور النفسي وهو يتحدث عن أحد مرضاه الذي تحدث عنه بإسهاب، فقد كان متأثراً بحالته إلى درجة كبيرة، كان شخصاً يتمتع بكل المواصفات التي تجعل الإنسان شخصياً ذا قيمة بلسان هذا العصر، مركز سياسي مرموق، وزوجة وأولاد، وحصيلة كبيرة في البنوك، وأملاك هنا وهناك، والأبعد في ذلك أنه كان شخصية محبوبة، ذا، كما يقولون كاريزما آثرة. هذا ما استطاع صديقه الطبيب النفسي تلمسه في الظاهر، ولكن وعندما أتاه وهو في حالة انهيار، أدرك أن الشخصية كانت لباساً يرتديه عند الخروج وعندما يقابل الناس، ويخلعه ليتحول إلى مارد غريب الأطوار في بيته، يضرب، يحطم يهلوث ولا يهدأ إلا بعد حقنه بإبرة مهدئة وهكذا ... ويضحك في سره ماذا لو أن كان هناك تبادل في لبس الشخصيات، ماذا لو لبس شخصية المارد في الخارج والوديع الرائع في البيت.. ولم لا أليس هو حال السياسيين ؟!! ولكن.. وتستوقفه فكرة ... أليس هو حال جميع الناس ؟! وليت الأمر يقف عند هذا الحد فقد أصبح المجال متاحاً لتعدد الشخصيات على الوقوف عند شخصيتين ؟! ترى هل في علم النفس ما يشير إلى ذلك ؟! كم استهواه ذاك المجال. ولكن وعندما كان يحضر لدخول الجامعة أصر عليه والده الانتساب إلى كلية علم الاجتماع؛ لأن أكثر أخصائيي النفوس يتقمصون حال مرضاهم، والأكثر من ذلك أنهم يصبحون دائما مشغولين في تشخيص الحالة النفسية لكل عابر .. سرا أو في حين آخر علانية ... علم نفس علم اجتماع، علم لا علم.. أي علم لا يهم، ما بهم أن يجد الإنسان عملا.. اعتدل في جلسته وما زالت الكآبة تجتاحه وأحس وكما يقال وكأن «على راسه الطير»، وندّت عنه آهة ابتلعت اهات الدنيا في امتداداتها وعمقها كم استوقفته فلسفة المعري «هذا ما جناه أبي علي وما جنيته على أحد» ولكن هل الحياة جناية؟ وأبحر في بحر من الأفكار الفلسفية، مضى في العمق، لأنه وكما يقولون«الفلسفة بحر على خلاف البحور، يجد راكبه الخطر والزيع في سواحله وشطآنه، والأمان في لجه وأعماقه»، وكأن طيفاً من السكينة لفّ داخله، تحرك وخرج إلى الشرفة، جلس على ذاك الكرسي الهزاز الذي يؤرجحه فيعود كطفل صغير يتارجح في مهده، وترق مشاعره، ويحس بارتقاء روحه، وبشفافية ليخترق ببصره ابعاد المرئيات أمامه، يرنو إلى الأفق فيستغرقه ويضمه.... يتماهى فيه ويغيب عن الوجود وفيه... في الملكوت وخالقه.... في أسراره، ونفسه ممعناً في تلك الشمس التي هي على وشك الرحيل، وقد صبغت المدى بألوان مهيبة، يغيب في هذا المشهد، تتراءى له كوة نور، تتسع وتتسع وتلف كل ما حوله، ويسمع نفسه تئن، وتذكر عبارات لشيخ الأشراق السهروردي «من أدام فكره في الملكوت، وذكر لله صادراً عن خضوع، وتفكر في العالم القدسي فكراً لطيفا .. لا يثبت زماناً طويلاً حتى تأتيه خلسات لذيذة كالبرق تلمع وتنطوي ثم يلبث فتغيبه وتبسطه وتطويه».
ويعتريه الوجد. وتهيم روحه بأنشودة: «فهلم يا عارف نسبح لربنا طرباً وشوقاً، وهلم يا عارف نفرح بربنا ونزمزم بالتهليل والتكبير.. تلذذت بذكرك الأرواح الراقصات، وركدت لبارق عزتك الحواس الحائرات... افض على نفوسنا الواسع بركاتك، وعلى أرواحنا سواطع خيراتك. اجعلنا من السعداء العارفين لجلالك، الشاهدين بجمالك الداهشين فيك، فيك...».
كان غارقاً في بحر من الأنوار بحيث أنه لم يع أن ظلاماً دامساً يلف الأنحاء والأرض والسماء.. عاد من غيبته مع لمسة يد حنون، وصوت أمه الدافئ يدعوه إلى مغادرة الشرفة وقد بدأ المطر بالهطول والرياح بالهبوب، دخل غرفته وحانت معه التفاتة ليجد أحلامه وآماله قد استيقظت مع بزوغ فجر جديد.
ضحى الخطيب











































































