اخبار لبنان
موقع كل يوم -جريدة اللواء
نشر بتاريخ: ٢٠ حزيران ٢٠٢٦
الدكتور مازن جبري
إن قيمة «الثقة» أكبربكثير من قيمة الصادرات نفسها , فالقرار يمثل «صدمة إيجابية» للاقتصاد اللبناني، لكنه ليس كافياً وحده لإنهاء الأزمة اللبنانية المتراكمة منذ سنوات , لإنه لا يعوض الخسائر الكبيرة التي تكبدها لبنان خلال الأحداث الأمنية والحرب الأخيرة، والتي طالت البنية التحتية والسياحة والاستثمارات والإنتاج. فالمكاسب المتوقعة تُقاس بمئات ملايين الدولارات، بينما تُقدّر الخسائر الاقتصادية الكلية بمليارات الدولارات. لذلك يشكل القرار دفعة مهمة للتعافي لكنه ليس حلاً شاملاً للأزمة الاقتصادية. فحجم الاستفادة سيبقى مرتبطاً بقدرة الدولة على ضبط التهريب، وتحسين جودة الإنتاج،وبسط سيادتها على كامل ترابها وتطوير البنية التحتية، واستعادة ثقة المستثمرين والأسواق الخارجية.
إن أهمية المملكة العربية السعودية لا تقتصرعلى حجمها الجغرافي فقط، بل كونها دولة مركزية و محورية و بوابة معنوية رئيسية للأسواق الخليجية، الأمر الذي قد يسهّل عملية توسيع الصادرات اللبنانية لتشمل منطقة الخليج بشكل عام.
تعتبر دول الخليج تاريخياً بالنسبة الى لبنان مصدراً للسياحة والاستثمار العقاري و الاستثمارات المباشرة والتحويلات والتجارة. هذا القرار قد يولّد انفتاحا خليجيا ذلك سيؤدي الى عودة كاملة للتبادل التجاري الخليجي وزيادة السياحة الخليجية وارتفاع الاستثمارات السعودية والخليجية والمشاركة في إعادة الإعمار والتنمية ذلك قد يتفوّق على قيمة الصادرات نفسها.
لذلك يُعدّ القرار السعودي الصادر في 10 حزيران 2026 باستئناف استقبال الصادرات اللبنانية من أهم التطورات الاقتصادية التي شهدها لبنان هذا العام، فمن زاوية الاقتصاد الكلي إن تبعات هذا القرار تعتبر استراتجية بالنسبة للبنان، لأن السوق السعودية كانت تاريخياً من أهم الأسواق العربية للمنتج اللبناني، ولا سيما الزراعي والغذائي. وقد بلغت الصادرات اللبنانية إلى السعودية نحو 240 مليون دولار سنوياً قبل الحظر، فيما كانت المملكة من أكبر مستوردي المنتجات اللبنانية.
إن الاقتصادات لا تتأثر فقط بحجم الأموال المباشرة وحجم الرساميل و حجم الإستثمارات ، بل أيضاً بالثقة. فحين تقرر السعودية إعادة استقبال الصادرات اللبنانية، فإنها تعتبر أن لبنان عاد شريكاً تجارياً مقبولاً. وأن المخاطر السياسية والتجارية اللبنانية تراجعت نسبياً. بالإضافة الى أن المنتجات اللبنانية استعادت جزءاً من قدرتها على النفاذ إلى الأسواق الخليجية.
إن الاقتصاد اللبناني يعاني منذ سنوات من ضعف القطاعات الإنتاجية لمصلحة الاقتصاد الريعي والخدماتي وإبان الأزمة أضحى إقتصادًا نقديًا , إن إعادة فتح السوق السعودية امام الصادرات اللبنانية تعني زيادة الطلب الخارجي على الإنتاج اللبناني. ورفع الإنتاج الزراعي والصناعي.كي يلبي حاجات التصدير فيزداد التشغيل. مما يحتّم زيادة الأجور والأرباح. ثم ارتفاع الاستهلاك والاستثمارفي لبنان .
إقتصادياً كل دولار تصدير قد يولد أثراً إيجابياً يتجاوز قيمته الأصلية, أي أن الدولار الذي يدخل لبنان عبر التصدير لا يتوقف عند المزارع أو المصنّع، بل ينتقل إلى العمال. و شركات النقل و شركات التعبئة والتغليف و التجار والمصارف والدولة عبر الرسوم والضرائب, أي منافع التصدير الى السعودية ستنعكس على الأطراف الفاعلة إقتصاديًا في لبنان , هذا الدولار سيقوم بجولة مكوكية لدى أصحاب الرساميل و رجال الأعمال والمستثمرين فترتفع فرص العمل في لبنان و تنخفض معدلات البطالة.
تاريخيا إن الميزان التجاري اللبناني بحالة عجز كبير بسبب أن الاستيراد يتفوق على التصدير بأضعاف فكل زيادة في الصادرات تعني تقليص العجز التجاري وزيادة تدفق العملات الأجنبية وتخفيف الضغط على الدولار , فالتخفيف من العجز بالميزان التجاري سينعكس إيجاباً على رصيد ميزان المدفوعات وبالتالي يخفف من عجزه, خلال السنوات الماضية اعتمد لبنان بصورة كبيرة على التحويلات الخارجية والمساعدات.الخارجية, أما الصادرات فهي مصدر دخل مختلف لأنها تنتج ثروة جديدة وتزيد القيمة المضافة المحلية وتحفز الاستثمار والإنتاج. لهذا السبب ينظر إقتصادياً عادة إلى نمو الصادرات على أنه أكثر استدامة من نمو التحويلات المالية ذلك يساعد على التحول من اقتصاد المساعدات إلى اقتصاد الإنتاج.
بشكل عام لا ينظر المستثمر فقط إلى الأرباح الحالية، بل إلى اتجاه السوق فعندما يرى أن العلاقات اللبنانية الخليجية تتحسن وأن السوق السعودية متاحة للتصدير وان القيود التجارية تتراجع ذلك يرفع احتمالات توسيع المصانع و إنشاء خطوط إنتاج جديدة والاستثمار في الزراعات الحديثة بالإضافة الى الاستثمار في التخزين والتبريد والنقل. هكنا يصبح القرار محرّكاً للاستثمار وليس مجرد قرار تجاري.
مناطقياً أن الأثر لن يكون متساوياً فالأكثر استفادة غالباً البقاع (الخضار والفاكهة) والجنوب (الحمضيات والزيتون وبعض الزراعات التصديرية) والشمال وعكار (الإنتاج الزراعي) فجبل لبنان (الصناعات الغذائية). وبالتالي فأن هذا القرار سيساهم في تنشيط الاقتصاد المحلي خارج بيروت أيضاً.
ختاماً ، لا تكمن أهمية القرار السعودي في أنه سيضيف بضع مئات ملايين الدولارات من الصادرات فقط، بل في أنه قد يشكل نقطة تحول في اتجاه الاقتصاد اللبناني من العزلة إلى استعادة الاندماج مع الاقتصاد الخليجي. وإذا ترافق ذلك مع استقرار أمني وإصلاحات داخلية، قد يكون أحد العوامل القادرة على دفع النمو الاقتصادي اللبناني نحو مستويات إيجابية خلال عامي 2026 و2027، بعد سنوات طويلة من الإنكماش الاقتصادي .Top of FormBottom of FormBottom of Form











































































