اخبار لبنان
موقع كل يوم -جريدة اللواء
نشر بتاريخ: ٢٦ شباط ٢٠٢٦
لا يتكلم الفنان السعودي خالد المطلق عن الحرف بوصفه أداة كتابة، بل يكشف عنه ككائن يتنفس داخل اللوحة، كجسدٍ بصريّ يمتلك ذاكرته وهندسته ونبضه الخاص. فنحن لسنا أمام تجربة حروفية تكتفي بإعادة تدوير الموروث، بل أمام مساءلة عميقة لطبيعة الحرف العربي نفسه: هل هو شكل؟ أم طاقة؟ أم نظام رياضي تحوّل عبر القرون إلى روح مرئية؟ هنا تبدأ المغامرة.
الحرف العربي، منذ أن تبلور في مدارس الخط الكلاسيكية، لم يكن مجرد وسيلة تدوين، بل كان بنية جمالية قائمة على نسب دقيقة وموازين صارمة، حيث النقطة ميزان، والدائرة أصل، والانحناءة امتداد لحساب خفيّ يربط الجزء بالكل. هذا الإرث الذي كرّسته مدارس مثل الخط الكوفي وخط الثلث لم يكن نظاماً شكلياً فقط، بل كان رؤية كونية ترى في التناسب انعكاساً للانسجام الوجودي. غير أن الفنان في هذا الحوار لا يقف عند حدود التقديس التاريخي، بل ينطلق منه نحو إعادة اكتشاف الحرف باعتباره كياناً بصرياً حياً، قادراً على التحول والتشظي وإعادة التشكل داخل فضاء اللوحة المعاصرة.
ما يلفت في هذا الحوار هو الوعي المزدوج: وعي بالجذور، ووعي بالتحرر منها. فالفنان خالد المطلق يعترف بأن الحرف مبني على نسب ذهبية وموازين مدروسة، لكنه في الوقت نفسه يختار أن يكسر القاعدة حين تقتضي الرؤية ذلك. هنا تتبدى المفارقة الخلّاقة: كيف يمكن للحرف أن يحافظ على قداسته، وفي الوقت نفسه يتحرر من قيده؟ كيف يمكن له أن يبقى وفياً لذاكرته الروحية، دون أن يتحول إلى أثر متحفي جامد؟ ومع الفنان خالد المطلق أجريت هذا الحوار:
{ الحرف في أعمالك يبدو ككائن حي يتنفس ويتحرك داخل اللوحة، فهل ترى أن للحرف وعياً بصرياً خاصاً به؟
- الفكرة ان حروف الخط العربي مبنية على نِسَبْ ذهبية وموازين مدروسة منذ بدأ الخط اللين وعبر العصور يتطور لذلك ينعكس عمق التأثير الفني ويكون له حظور جمالياً وروحياً.
{ كيف توازن بين قدسية الحرف العربي كرمز ثقافي وديني، وبين حريته كعنصر تشكيلي معاصر؟
- بالمجمل، الموازنة بين قدسية الحرف العربي وحرية الابتكار التشكيلي هي رحلة مستمرة تتطلب احترام التراث، مع انفتاح ذكي على الحداثة.
{ إلى أي مدى تشعر أن الحرف العربي قادر على التعبير عن مشاعر لا يمكن للكلمة أو اللغة أن تعبّر عنها؟
- الخط العربي يتميز بالحركة والانسيابية، مما يضفي على الحرف بُعداً شعورياً عبر الأشكال والتكوينات، يمكن أن تعبر عن الرقة، القوة، الحزن أو الفرح بطريقة بصرية تتعدى حدود الدلالة اللغوية.
{ أين تضع حدود «الحداثة» في الحروفية؟ هل هي في التقنية، أم في الفكرة، أم في الطاقة البصرية؟
- من جمالية الخط العربي لغويا وبصريا فهو يشمل جميع ماذُكِر من الحرية في التشكيل والحداثة.
{ كثير من أعمالك توحي بوجود هندسة خفية ونظام دقيق، هل تعتمد على حسابات هندسية أو نسب رياضية محددة أثناء التكوين؟
- كثير من أعمالي ابتعد عن القاعدة الثابتة وكسر حاجز التقييد وفي نفس الوقت ركّز على جماليات الحرف ونسبته في مناطق وأجزاء في الحرف احتفظ بجماليته بالمجمل أي حرف أكتبه في العمل الفني احتفظ بأجزاء الجمالية فيه وعند المد أو الارتفاع اعتمد على الحرية وليس التقيّد بالقاعدة أو النسبة.
{ اللون عندك يبدو وكأنه يعبّر عن طاقة داخلية أكثر من كونه خياراً جمالياً، فهل يمكن القول إنك ترسم «اهتزاز الحرف» لا شكله؟
- الرسم في أعمالي هو محاولة لتجسيد الحرف كطاقة مستمرة متغيرة، تتفاعل مع المشاهد وتعبّر عن أبعاد تتجاوز الشكل الثابت باللون المستخدم على حسب الحالة.











































































