اخبار لبنان
موقع كل يوم -المرده
نشر بتاريخ: ١٤ تشرين الأول ٢٠٢٦
كتب المحامي ميشال فلّاح في 'الجمهورية':
قد تكون القيمة الاقتصادية لقرار واشنطن رفع الحظر عن الرحلات الجوية المباشرة مع لبنان أكبر من عائدات الطائرات العابرة للأطلسي. إذ تتصل بإعادة وصل الاقتصاد اللبناني بالسوق الأميركية، وتحفيز السياحة والتجارة والاستثمار، واستعادة عنصر حاسم لأي تعافٍ اقتصادي: الثقة بالمستقبل.
في 30 أيلول الفائت، وقّع الرئيس الأميركي دونالد ترامب القرار الرئاسي رقم 2026/25، ملغياً 4 قرارات قيّدت الطيران بين البلدَين، يعود أقدمها إلى عام 1985. ونُشر القرار في السجل الفيدرالي الأميركي في 5 تشرين الأول الجاري. وبذلك أُزيل عائق قانوني تاريخي، لكنّ رفع الحظر لا يعني بدء الرحلات فوراً، فالموافقات الأميركية والمتطلبات الأمنية والتشغيلية لا تزال ضرورية. وحتى 8 تشرين الأول، لم يكن موعد الإطلاق قد تحدّد، فيما طُرحت أواخر 2027 أو سنة 2028 موعداً محتملاً لتشغيل خط بيروت-نيويورك، رهن استكمال الإجراءات.
أولاً: السياحة… أول المستفيدين المحتملين
تستفيد السياحة من اختصار مدة السفر وتخفيف أعباء التوقف في المطارات الوسيطة، بما يشجّع المغتربين اللبنانيّين والأميركيّين على زيارة لبنان. وتتوزّع المنافع على الفنادق والمطاعم والنقل والتجارة والمؤسسات الثقافية. وبحسب البنك الدولي، نما الاقتصاد اللبناني 4,2% في عام 2025، مدفوعاً جزئياً بالسياحة والاستهلاك والاستثمار، قبل توقّع انكماشه 6,4% سنة 2026 بفعل المواجهات العسكرية المتجدّدة. لكنّ المردود الإضافي لا يُقاس بعدد مستخدمي الخط وحده، بل بالزوار الجدد، وإطالة الإقامة، وزيادة الإنفاق، مقارنة بما كان سيحدث عبر الرحلات غير المباشرة.
ويمكن أن يظهر الأثر السياحي أيضاً في المواسم الأقل ازدحاماً، إذا ساعد انتظام الرحلات على توزيع الزيارات على أشهر السنة، بدلاً من تركّزها في فترات الأعياد والعطلات. وهذا يرفع فرص التشغيل المستقر للمؤسسات السياحية. ومع ذلك، تبقى الأسعار ومستويات الخدمة والأوضاع الأمنية عوامل مؤثرة في اختيار الوجهة، ولا تكفي سهولة النقل وحدها لزيادة الطلب.
ثانياً: المغتربون… من التحويلات إلى الاستثمار المنتج
يمثل الانتشار اللبناني في الولايات المتحدة رصيداً من الأموال والخبرات وشبكات الأعمال. وقد تسهّل الرحلات المباشرة زيارات المستثمرين والإشراف على المشاريع وإقامة الشراكات. ومن الضروري التمييز بين التحويلات العائلية الموجّهة إلى الاستهلاك، والإنفاق السياحي، والاستثمار المباشر الذي ينشئ أصولاً وفرص عمل. فسهولة السفر تخفّض كلفة المتابعة، لكنّها لا تعوّض حماية الملكية واستقرار التشريعات وفعالية القضاء وإمكان تحويل الأرباح وسلامة النظام المصرفي؛ وهي شروط جوهرية لتحويل اهتمام المغتربين إلى استثمارات منتجة.
ثالثاً: فرص جديدة للتجارة والصادرات اللبنانية
قد توفّر الرحلات المباشرة قدرات شحن إضافية للمنتجات المرتفعة القيمة نسبةً إلى وزنها أو الحساسة للوقت، مثل الصناعات الغذائية والحرف والأزياء والمجوهرات. ويمكن استغلال المساحات المخصّصة للبضائع في طائرات الركاب (Belly Cargo) من دون الاعتماد حصراً على طائرات الشحن. وتتوقف الجدوى على الطلب الأميركي وكلفة النقل ومدى مطابقة السلع للمواصفات الصحية والجمركية. كذلك، قد يسهل الاتصال المباشر مشاركة المؤسسات الصغيرة والمتوسطة في المعارض والتواصل مع الموزّعين. لكنّ القرار لا يلغي الرسوم الجمركية ولا يمنح الصادرات اللبنانية امتيازات تجارية تلقائية.
وتحتاج المؤسسات اللبنانية، للاستفادة من هذه الفرصة، إلى تحسين التغليف والتتبُّع والاعتمادات الفنية وإدارة سلاسل الإمداد، لأنّ اختصار زمن الرحلة لا يضمن بحدّ ذاته وصول السلع إلى السوق بصورة تنافسية. كما أنّ بناء علاقات توزيع مستدامة قد يكون أهم من نجاح شحنات متفرقة.
رابعاً: الاستثمار الأجنبي… أهمية الإشارة الاقتصادية
يحمل إلغاء قيود استمرت أكثر من أربعة عقود إشارةً قد تؤثر إيجاباً في تقديرات بعض المستثمرين وشركات التأمين للمخاطر، وتدفع إلى إعادة دراسة مشاريع مؤجّلة. إلّا أنّه ليس تصنيفاً ائتمانياً جديداً ولا ضمانة أميركية للاستثمارات أو إعلاناً بانتهاء المخاطر. وقد تستفيد قطاعات التكنولوجيا والخدمات المهنية والتعليم والصحة والصناعات الإبداعية، خصوصاً حيث تستلزم الأعمال تنقلاً متكرّراً. وتبقى النتائج مرهونة بالاستقرار السياسي والبنية التحتية ووضوح القواعد القانونية وتسوية النزاعات.
خامساً: الأثر المالي على المطار والخزينة العامة
يمكن أن ترتفع إيرادات المطار من رسوم الهبوط والخدمات الأرضية والشحن والإنفاق التجاري، وأن تستفيد الخزينة من الضرائب والرسوم الناتجة من النشاط الإضافي. غير أنّ الإيرادات الإجمالية ليست أرباحاً صافية. فالتشغيل الطويل المدى يستلزم تجهيزات أمنية واستثمارات ونفقات مستمرة. وقد تفتح الرحلات سوقاً لشركة طيران الشرق الأوسط، إذا أثبتت دراسة الجدوى كفاية الطلب، مع مراعاة المنافسة وهوامش الأرباح. ويُقاس نجاح الخط باستدامة الإشغال وتغطية التكاليف على مدار السنة، لا بمجرّد تدشينه.
ومن منظور المالية العامة، ينبغي الفصل بين الرسوم التي تتقاضاها الجهات المشغّلة للمطار وبين الضرائب التي تدخل الخزينة، وتقدير ما يعود إلى الاقتصاد المحلي فعلاً. وقد يختلف توزيع المكاسب بين الشركات والعمال والدولة تبعاً لنموذج التشغيل والعقود المعمول بها.
سادساً: كم يمكن أن يربح لبنان؟ مقاربة رقمية
في مثال حسابي افتراضي، إذا أضاف الربط المباشر 20 ألف زائر سنوياً، وأنفق كل منهم 1,500 دولار داخل لبنان، فإنّ الإنفاق السياحي المباشر الإضافي يبلغ 30 مليون دولار. هذه ليست توقعات رسمية ولا زيادة مساوية في الناتج المحلي الإجمالي، إذ قد يذهب جزء من الإنفاق إلى الواردات والمدخلات الخارجية. كما لا يجوز اعتبار كامل عائدات التذاكر مكسباً صافياً للبنان. ويتطلّب القياس العلمي تقدير الطلب الفعلي والقيمة المضافة المحلية والضرائب والتكاليف وأثر تحويل المسافرين من مسارات قائمة.
سابعاً: ماذا ينبغي على لبنان أن يفعل؟
لتحويل الفرصة إلى نتائج ملموسة، تبرز 5 أولويات مترابطة:
• استكمال معايير أمن الطيران وسلامته بالتعاون مع الجهات الأميركية وتعزيز الرقابة اللبنانية.
• تحديث الترتيبات القانونية والتنظيمية اللازمة لتشغيل الرحلات المباشرة.
• إعداد دراسة جدوى تحدّد المدن الأميركية والطلب المتوقع على الركاب والشحن والعوائد والتكاليف.
• إطلاق برنامج موجّه إلى الانتشار اللبناني لربط السفر بالسياحة والتصدير والاستثمار.
• إصلاح القطاع المصرفي وتبسيط الإجراءات وتعزيز الشفافية والضمانات القانونية.
وتكتسب الأولوية الأخيرة وزناً خاصاً، إذ شدّد البنك الدولي في آب 2026 على ضرورة إعادة هيكلة المصارف وإصلاح المالية العامة، لاستعادة الثقة وتعبئة تمويل التعافي وإعادة الإعمار.
ولضمان المساءلة، يمكن نشر مؤشرات دورية عن عدد الرحلات والركاب الجدد وحجم الشحن والإيرادات الصافية، مع مقارنة النتائج بالدراسات الأولية. فقياس الأداء بصورة شفافة يساعد في تصحيح القرارات الاستثمارية، ويمنع تضخيم العوائد المتوقعة قبل تحققها.
ثامناً: من الثقة بالمطار إلى الثقة بالدولة
لا يقتصر القرار الأميركي على إشارة سياسية. فقد خلص إلى أنّ القيود السابقة لم تعُد ضرورية لمواجهة مخاطر الاستيلاء غير المشروع على الطائرات المتّجهة إلى لبنان أو المغادرة منه. لكنّه لا يعفي الدولة من استكمال المعايير الأمنية وإثبات استدامة تطبيقها. فالمطار بنية استراتيجية تصل الاقتصاد بالأسواق العالمية، وموثوقيته عامل في قرارات شركات الطيران والمستثمرين. ومن هنا، تتوقف القيمة طويلة الأجل للقرار على إصلاحات داخلية قابلة للقياس والتحقق.
الانهيار يبدأ بفقدان الثقة بالغد… والتعافي يبدأ باستعادتها
رفع الحظر ليس علاجاً للأزمة الاقتصادية والمالية، ولا ضمانةً لتدفق الاستثمارات، لكنّه يزيل عائقاً تاريخياً أمام الاتصال المباشر بأكبر اقتصاد في العالم. والقيمة الحقيقية لا تُختزل بعدد الطائرات التي تهبط في بيروت، بل بالنشاط الجديد الذي تحمله معها، وبقدرة الدولة على توفير بيئة آمنة وقانونية ومؤسسية تشجّع العمل والاستثمار. فالانهيار لا يُقاس فقط بما تخسره الدول من أموال، بل بما تفقده من ثقة بالغد. والتعافي يبدأ عندما يجد المواطن والمغترب والمستثمر مستقبلاً يستحق الاستثمار فيه.











































































