اخبار فلسطين
موقع كل يوم -وكالة شهاب للأنباء
نشر بتاريخ: ٤ تموز ٢٠٢٦
خاص / شهاب
تحولت الخيمة إلى المكان الوحيد الذي يعرفه آلاف الأطفال الذين ولدوا خلال الحرب، بعدما حُرموا من أبسط ما يشكل ذاكرة الطفولة؛ بيت يحتضن خطواتهم الأولى، وغرفة تكبر معهم، وجدران تحفظ أصواتهم وصورهم الأولى.
الذاكرة والعنوان
ففي الوقت الذي أزالت فيه الحرب أحياءً سكنية كاملة من الخارطة، ودفعت أكثر من مليوني فلسطيني إلى النزوح المتكرر، نشأ جيل جديد لم يعرف معنى المنزل إلا بوصفه حكاية يرويها الآباء والأمهات. أطفال وُلدوا داخل خيام النزوح، وفي مستشفيات ميدانية أُقيمت هي الأخرى من الخيام بعد خروج معظم مستشفيات القطاع عن الخدمة، ثم عادوا بعد ساعات من ولادتهم إلى خيامهم، ليقضوا فيها أيامهم الأولى، ويكبروا في الخيمة.
ولم تعد خسارة هؤلاء الأطفال تقتصر على فقدان السكن، بل امتدت إلى فقدان التجربة الأولى التي تبدأ منها حياة أي إنسان. فلا غرف نوم تحفظ ألعابهم، ولا نوافذ يراقبون منها الشوارع، ولا أسرّة يخلدون إليها في نهاية يوم طويل، ولا ساحات صغيرة يركضون فيها بأمان. وحدها الخيمة أصبحت البيت، والرمال أصبحت الأرضية، وأصوات الطائرات والانفجارات تحولت إلى الخلفية اليومية لطفولتهم.
وتكشف أحدث معطيات المكتب الإعلامي الحكومي حجم التحول الذي فرضته الحرب على حياة السكان، بعدما طال الدمار أكثر من 90% من مساحة قطاع غزة، في ظل قصف مكثف دمّر المدن والأحياء السكنية والبنية التحتية، بينما فرض الاحتلال سيطرته بالنيران وأوامر الإخلاء على أكثر من 80% من مساحة القطاع، ما تسبب في موجات نزوح متلاحقة لمئات آلاف العائلات، وأبقى مئات الآلاف من الأطفال بعيدين عن أي شكل من أشكال الحياة الطبيعية.
ففي ظهيرة التاسع من مارس/آذار 2024، وُلد الطفل يزن أبو عابد في خيمة بأحد المستشفيات الميدانية، بسبب تعرض المستشفيات للاستهداف والتدمير، وفقدت المرافق الصحية قدرتها على استقبال المرضى بصورة طبيعية.
وفي الليلة نفسها، حملته والدته بين ذراعيها وعادت به إلى الخيمة التي تقيم فيها العائلة منذ الثالث عشر من أكتوبر/تشرين الأول 2023، في مواصي خان يونس، بعد أن اضطرت إلى مغادرة منزلها في منطقة الزنة شرقي المحافظة، والتي تم إبادتها بالكامل، ولم يُترك فيها منزل أو معلم من معالم البلدة كاملة.
وبدأت حياته كلها داخل خيمة، لتصبح سنوات عمره كلها متزامنة مع سنوات الحرب، وكأن العالم الذي فتح عينيه عليه لا يتجاوز مساحة بضعة أمتار من القماش المشدود فوق الرمال.
وبينما يتحدث الكبار عن بيوت فقدوها، وشوارع تغيرت ملامحها، وأحياء أزيلت بالكامل، لا يملك يزن أي ذاكرة يقارن بها واقعه الحالي. فهو لم ير المنزل الذي تتحدث عنه والدته، ولم يعرف الأزقة التي لعب فيها أشقاؤه، ولم يعش تفاصيل الحياة التي كانت تبدو يومًا عادية في غزة، قبل أن تتحول الحرب إلى الإطار الوحيد الذي تشكلت داخله طفولته.
وتقول والدته نورة أبو عابد إن يزن لم يعرف منذ ولادته سوى الخيمة، إذ عاد إليها في الليلة نفسها التي وُلد فيها، لتصبح المكان الذي شهد جميع محطات طفولته الأولى.
أول صرخة
وتضيف أن أول صرخة أطلقها بعد الولادة، وأول ليلة نامها، وأول كلمة نطق بها، وأول خطوة خطاها، وحتى أول مرة لعب فيها، كانت جميعها داخل الخيمة، مؤكدة أن ابنها لم يعش يومًا واحدًا في منزل، ولم تتح له فرصة أن يختبر شكل الحياة التي عاشها ملايين الأطفال.
وتوضح أن يزن بدأ يتعلم المشي فوق الرمال التي تغطي أرضية الخيمة، وكانت أولى محاولاته للعب باستخدام ما يجده حوله من حفنة تراب، أو قطعة خشب صغيرة، أو عبوة بلاستيكية فارغة، في ظل غياب الألعاب التي عادة ما ترافق سنوات الطفولة الأولى.
وتقول إن طفلها لا يعرف معنى أن تكون له غرفة خاصة، أو سرير صغير ينام عليه، أو نافذة يراقب منها الشارع، أو خزانة تحفظ ملابسه، لأن كل ما يملكه موجود داخل مساحة ضيقة من القماش، تتغير ملامحها مع كل عملية نزوح، أو مع كل محاولة لترميم الخيمة التي أنهكتها الشمس والرياح والأمطار.
وتتابع أن حياة يزن اليومية تبدأ وتنتهي داخل هذا المكان؛ يستيقظ على أصوات الطائرات المسيّرة، ويقضي نهاره بين الرمال، ثم ينام على وقع أصوات القصف التي لم تعد غريبة على سمعه، بينما أصبحت لسعات البعوض وتسرب الفئران إلى الخيام جزءًا من تفاصيل الليل التي تعيشها معظم العائلات النازحة.
وتستعيد نورة الأيام الأولى بعد ولادته، قائلة إن الحرب حرمتها حتى من توفير أبسط مستلزمات رعاية المواليد، إذ عانت العائلات خلال فترات طويلة من نقص حاد في حفاضات الأطفال وحليب الرضع، واضطرت الأمهات إلى البحث لساعات عن أي كمية متوفرة، في ظل الحصار، وانهيار الأسواق، وصعوبة وصول المساعدات الإنسانية.
وتؤكد أن الأشهر الأولى من عمر يزن مرت وسط قلق دائم من عدم القدرة على تأمين احتياجاته الأساسية، سواء الغذاء أو الملابس أو مستلزمات النظافة، في وقت كانت فيه العائلة تحاول التكيف مع حياة النزوح التي امتدت من أسابيع إلى أشهر، ثم إلى سنوات.
وتقول إن طفلها لم يخرج يومًا للتنزه في حديقة، ولم يجلس في عربة أطفال كما اعتادت أن تفعل مع أشقائه، ولم يشاهد الرسوم المتحركة على شاشة تلفاز، بل تشكلت ذاكرته الأولى من مشاهد الخيام، وصفوف النازحين، وصهاريج المياه، وطوابير الحصول على الطعام، وهي تفاصيل باتت تمثل بالنسبة إليه المشهد الطبيعي للحياة.
وتقول نورة أبو عابد إن الاستعداد لقدوم مولود جديد كان يبدأ قبل موعد الولادة بوقت طويل، إذ كانت تحرص على تجهيز كل ما يحتاجه الطفل في أشهره الأولى، من سرير خاص، ومرجيحة، وعربة للتنزه، وكرسي للطعام، وملابس تناسب كل مرحلة عمرية، إلى جانب أدوات الاستحمام، وأطباق الأطفال، واحتياجات التغذية التي تساعده على النمو بصورة طبيعية.
لكن كل تلك التفاصيل، كما تقول، غابت تمامًا مع ولادة يزن، فحين ولادته لم تكن تفكر في تجهيز غرفة أو شراء سرير، بل في كيفية العودة به إلى الخيمة، وكيف ستحميه من برد الليل أو حرارة النهار، وكيف ستؤمن له الحليب والحفاضات في ظل النقص الحاد الذي كانت تشهده الأسواق آنذاك.
ولم يكن ما تعيشه عائلة أبو عابد حالة استثنائية، بل يعكس واقعًا فرضه الدمار الواسع الذي طال القطاع السكني في غزة، وأجبر مئات آلاف الأسر على استبدال منازلها بخيام لا توفر الحد الأدنى من مقومات الحياة.
تجربتهم الحياتية الأولى
فوفق أحدث معطيات المكتب الإعلامي الحكومي، بلغ عدد الوحدات السكنية المتضررة في قطاع غزة نحو 510 آلاف وحدة سكنية، فيما دُمّر 335 ألف مبنى ووحدة سكنية تدميرًا كليًا، إضافة إلى 75 ألف مبنى ووحدة سكنية تعرضت لدمار جعلها غير صالحة للسكن، ليرتفع إجمالي المباني والوحدات السكنية المدمرة كليًا أو غير الصالحة للإقامة إلى نحو 410 آلاف.
كما تشير البيانات إلى أن أكثر من 350 ألف أسرة فلسطينية أصبحت بحاجة إلى مأوى، في وقت تحولت فيه الخيام إلى الخيار الوحيد المتاح لعشرات آلاف العائلات، رغم أن أكثر من 132 ألف خيمة من أصل 135 ألفًا أصبحت مهترئة وغير صالحة للإقامة، بعد أشهر طويلة من الاستخدام المتواصل والتعرض للأمطار والرياح وحرارة الصيف.
وتعكس هذه الأرقام، بالنسبة لنورة وطفلها يزن، واقعًا عاشته أسرتها منذ نزوحها من منطقة الزنة شرقي خان يونس في الثالث عشر من أكتوبر/تشرين الأول 2023، بعدما تعرض الحي السكني الذي كانت تقطنه لدمار واسع أزال المنازل والشوارع ومعالم المنطقة، ولم يعد هناك مكان يمكن للعائلة العودة إليه.
ولا تقتصر تداعيات الحرب على فقدان المأوى أو تدمير الممتلكات، بل تمتد إلى إعادة تشكيل ذاكرة الطفولة نفسها، إذ ينشأ آلاف الأطفال في بيئة لم يعرفوا فيها سوى النزوح والخيام، بينما تغيب عن تجربتهم الحياتية الأولى تفاصيل تبدو بديهية لأطفال العالم؛ كغرفة ينامون فيها، أو نافذة يطلون منها، أو ساحة منزل يركضون فيها بحرية.
وترى رائدة أبو عبيد، دكتورة علم النفس التربوي، أن السنوات الأولى من عمر الطفل تمثل المرحلة التي تتشكل فيها ذاكرته الأولى وإحساسه بالأمان والانتماء، وهي المرحلة التي ترتبط عادة بالمنزل بوصفه المكان الذي يكتشف فيه العالم من حوله. لكن الأطفال الذين يولدون ويقضون أعوامهم الأولى في بيئات نزوح غير مستقرة يكوّنون ذكريات مختلفة تمامًا، ترتبط بالخيمة، والتنقل المتكرر، والشعور الدائم بعدم الاستقرار، وهو ما يترك آثارًا نفسية وسلوكية قد تستمر معهم حتى بعد انتهاء الحرب، وتحتاج إلى برامج دعم وتأهيل طويلة تساعدهم على استعادة الشعور بالأمان وبناء علاقة طبيعية مع المكان.
يزن نموذج
وتكشف الإحصائيات الرسمية أن أكثر من مليوني فلسطيني تعرضوا للنزوح القسري منذ بدء الحرب، فيما استهدفت الهجمات الإسرائيلية 346 مركزًا للإيواء والنزوح، بما فيها المناطق التي أُعلن عنها باعتبارها 'مناطق إنسانية'. كما تعرضت منطقة المواصي، التي لجأت إليها عائلة أبو عابد، للقصف 241 مرة، رغم أنها كانت تُقدَّم للنازحين باعتبارها منطقة آمنة، الأمر الذي جعل حتى الخيام، التي يُفترض أن تكون ملاذًا أخيرًا، عرضة للخطر.
وفي الوقت نفسه، تجاوز عدد الأطفال الذين قُتلوا منذ بداية الحرب 21 ألفًا و500 طفل، بينهم أكثر من 1022 طفلًا لم يتجاوزوا عامهم الأول، من ضمنهم أكثر من 520 رضيعًا وُلدوا خلال الحرب قبل أن يفقدوا حياتهم، في أرقام تعكس حجم الأثر الذي خلفته الحرب على الطفولة الفلسطينية، سواء على من فقدوا حياتهم، أو على من بقوا أحياء يحملون آثارها في تفاصيل يومهم وذاكرتهم.
وبالنسبة ليزن، فإن الحرب لم تسلبه منزلًا يتذكره، بل سبقته إليه. فقد وُلد بعد أشهر من نزوح عائلته، في وقت كانت فيه منطقة الزنة، شرقي خان يونس، التي احتضنت منزل الأسرة لسنوات، قد مُسحت معالمها تحت القصف، لتصبح العودة إليها مستحيلة، ويغدو الحديث عن البيت بالنسبة إليه أقرب إلى رواية يسمعها من والدته، لا مكانًا عاش فيه يومًا.
وبعد ألف يوم من الحرب، لم يعد السؤال يقتصر على عدد البيوت التي دُمرت أو متى ستُعاد إعمارها، بل بات يتعلق أيضًا بجيل كامل نشأ من دون أن تتكون لديه ذاكرة عن معنى 'البيت'. فالحرب لم تكتفِ بهدم الحجر، بل امتدت لتصادر من آلاف الأطفال التجربة الأولى التي يبدأ منها الإحساس بالأمان والانتماء، تاركة وراءها طفولة تشكلت كلها تحت سقف الخيمة.

























































