اخبار السعودية
موقع كل يوم -جريدة الرياض
نشر بتاريخ: ٨ تشرين الأول ٢٠٢٦
أ.د. حمزة بن سليمان الطيار
الغلو في كل شيء يفرّغه عن مضمونه النافع، فمثلًا: من أسباب الإنجاز أخذ الحيطة والحذر قبل الإقدام على العمل، ولو أفرط الإنسان في ذلك لانقلبت الوسيلة آلةً، وصارت هذه الاحتياطات منتهى همته ومبلغ قصده، وفاته الإنجاز، وقد نبّهنا الله تعالى على تجنّب آفة الإفراط والتفريط فقال: 'ولا تجعلْ يدكَ مغلولة إلى عنقك ولا تبسطها كل البسط فتقعد ملوماً محسوراً'..
على الإنسان أن يصرف وقته فيما يصلح به معاده الذي سيؤول إليه على كل حالٍ؛ ولإصلاحه بعبادة الله تعالى، كما أن عليه العمل فيما يصلح به معاشَه الذي يعدُّ إصلاحُه من عمارة الأرض والإصلاح فيها، وهاتان المهمتان تتلاقيان بإخلاص النية، فمن طلب رزقه كما أُمرَ وأخلص النية في ذلك فهو في عبادة، والموفّق من جدَّ في أداء هاتين الوظيفتين وهو مستشرفٌ للمستقبل، لا تقطعه المصاعب التي لا تنفك عنها هذه الحياة، ولا تحبط إرادتَه التحديات التي تعترضه، ولا يتعامل معها -إن حدثت- على أنها قاضيةٌ على آماله ولا محالةَ، بل يبقى مستعيناً بالله ومحسناً الظنَّ به مستصحباً للتفاؤل، آخذاً من أسباب التدبير بما أمكنَه، وهذا من أهم أسباب الإنجاز بتوفيق الله تعالى، وأما المهمل فبالعكس من هذا يتكاسل عن تعاطي المنافع، وينتظر أول عائق يصادفه في الطريق؛ ليعود أدراجه، ويحتجُّ على تقاعسه بأن الطريق مسدودٌ، كما أنه لا يخلو من التشاؤم، ويتخيل أن الإنجازات أكبر منه، وهذه الخصال من موانع الإنجاز التي لا يكاد يتحقق معها، ولي مع موانع الإنجاز وقفات:
الأولى: من موانع الإنجاز التخلّي عن الاعتدال في مزاولة الأمور؛ وذلك لأن إنجاز الإنسان لمهامّه الدينية والدنيوية يحتاج إلى التحليّ بالاعتدال في أموره، أما الدين فمعلوم أن شرعنا الحنيف مبنيّ على الاعتدال والوسطية، وأن العبادات لها أركان إذا فرّط فيها الإنسان عدمت العبادة، وأنه لو غلا وأفرط وزاد فيها لكان مسيئاً مبتدعاً، ولكان عمله مردوداً عليه، هذا في الكيفية، وأما في المقدار فالإخلال والتفريط فيه مذمومٌ؛ لمخالفته الجدّ في العبادة، وكذلك التنطّع والإفراط؛ لأنه مخالف للهدي النبويّ؛ ولأنه من أسباب الانقطاع، وأما أمور الدنيا ومصالحها فواضح احتياجها إلى الاعتدال والتوسّط، ومن المتقرر عند العقلاء أن الإفراط في الشيء يعطي نتائج عكسية؛ ولهذا قيل في المثل: 'الشيء إذا خرج عن حده انقلب إلى ضده'، فالغلو في كل شيء يفرّغه عن مضمونه النافع، فمثلا: من أسباب الإنجاز أخذ الحيطة والحذر قبل الإقدام على العمل، ولو أفرط الإنسان في ذلك لانقلبت الوسيلة آلةً، وصارت هذه الاحتياطات منتهى همته ومبلغ قصده، وفاته الإنجاز، وقد نبّهنا الله تعالى على تجنّب آفة الإفراط والتفريط فقال: 'ولا تجعلْ يدكَ مغلولة إلى عنقك ولا تبسطها كل البسط فتقعد ملوماً محسوراً'، فالإفراط في البذل يرتجي منه المبذرون أن يمدحوا ويُشاد بهم، لكنه يجلب عليهم عكس ذلك وهو الملامة وسوء القالة.
الثانية: التشتت وعدم التركيز، فمن العادات الشائعة عند المخفقين كثرة الخروج والولوج من الأبواب، فيشرع في هذا العمل أو تعلّم هذا العلم، ثم يملّ منه، ويتركه إلى غيره، وهلمّ جرّاً، ويقبل على صداقة فلان بكل أريحيّة، ثم ينقبض عنه بلا سبب، وربما أوهمته نفسه أن محاولة الجمع بين مهامّ كثيرة من قبيل علو الهمة والتفنّن والجمع بين التخصصات والمهارات التي لا تجتمع إلا لخواصّ الناس وأفذاذهم، وهذا خطأ، فخواصّ الناس لم يصلوا إلى ما وصلوا إليه من الجمع بين المهارات والعلوم بعد فضل الله تعالى إلا بالتركيز وتنظيم الوقت والجهد، وليسوا عشوائيين في تعاطي ذلك، وقد أرشدنا النبي صلى الله عليه وسلم إلى أهمية الانتظام في العبادات، وأنه أفضل من التنقل بين الأعمال مع الانقطاع والتخلي عنها، فعن عائشة رضي الله تعالى عنها أن رسول الله صلى الله عليه وسلم سئل أي العمل أحب إلى الله؟ قال: 'أدومه وإن قلَّ' أخرجه مسلم.
الثالثة: الاغترار بالحاصل، فبعض الناس إذا أنجز مهمة قال بلسان حاله أو مقاله: أنا أنجزتُ وهذا رصيد يكفيني في سجلّ الإنجازات، وهذا خطأ؛ فالإنجاز لا يعدو أن يكون حلقة من سلسلة العمل التي لا يسوغ أن تنقطع ما دام الإنسان حيّاً، وصدق من قال:
إذا المرءُ أسرَى ليلةً ظنَ أنهُ
قضى عملاً والمرءُ ما عاشَ عاملُ
ثم إنّ العبادات لا يسوغ للإنسان أن يُعجب فيها بعمله؛ لأنها أداءٌ لحق الله تعالى، ومن الخطأ أن يتخيّل الإنسان أنه قضى من حقّ ربّه ما ينبغي أن يقضيَه، لكن يسدّد ويقارب، ويأمل أن يقبلَ منه جهده، ويتجاوز عن تقصيره، وإلّا فلولا فضلُ الله تعالى ورحمته بعباده لم يدخل أحدٌ الجنةَ بعمله، كما في حديث أبي هريرة رضي الله تعالى عنه، قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: 'لن يدخل أحدا عمله الجنة' قالوا: ولا أنت يا رسول الله؟ قال: 'لا، ولا أنا، إلا أن يتغمدني الله بفضل ورحمة»، متفق عليه.










































