اخبار السعودية
موقع كل يوم -صحيفة البلاد
نشر بتاريخ: ٣٠ أيلول ٢٠٢٦
ماذا لو توقف الإنترنت دقيقة واحدة؟ أو تأخر ردّ صديق ساعتين؟ قد تبدو مواقف بسيطة، لكنها اليوم كافية لتصيبنا بضيق، وكأن شيئاً في يومنا تعطّل. فنحن لم نعد نستاء من التأخير نفسه بقدر ما نستاء من فكرة الانتظار أصلاً، وكأنها أصبحت أمراً غير مقبول.
ولأن الانتظار ثقيل علينا، صرنا نريد كل شيء بسرعة. نتضايق إذا تأخر الطلب، ونفتح الهاتف مراراً إذا لم يصل الرد، ونقلق إذا لم تتحقق النتيجة في الوقت الذي توقعناه. شيئاً فشيئاً، تعودنا أن تستجيب الحياة لنا فوراً، حتى صارت كلمة'انتظر' ثقيلة، ولو كانت لدقائق.
وهذا التعود لم يأتِ من فراغ؛ فالسرعة دخلت تفاصيل حياتنا من أوسع أبوابها. بضغطة زر نطلب الطعام، وبأخرى نشتري ما نريد، وفي ثوانٍ تصلنا الأخبار من كل مكان، ونتحدث مع من يبعد عنا آلاف الكيلومترات وكأنه أمامنا. ومع تكرار ذلك، لم تعد السرعة مجرد وسيلة توفر الوقت، بل أصبحت جزءاً من توقعاتنا وطريقتنا في النظر إلى الحياة.
ومع تغيّر توقعاتنا، تغيّرت نظرتنا إلى التأخير. فلم يعد مجرد تأخير، بل صار أحياناً علامة على وجود مشكلة. إذا لم يرد أحد، بحثنا عن السبب، وإذا تأخر الطلب، شعرنا أن الخدمة سيئة، وإذا لم تظهر النتيجة بسرعة، ظننا أن الطريق الذي سلكناه لا يستحق الاستمرار. وكأننا فقدنا قدرتنا على إعطاء الأشياء وقتها الطبيعي.
ومع ذلك من الصعب أن نلوم جيلاً بعينه؛ فالجيل الجديد نشأ في بيئة مختلفة تماماً: الإنترنت حاضر، والهاتف في اليد، والمعلومة متاحة، والخدمات مصممة لتصل بأسرع وقت. حتى الشركات تتنافس على تقليل الانتظار، لأنها تعرف أن المستخدم اعتاد السرعة وأصبح يتوقعها.
لكن هذه السرعة، رغم فوائدها، بدأت تترك أثراً يتجاوز الأجهزة. فهي نعمة وفّرت علينا الوقت والجهد، لكن الأمر يتغير عندما تنتقل من أجهزتنا إلى طريقة تفكيرنا، فنريد أن تسير الحياة كلها بالإيقاع نفسه. وهنا تظهر المفارقة: نعيش في عالم يختصر لنا المسافات والوقت، لكن هناك أشياء لا يمكن اختصارها.
فتستطيع أن تحصل على معلومة بسرعة، لكنك تحتاج وقتاً لتفهمها. وتستطيع أن تبدأ تعلم مهارة اليوم، لكنك تحتاج ممارسة طويلة لتتقنها. وتستطيع أن تبدأ مشروعاً في أيام، لكن بناء مشروع ناجح يحتاج تجارب وأخطاء وصبراً. والأمر نفسه في العلاقات؛ فالثقة تحتاج مواقف، والصداقة تحتاج وقتاً، والعلاقة الجيدة لا تُبنى برسالة واحدة. بعض المشاعر تحتاج وقتاً لتتضح، وبعض القرارات خير من أن نأخذ وقتنا فيها بدل أن نستعجلها ثم نندم.
ويزداد الأمر تعقيدًا لأننا نعيش في بيئة لا تساعد على الصبر ؛ فمواقع التواصل جعلتنا نرى النتائج أكثر مما نرى الطريق. نرى شخصاً نجح، ولا نرى السنوات التي قضاها حتى وصل. ونرى مشروعاً كبيراً ولا نعرف كم مرة تعثر صاحبه قبل أن ينجح. نرى إنجازاً في مقطع قصير، فننسى أن وراءه وقتاً طويلاً من العمل. ولهذا تصبح المقارنة صعبة، خصوصاً عند الشباب؛ فقد ينظر أحدهم إلى غيره ويشعر أنه متأخر، مع أنه يقارن بدايته بمرحلة وصل إليها الآخر بعد سنوات.
لذلك، نحتاج إلى إعادة النظر في علاقتنا بالانتظار. ليس المطلوب أن نتخلى عن التقنية أو نعود إلى زمن البطء، فهذا غير ممكن ولا مطلوب، بل أن نفهم أن لكل شيء وقته، وأن السرعة ليست دائماً دليلاً على الإنجاز. وعلينا أن نعلّم أبناءنا أن النجاح لا يأتي بالضرورة بسرعة، وأن التأخر لا يعني الفشل، وأن بعض الطرق الطويلة تعلّم الإنسان أكثر من الطرق السهلة. فالخطأ والتجربة والمحاولة ليست وقتاً ضائعاً، بل جزء من بناء الخبرة.
ختاماً، السرعة ليست عدواً، لكنها ليست الحل لكل شيء، ففي مقابل الأشياء التي تصل بضغطة زر، هناك أشياء جميلة لا تأتي بالطريقة نفسها؛ الخبرة، والثقة، والعلاقات، والنجاح، ومعرفة الإنسان لنفسه. كلها تحتاج وقتاً وتجربة وصبراً. وربما أهم ما نتعلمه في هذا العصر السريع أن نعرف متى نسرع ومتى نتمهل، ومتى نطلب النتيجة الآن ومتى نتركها تأخذ وقتها. فليس كل تأخير خسارة، وليس كل سرعة إنجازاً.
فبعض الأشياء لا تتأخر لأنها بطيئة، وإنما لأنها تحتاج أن تنضج. وربما أجمل ما في الحياة لا يأتي عندما نستعجل الوصول، بل عندما نتعلم أن نعيش الطريق.
alhijazmusleh@










































