اخبار لبنان
موقع كل يوم -ام تي في
نشر بتاريخ: ١٨ أيلول ٢٠٢٦
لم تعد الخلافات بين حركة أمل وحزب الله مجرّد احتكاكات عابرة بين مناصرين، بل تحوّلت إلى تنافس صامت على مَن يملك القرار، ومَن يحقّ له أن يتحدّث باسم الجنوب، ومَن يستطيع أن يرسم حدوده السياسية والأمنية والاجتماعية، في إعادة رسمٍ لموازين القوى داخل الجنوب نفسه.
بدأت الأزمة حيث تبدأ كل أزمة حقيقية: لا بالعنف المسلّح، بل بإعادة تعريف الهوية والانتماء في شوارع صيدا والجنوب. ففي منتصف شهر تموز، اختار مناصرو أمل لحظة محدّدة لتعليق صور داوود داوود ورفع شعار: «فلتحترق طهران ويبقى الجنوب». هذا هو الخطاب الأقدم والأصيل في الحركة، ذلك الذي يعود إلى الصراع على هوية اللبناني الجنوبي قبل أن يصبح أداة طائفية، ورسالتها، أي «أمل»، واضحة: الجنوب ملك لأهله أولًا.
وحزب الله فهم الرسالة بسرعة، بردّ عملي تجلّى في تمزيق الصور والمشادات الكلامية والاستفزاز. وحين يردّ الطرف الأقوى عسكريًا بالقوّة نفسها، فإنّه يعترف بأن القوّة الرمزية تمسّ قلب شرعيته.
وأشار الكاتب السياسي علي الأمين لموقع MTV إلى أنّه «لا يستطيع أحد أن يعارض حزب الله إلا عندما يحتمي بقوّة حركة أمل، ولذلك لن يكون باستطاعتها ضبط الانفعالات الشعبية إلا ضمن حدود معيّنة»، معتبرًا أنّ «العلاقات داخل “أمل” قائمة على التوظيفات والزبائنية، ما يجعل ضبطها صعبًا، وليس لديهم إعاشات منها، على عكس مناصري “الحزب”، إضافة إلى أنّ فئة من المسؤولين في القرى والبلدات تحاول أن ترسّخ اعتراضها على أعمال “الحزب” العسكرية وتحيي رموز الخلاف معه».
وفي آب، اشتدّت الخلافات حول توزيع المساعدات في الخيام ومرجعيون، وحول إدارة المولّدات والخدمات في (صور) والضاحية، في صراع أعمق على مَن يملك السلطة على قرى الجنوب في غياب الدولة. كما منع مناصرو أمل عناصر «الحزب» من وضع منصّاتهم في بلدات الزهراني.
وهنا ظهر الصدع الحقيقي: بدأت أمل تشعر بأنّ الحزب لا يسعى إلى تقاسم السلطة المحلية فحسب، بل إلى امتصاصها تمامًا. والحزب، من جانبه، رأى في مطالب أمل محاولة لضعضعة سيطرته الأمنية والتنظيمية. ولم يعد الاحتقان قابلًا للاحتواء بالاجتماعات التنسيقية، خصوصًا بعد البيان الأخير الذي لا يزال يكرّر ما ورد في البيانات السابقة: «السلم الأهلي خط أحمر».
ويؤكّد الأمين أنّ «ليس من السهل أن يكون هناك نزاع علني بين الطرفين، وعلاقتهما تتخطّى البعد الطائفي إلى نظام مصالح مشتركة يوازن بين نفوذ “أمل” في النيابات العامة والأجهزة الأمنية، وانهيار “الحزب” سيكون انتكاسة لحركة أمل المتعدّدة باتجاهاتها الدينية الشيعية»، مؤكّدًا أنّ «حزب الله يملك قيادات في “أمل” ويتلقّون رواتب منه، ولذلك رئيس مجلس النواب نبيه بري لا يريد في نهاية عمره السياسي، ولن يغامر في المواجهة بسبب انفلات نسبي في قاعدته الجماهيرية، ولكنه ينتظر اللحظة المناسبة للقفز من مركب حزب الله».
تحكم «أمل» و«الحزب» معادلة نفوذٍ معقّدة، في اختبارٍ لمن سيكتب مستقبل البيئة الشيعية عندما تتبدّل قواعد اللعبة، ويعود سؤال الدولة إلى الواجهة في الجنوب.











































































