اخبار فلسطين
موقع كل يوم -فلسطين أون لاين
نشر بتاريخ: ٥ تشرين الثاني ٢٠٢٦
تشكّل القدس المحتلة محوراً رئيسياً في المشروع الاستيطاني 'الإسرائيلي'، الذي يستهدف إعادة تشكيل هويتها السياسية والديموغرافية والدينية، ولا يقتصر هذا الاستهداف على الوجود الفلسطيني المسلم، بل يمتد إلى الوجود المسيحي العربي، باعتباره جزءاً أصيلاً من هوية المدينة التاريخية والحضارية ونسيجها الوطني الذي تشكّل عبر قرون.
وتواجه القدس، التي احتضنت المقدسات الإسلامية والمسيحية وشكّلت نموذجاً للتعددية الدينية والثقافية، محاولات لتغيير واقعها التاريخي والديموغرافي، وفرض واقع جديد يعزز الهيمنة 'الإسرائيلية' على المكان والسكان والرواية التاريخية.
ومنذ احتلال الشطر الشرقي من القدس عام 1967، فرضت سلطات الاحتلال سلسلة من السياسات التي تستهدف تقليص الوجود الفلسطيني في المدينة، من خلال التضييق الاقتصادي، وسحب الهويات، والتوسع الاستيطاني، وفرض الضرائب، والتحكم في التخطيط والبناء، وتقييد الحركة، والاعتداء على المقدسات.
وامتدت هذه السياسات إلى المسيحيين الفلسطينيين، الذين تعرضوا لضغوط وانتهاكات انعكست على وجودهم ومؤسساتهم ومقدساتهم في المدينة، وسط تصاعد الاعتداءات على الكنائس، ومحاولات السيطرة على الأوقاف المسيحية، واستهداف رجال الدين والمصلين، وفرض قيود على الاحتفالات والشعائر الدينية، ولا سيما خلال المناسبات المرتبطة بكنيسة القيامة والبلدة القديمة.
تراجع الوجود المسيحي في القدس
وتكشف التحولات الديموغرافية في القدس المحتلة عن تراجع ملحوظ في أعداد المسيحيين ونسبتهم من السكان خلال العقود الماضية، بعدما شكّلوا حضوراً بارزاً في المدينة خلال النصف الأول من القرن العشرين.
ويُعزى هذا التراجع إلى مجموعة من العوامل، في مقدمتها سياسات الاحتلال والضغوط الاقتصادية والاجتماعية، إلى جانب الهجرة وتراجع معدلات النمو السكاني، وهي عوامل أسهمت في تقليص الحضور المسيحي الفلسطيني في المدينة.
ولا يمكن فصل هذه التحولات عن السياسات 'الإسرائيلية' الرامية إلى تغيير التركيبة السكانية للقدس، وتعزيز الأغلبية اليهودية وتقليص الوجود الفلسطيني بمختلف مكوناته.
استهداف الأملاك والأوقاف الكنسية
وبالتوازي مع استهداف الوجود البشري المسيحي، تتواصل محاولات السيطرة على الأملاك والأوقاف الكنسية في القدس، نظراً لأهميتها ومواقعها الاستراتيجية داخل البلدة القديمة وخارجها.
وتواجه العقارات التابعة للكنائس ضغوطاً متعددة، من بينها صفقات التسريب طويلة الأمد، وفرض الضرائب والغرامات، والإجراءات السياسية والقانونية التي تستهدف إنهاك المؤسسات الكنسية ودفعها إلى التنازل عن أجزاء من ممتلكاتها.
وتكتسب هذه المحاولات خطورتها من اتساع مساحة الأراضي والعقارات التابعة للكنائس في القدس، وما تمثله من أهمية في حماية الوجود المسيحي الفلسطيني، فضلاً عن موقعها في مناطق تشهد محاولات متواصلة للتوسع الاستيطاني.
اعتداءات على رجال الدين والمقدسات
وشهدت السنوات الأخيرة تصاعداً في الاعتداءات التي ينفذها مستوطنون بحق المسيحيين ومقدساتهم، وشملت الاعتداء الجسدي واللفظي على رجال الدين والرهبان، والبصق والشتم، وتخريب الممتلكات الكنسية، والاعتداء على المقابر والرموز الدينية.
كما طالت القيود المفروضة على الحركة وصول المسيحيين إلى كنيسة القيامة خلال الأعياد والمناسبات الدينية، فضلاً عن منع أعداد من أبناء الضفة الغربية وقطاع غزة من الوصول إلى القدس والمشاركة في الشعائر الدينية، في ظل القيود التي تفرضها سلطات الاحتلال.
وتتزامن هذه الاعتداءات مع تصاعد نفوذ التيارات الدينية والقومية المتطرفة داخل 'إسرائيل'، وما يرافق ذلك من ممارسات تستهدف الوجود المسيحي ومؤسساته ومقدساته.
تحركات لحماية الوجود المسيحي
وفي مواجهة هذه السياسات، برزت تحركات فلسطينية وكنسية وحقوقية لمواجهة استهداف الوجود المسيحي في القدس، من خلال التحركات القانونية والإعلامية، وتوثيق الاعتداءات، وتعزيز صمود المسيحيين الفلسطينيين وحضورهم الوطني والمجتمعي.
كما تصاعدت الدعوات إلى تعزيز الدور الوطني للكنائس، وتوسيع مشاركة القيادات الفلسطينية في مؤسساتها، بما يسهم في حماية الأوقاف والمقدسات والتصدي لمحاولات التسريب والاختراق الاستيطاني.
وفي هذا السياق، تسعى هذه الورقة إلى تقديم قراءة شاملة لواقع الوجود المسيحي العربي في القدس المحتلة، من خلال تتبع التحولات الديموغرافية التي شهدها، وتحليل السياسات 'الإسرائيلية' التي تستهدف المسيحيين ومقدساتهم ومؤسساتهم وأوقافهم، ورصد أبرز الاعتداءات والانتهاكات بحقهم خلال السنوات الماضية، وصولاً إلى طرح توصيات لمواجهة هذه السياسات والحفاظ على الوجود المسيحي الفلسطيني باعتباره مكوناً أصيلاً من هوية القدس العربية والتاريخية.

























































