اخبار سوريا
موقع كل يوم -درج
نشر بتاريخ: ٦ أب ٢٠٢٦
يقدّم هذا التحقيق قراءة في سياسات النجاة والاختفاء في عوالم سوريين وسوريات من مجتمع الميم- عين، بمن فيهم المثليات والمثليون، ومزدوجو ومزدوجات التوجّه الجنسي، والعابرون والعابرات جندرياً، وغيرهم من أصحاب التوجّهات الجنسية والهويّات والتعبيرات الجندرية المتنوّعة.
بعد سقوط نظام الأسد، قبل نحو عامين، انتشرت صورة لشخص يرفع علم قوس قزح في ساحة الأمويين في دمشق. أثارت الصورة جدلاً واسعاً عبر وسائل التواصل الاجتماعي حول مستقبل 'مجتمع الميم- عين' في سوريا، وحقّ أفراده في الظهور العلني والآمن، وفي عيش حياتهم من دون ملاحقة أو عنف أو تمييز.
هذا 'الظهور' كان مطلباً دافع عنه ناشطون وناشطات سوريون في المنافي، إذ عملوا وكتبوا ضد العنف القانوني والجسدي الذي تعرّض له أفراد مجتمع الميم- عين في سوريا، آملين بأن تفتح لحظة ما بعد الأسد الباب أمام مستقبل أكثر أمناً وعدالة. لكنّ هذا الظهور لم يدم طويلاً. فعلى أرض الواقع، سرعان ما عادت ممارسات الحذر والسرّية لتطغى على حياة كثيرين.
عند زيارتها سوريا برفقة شريكتها، اضطرّت مديحة إلى تعديل تصرّفاتها والعودة إلى ما تصفه بقواعد 'الحذر القديمة'. وفي دمشق، يمسح (منير) سجلّات هاتفه يومياً قبل مغادرة المنزل، خوفاً من أن يشي أيّ أثر رقمي بتوجّهه الجنسي أو بحياته الخاصّة، هذا الخوف ظنّ الاثنان أنه قد تلاشى مع سقوط النظام السابق، لكنّه عاد بوجوه ومصادر مختلفة.
بين ديكتاتورية أمنية ممأسسة أقامها نظام الأسد وسلطة ناشئة ذات خلفية عقائدية، تختصر الناشطة والعابرة جندرياً ليلى قدسي الوضع بقولها: 'المقارنة بين الطرفين لا تحمل جدوى حقيقية، لأن كليهما شكّل بيئة غير آمنة وملأى بالمخاطر'.
تتباين الهويّات والمناطق الجغرافية وتتقاطع التجارب، لكنّ الخوف يظلّ القاسم المشترك، والأداة التي تجبر الفئات الأكثر هشاشة على إعادة تعريف مفاهيمها الكبرى عن السياسة والأمان والمواطنة، وحتى عن الحياة والموت. في بلد مزّقته الحرب وتعدّدت فيه سلطات الأمر الواقع، أصبح السؤال الأصعب الذي يواجهه الكويري السوري: 'من سيسبّب لي أذى أقلّ؟'، بدلاً من امتلاك رفاهية السؤال عن هويّة من يحكم أو عن شكل الدولة التي يريدها.
على مدار أشهر من البحث، قابلنا 17 سورياً وسورية من مجتمع الميم- عين، موزّعين بين الداخل السوري ومنافي اللجوء. جرت المقابلات بسرّية، وحُجبت هويّات غالبية المشاركين والمشاركات حرصاً على سلامتهم. وجميع الأسماء غير العلنية الواردة في التحقيق أسماء مستعارة. كما استند التحقيق إلى شهادات خبراء قانونيين، وإلى تقارير حقوقية صادرة عن «حركة حرّاس المساواة» ومنظّمة «سوريون من أجل الحقيقة والعدالة»، إضافة إلى التواصل مع منظّمة «سين» المعنيّة بشؤون المثليين السوريين.
وأجرينا كذلك استطلاعاً محدوداً شمل 206 سوريين وسوريات من خارج مجتمع الميم- عين، ممّن عاصروا الحرب السورية في الداخل أو الخارج. لا تمثّل هذه العيّنة الرأي العامّ السوري، كما تميل في غالبيتها إلى فئات أكثر تقبّلاً للموضوع أو احتكاكاً به. لذلك تُستخدم إجاباتها بوصفها مؤشّراً يساعد في قراءة الاتّجاهات ويفسر بعض الشهادات.
على الرغم من التعميم الصادر عن وزارة العدل بشأن إعادة النظر في البنية القانونية والتشريعية في سوريا بما ينسجم مع الإعلان الدستوري، لا تزال، على المستوى العملي، نصوص قانونية موروثة من عهد النظام السابق نافذة أو قابلة للاستخدام، ما يثير مخاوف أفراد مجتمع الميم- عين.
كانت المادّة 520 من قانون العقوبات السوري، المرتبطة بصياغات فضفاضة عن «الآداب العامّة»، إحدى الأدوات القانونية التقليدية المستخدمة لملاحقة العلاقات المثلية. وتنصّ، بحسب المحامي إيهاب عبد، على معاقبة 'كل مجامعة على خلاف الطبيعة' بالحبس لمدّة قد تصل إلى ثلاث سنوات.
وتتّسع دائرة التوظيف القانوني لتشمل الموادّ 507 و517 و518. وقد استُخدمت المادّة 507، التي تتضمّن عقوبة بحقّ 'كل رجل تنكّر بزيّ امرأة'، في ملاحقة بعض العابرين والعابرات جندرياً أو من لا يتطابق تعبيرهم الجندري مع المعايير الاجتماعية السائدة. كما استُخدم قانون الجرائم الإلكترونية لملاحقة أشخاص بتهم من قبيل إدارة مواقع 'تهدف إلى إفساد الأخلاق'.
تكمن خطورة هذه النصوص في صياغاتها المطّاطة، التي تسمح بتفسيرها وتطبيقها وفق مقتضيات السلطة الأمنية أو الضغوط الاجتماعية والأخلاقية. ولا تستهدف هذه النصوص فعلاً محدداً بقدر ما تتيح مراقبة الحياة الخاصة والأجساد والتعبيرات الجندرية غير المعيارية.
لكنّ العنف الموروث لا يقتصر على النصّ القانوني الغامض أو على الاعتداء المباشر على الأجساد الكويرية، بل يمتدّ إلى الخطاب العامّ. في السنوات الأخيرة من حكم النظام السابق، شنّ النظام حملة أيديولوجية ضد ما سماّه 'الليبرالية الحديثة'، رافقها خطاب تحريضي ضد مجتمع الميم- عين، ووصلت في بعض الحالات إلى الاعتقال والملاحقة.
وفي سوريا اليوم، ينتشر خطاب ديني واجتماعي متشدّد في الشارع وعلى وسائل التواصل الاجتماعي، بالتوازي مع الاحتفاء بأنماط محدّدة من الذكورة المعيارية ومظاهرها. ويثير ذلك مخاوف من إمكان إطلاق حملات مشابهة لتلك السابقة، وإن تحت عناوين أو مرجعيات مختلفة.
تشير شهادات عدّة إلى أن مخالفة النموذج الاجتماعي السائد لـ'الذكورة القياسية' قد تكون وحدها سبباً للتدقيق أو الاستجواب. وتحدّث أشخاص، علناً أو في مقابلات خاصّة، عن توقيفهم عند حواجز وسؤالهم عن ملابسهم ومظهرهم وطريقة تصرّفهم أو عن توجّهاتهم الجنسية، فالجسد يهدّد بالتحرّش والإذلال لأن شكله مختلف، ولا يؤدّي 'الرجولة الخشنة' المتوقّعة منه.
في هذا السياق، لا يكون الجسد عرضة للعنف بسبب فعل ارتكبه، بل لأن مظهره أو تعبيره الجندري لا يؤدّي نموذج 'الرجولة الخشنة' المتوقّع اجتماعياً. وتتحوّل الملابس، ونبرة الصوت، وطريقة الحركة، وحتى العلاقات الاجتماعية، إلى قرائن محتملة تستدعي الاشتباه.
هكذا كانت تُبنى هندسة الخوف في سوريا في عهد الأسد: نصوص مطّاطة، وعقلية أمنية ميدانية، وتقاطعات معقّدة بين الانتماء الطائفي والجنس والجندر والطبقة الاجتماعية، تجعل الانعتاق من الرقابة بالغ الصعوبة.
وعندما سألنا المشاركين والمشاركات عمّا إذا كانت هذه البنية قد تغيّرت، قال منير لـ'درج'، وهو مهندس معلوماتية (25 عاماً): 'المادّة 520 من قانون العقوبات لم تغادر، بل تغيّر من يطبّقها. كان القمع في عهد الأسد عشوائياً ومرتبطاً بالفساد، ويمكن أحياناً الالتفاف عليه أو التفاوض مع أدواته. اليوم أصبح القمع مغلّفاً بخطاب ديني وأخلاقي، وهذا أخطر بنظري، لأنه لا يترك أي هامش للاستثناء'.
أما الطبيب مازن (28 عاماً)، فيخشى أن تضاف إلى هذه القوانين نصوص أو تفسيرات دينية أكثر تشدّداً، بدلاً من إلغائها أو تعديلها بما ينسجم مع الحقّ في الخصوصية والمساواة وعدم التمييز.
الطبقية الجندرية: 'ذكورية' في مجتمع الميم واختفاء النساء الكويريات
فيما واجه عدد من الرجال المثليين آلة القمع المباشرة عند الحواجز وفي المعتقلات خلال حكم الأسد، وحاول بعضهم الاختفاء خلف مظاهر الرجولة المعيارية، عاشت النساء الكويريات والعابرات جندرياً أشكالاً أخرى من الاختفاء والإخفاء.
تفسّر مديحة، وهي خريجة صيدلة تعيش خارج سوريا، ذلك بأنها تواجه التمييز كامرأة في مجتمع أبوي تحكمه أنظمة وصاية عائلية واجتماعية صارمة، ثم بوصفها امرأة كويرية في مجتمع يرفض الاختلاف.
تقول مديحة: 'داخل الدوائر المغلقة لمجتمع الميم نفسه، يمتلك الرجل المثلي امتيازات ذكورية تلقائية، مثل حرّية الحركة، والاستقلال المالي النسبي، والقدرة على خلق مساحات خاصّة، بينما لا يمتلك كثير من النساء الكويريات هذه الأدوات الأساسية للبقاء'.
تستخدم مديحة مصطلح 'الابتلاع المنزلي' لوصف ما يتعرّض له بعض النساء الكويريات: احتجاز غير مرئي داخل المنزل، ورقابة أسرية لصيقة، ومنع من الحركة والاستقلال، وتهديد بالعنف أو بالقتل بذريعة 'الشرف'.
وتشير إلى أن غياب أسماء النساء الكويريات والعابرات جندرياً عن بعض قوائم الاعتقال، لا يعني بالضرورة أنهن أقلّ تعرّضاً للقمع. فقد يعكس هذا الغياب طبيعة مختلفة وأكثر صمتاً للانتهاكات، تتركّز على العزل المنزلي والرقابة العائلية والإكراه على الزواج والعنف الأسري، بدلاً من الاحتجاز الرسمي. وهذا يجعل توثيق هذه الانتهاكات أكثر صعوبة.
هذا الإخفاء لم يولد مع سقوط النظام السابق، لكنّه استمرّ وتعمّق بصورة أكثر وضوحاً، إذ يرى منير أن غياب النساء الكويريات عن المشهد العامّ ليس مصادفة، بل نتيجة طبقات متعدّدة من التهميش. إذ تُختزل قضاياهن غالباً في إطار 'الشرف العائلي' أو 'العنف الأسري'، فتمحى الهويّة الكويرية من السردية نفسها. كما تحدّ القيود الاجتماعية والاعتماد الاقتصادي على العائلة من قدرتهن على الحركة والاستقلال، فيما تشكّلت أولويات كثير من الفضاءات الكويرية تاريخياً حول تجارب الرجال المثليين وقضاياهم.
أما مجيد، وهو مهندس (30 عاماً) ويقيم خارج سوريا، فيرى أن التفكير الذكوري يمتدّ أحياناً إلى الفضاءات الكويرية ذاتها، حيث تطغى السرديات المرتبطة بالرجال على حساب تجارب النساء والعابرين والعابرات جندرياً.
ويختصر سالم، وهو ناشط مجتمعي، الأمر بالقول: 'في مجتمع ذكوري، النساء هنّ الحلقة الأضعف دوماً'.
تعكس هذه العبارة شعوراً شائعاً لدى عدد من المشاركين، لكنّها لا تعني أن النساء يشكّلن فئة واحدة أو يتعرّضن جميعاً للمخاطر ذاتها. فاختفاء النساء الكويريات ينتج من تقاطع البنى الأبوية مع الاعتماد الاقتصادي والرقابة الأسرية والخوف المتزايد، إضافة إلى التهميش الذي قد يحدث داخل المساحات الكويرية نفسها.
يشرح معتصم، وهو صانع أفلام مقيم في الخارج، الاختلاف الذي يراه في سبل النجاة بعد سقوط الأسد: 'النظام الديكتاتوري يقمع بدوافع سلطوية، يريد الإذعان لا الفناء. والمتطرّف الديني يقمع بدوافع عقدية، ويرى وجودك نفسه خطأ. هذا هو الفرق، بالنسبة لي، بين السجن والقبر'.
هذا التشريح للخطر 'المألوف الممأسس' مقابل الخطر 'العقدي الإفنائي'؛ تشريح يبقى وصفاً لسيكولوجيا الخائف لا تأييداً سياسياً، يتقاطع مع شهادة شهادة عادل، وهو طبيب سوري غادر البلاد أخيراً، يقول: 'من منطلق شخصي، وبسبب الهويّة الجنسية، كان يبدو لي أن نظام الأسد قد يكون أقلّ خطراً من جماعات دينية متطرّفة'.
يؤكّد عادل أنه لم يكن يوماً مؤيّداً لنظام الأسد، ويصفه بأنه 'آلة قتل وحشية'، لكنّه يشرح منطقه بالقول: 'النظام قد يعتقلك بسبب هويّتك، لكنّه يترك هامشاً ضيّقاً للمناورة أو الاختفاء؛ بينما الجماعات المتشدّدة قد تترصدك لتقتلك حتماً، وبشكل علني مشهدي، كجزء من طقس تطهير الفضاء العامّ'.
في الطرف المقابل، يقرأ آخرون المعادلة بشكل مختلف. زيد، وهو طبيب مغترب (40 عاماً) زار سوريا بعد سقوط النظام، يرى أن الإسلاميين الذين التقاهم بدوا 'أكثر انفتاحاً وقدرة على ضبط الشارع'. فيما يعتبر مشاركون آخرون أن النظام السابق والجماعات الدينية المتشدّدة يشكّلان درجة متقاربة من الخطر.
ولا يمكن التعامل مع 'الإسلاميين' بوصفهم كتلة واحدة، كما لا يمكن الخلط بين تنظيم 'داعش' و'جبهة النصرة' في مراحلها السابقة، و'هيئة تحرير الشام' والمؤسّسات الأمنية والإدارية التابعة للسلطة الحالية. لكل جهة تاريخ وبنية وممارسات مختلفة، وإن كانت المخاوف الحالية تتغذّى من تجارب سابقة ومن غياب الضمانات القانونية الواضحة.
هذه المقارنات النظرية كانت تُترجم إلى رعب فيزيائي مرئي وموثّق على الأرض، يقول سالم (32 عاماً) لـ'درج': 'شاهدت بعيني كيف تمّ إعدام شخص برميه من شاهق في مدينة الرقّة، لما كانت تحت سيطرة الجماعات المتطرّفة'. فلم يعد الحديث عن 'احتمالية' الانتهاك، بل عن صورة جثّة تسقط من شاهق، وسط هتافات وتجمهر عامّ، كعبرة اجتماعية مقصودة.
وتأتي تقارير 'حركة حرّاس المساواة' ومنظّمة 'سوريون من أجل الحقيقة والعدالة' لتوثّق هذه الحقبة؛ حيث رصدت المنظّمات عشرات حالات الإعدام الميداني الممنهج لأشخاص بتهمة 'المثلية' أو 'الزنا'، على يد تنظيم 'داعش' في الرقّة ودير الزور، نُفذّت بطرق وحشية شملت الرمي من أسطح الأبنية العالية، أو الرجم حتى الموت، أو الصلب في الساحات العامّة. ولم تقتصر هذه الممارسات على تنظيم 'داعش'؛ إذ توثّق التقارير الحقوقية ذاتها ممارسات 'جبهة النصرة' في إدلب وشمال حلب، التي استخدمت ما يُسمّى بـ 'المحاكم الشرعية' كغطاء لإصدار أحكام الإعدام.
وهذا ماحصل أيضاً بعيد سقوط النظام، حيث انتشرت أخبار متفرّقة عن اعتقالات لمن وصفوا بـ'المخنّثين' في شوارع دمشق، تعرّضوا خلالها لإهانات جسدية ولفظية شديدة. كما انتشر مقطع فيديو يوثّق إحدى هذه الحوادث من قِبل عناصر قيل إنهم تابعون للأمن العامّ، دون أي تعليق من السلطات السورية على الحادثة أو صحّة تبعية هؤلاء العناصر لها.
ولا يتوقّف أثر العنف عند حدود الجغرافيا السورية. فقد اعتقد كثير من السوريين والسوريات من مجتمع الميم- عين أن مغادرة البلاد ستعني نهاية الخوف، لكنّ الشهادات الآتية من المنافي تكشف استمرار آثاره النفسية والجسدية.
تشرح مديحة المقيمة في ألمانيا، كيف أنها ما زالت ترتجف ذعراً كلما سمعت صوت الألعاب النارية في الاحتفالات، لأن جسدها لم ينسَ سنوات الترقّب التي غاب فيها القانون، وتحوّل فيها الجسد إلى هدف مستباح.
ويصف مجيد المقيم في ألمانيا أيضاً، أعراضاً جسدية حادّة، منها التسارع المفاجئ في نبضات القلب كلما داهمته الذاكرة. ويعبّر عن اغتراب مركّب قائلاً: 'أنا متعلّق بسوريا كثيراً، وأحزن لأنها بلد الجميع، لكنّها لم تعد بلدي. السوريون منقسمون، وبعضهم يروننا، نحن العلويين المعارضين أو المثليين، مجرّد عبء عليهم'.
ومع تبدّل السلطة، تبدّلت لغة الخوف ومصادره. يقول رافي، وهو إعلامي من دمشق (35 عاماً): 'المخاوف مرتبطة أكثر بجمهور هذه السلطة. الخوف الأساسي هو أن يتحرّك هذا الجمهور بشكل منظّم للاعتداء على أفراد مجتمع الميم، خصوصاً عبر التطبيقات والمجموعات الإلكترونية'.
ويضيف منير: 'في الماضي، كان الخوف له ملامح مألوفة: رشوة، أو فرع أمني معروف، أو شخص بعينه يجب تجنّبه. اليوم أصبح الخوف أخلاقياً بقدر ما هو أمني. أحسب كل تفصيل في حياتي اليومية: طريقة لبسي، ومن يراني برفقة من، وأي رسالة أرسلها'.
أما مجيد فيصف المشهد، في تعبير شخصي، بأنه إحلال لـ'ذكورية أموية' مكان 'الذكورية الأسدية'، فيما يختصر سالم الصورة بالقول: 'الإقصاء يشمل الجميع، والحرّيات تتراجع، فما بالك بالمجتمع الكويري'.
بهذا المعنى، لم يعد الخوف مرتبطاً بجهة واحدة أو بمؤسّسة أمنية محدّدة، بل أصبح جزءاً من تفاصيل الحياة اليومية، يتسلّل إلى اللغة والملبس والعلاقات والفضاء الرقمي، حتى غدا حالة دائمة أكثر منه استجابة لخطر واضح ومحدّد.
بعد نحو شهر من وصول 'هيئة تحرير الشام' إلى دمشق وتشكّل السلطة الجديدة، انتشر مقطعان عبر وسائل التواصل الاجتماعي. ظهر في الأوّل شخص عابر جندرياً يتعرّض للضرب والشتم والتهديد بعنف جسدي شديد. وأظهر الثاني عابرة جندرياً لدى الإفراج عنها من مركز احتجاز، وهي تتعرّض للإهانة والاعتداء.
لا تسمح المقاطع المتداولة وحدها بمعرفة كامل سياق الوقائع أو تحديد المسؤوليات المؤسّسية، لكنّها ضاعفت مخاوف أفراد مجتمع الميم- عين، خصوصاً في ظلّ غياب تحقيقات رسمية معلنة أو آليّات مستقلّة لتلقّي الشكاوى وحماية الضحايا.
في الوقت نفسه، أكّد فرانسوا زنكيه مؤسّس 'حركة حرّاس المساواة'، أنه وثَّق حادثة ثالثة وقعت في كانون الثاني/ يناير الماضي، حيث اقتحم فصيل محلّي حفلاً خاصّاً بعيد ميلاد في جرمانا، واعتقل جميع الحضور من المثليين جنسياً، مع تعرّضهم للإهانات والضرب، قبل أن يتمّ الإفراج عنهم لاحقاً.
انقسمت ردود الفعل تجاه المقاطع. فقد عبّر قسم من المعلّقين عن رفضه وجود هذه الفئات أو ظهورها، فيما رفض آخرون الانتهاك بصرف النظر عن موقفهم الاجتماعي أو الديني من المثلية والعبور الجندري.
ضمن الاستطلاع المحدود الذي أجريناه، طرحنا سؤالاً عن أسباب تأييد بعض أفراد مجتمع الميم- عين، لسلطة تنتمي القوى التي أسهمت في تشكيلها إلى تاريخ شهد تجريم المثلية واضطهاد المختلفين جندرياً.
لا نعرف حتى الآن التوجّه القانوني والسياسي النهائي لهذه السلطة بعد تولّيها الحكم، ولذلك استند السؤال إلى السجل التاريخي لبعض القوى المنضوية فيها، لا إلى افتراض أن كل ممارسات الماضي ستستمرّ بالضرورة بالصورة نفسها.
لم تكن الإجابات موحّدة، ولم يكن تفسيرها بالبساطة التي توقّعناها.
يعدّد منير أسباباً تتراوح بين البراغماتية السياسية، وفق منطق 'عدوّ عدوّي صديقي'، وبين الانتماءات القومية أو الدينية أو العائلية العميقة، التي قد تتقدّم في لحظة الخطر على التوجّه الجنسي أو الهويّة الجندرية.
وتحدّث مشاركون عن 'التماهي مع المعتدي' بوصفه تفسيراً محتملاً لدى بعض الحالات، وعن الخوف من الفوضى أكثر من الخوف من القمع المنظّم. إلا أن هذه التفسيرات لا تصلح لتشخيص الأفراد أو اختزال خياراتهم النفسية والسياسية.
يخلص منير إلى أن مجتمع الميم- عين ليس كتلة متجانسة؛ ففيه المحافظون واليمينيون واليساريون وغير المسيّسين، كما يضمّ أشخاصاً يرفضون التصنيفات الغربية المستخدمة لوصف توجّهاتهم أو هويّاتهم.
تفسّر مديحة واقع المجتمع الكويري: 'في سوريا، يحتاج الناس أولاً إلى الأمان والطعام. الحرّيات الجنسية رفاهية مؤجّلة'، وتتساءل كيف يمكن لشخص يرفض القوالب الاجتماعية التقليدية أن يؤيّد سلطة تمثّل، في نظره، كثيراً ممّا يرفضه، ثم تجيب: 'الناس يتعلّقون بأي بديل عن الأسد. إذاً، الأمر ليس نسياناً كاملاً للهويّة، بل تجميد مؤقّت للصراع، وإعادة ترتيب للأولويات، وتغليب لهويّات أخرى'.
أما الطبيب مازن، فيرى أن السوري اعتاد التنازل عن حقوق مقابل حقوق أو حاجات يعتبرها أكثر إلحاحاً، مثل الأمان والتعليم. واليوم قد تصبح محاسبة مسؤولي النظام السابق أو تحقيق العدالة للضحايا هي الأولوية التي يقبل بعضهم، في سبيلها، بتأجيل المطالبة بحقوق أخرى.
لكنّ الصوت الأكثر اختلافاً يأتي من زيد، الذي زار سوريا بعد سقوط نظام الأسد، ويقول إنه عاش هناك 'بشكل طبيعي'. يصف زيد الإسلاميين الذين التقاهم بأنهم 'أكثر انفتاحاً من النظام السابق في ما يخصّ المثلية'، ويقول إن السلطة الحالية تتغاضى عن حفلات سرّية للمثليين في دمشق. تبقى هذه، مع ذلك، شهادة فردية لا تكفي وحدها لإثبات وجود سياسة رسمية أو ضمان قانوني مستقرّ.
في المقابل، يصف جاك الذي عاش لسنوات تحت حكم 'هيئة تحرير الشام'، هذا التأييد بأنه شبيه بـ'متلازمة ستوكهولم'، ومحاولة للتأقلم أو نتيجة 'غسيل دماغ'، وهو توصيف شخصي وجدلي لا يمكن تعميمه.
أما ليلى قدسي وهي مواطنة سورية كندية، وناشطة وعابرة جندرياً ومديرة منظّمة 'صوتنا'، وعاشت سابقاً في إدلب، فتقول إن بعض مؤيّدي السلطة 'لا يزالون سكارى ومنتشين بخبر سقوط النظام السابق، ولم تتبلور لديهم قراءة نقدية كاملة للواقع الجديد'.
تكشف الشهادات أن التوجّه الجنسي أو الهويّة الجندرية لم يختفيا، لكنّ التعبير عنهما والمطالبة بالحقوق المرتبطة بهما تراجعا أحياناً خلف أولويات فرضتها الحرب والانهيار، من البحث عن الأمان والعدالة، إلى الانتماءات الطائفية والعائلية والسياسية.
يقول أحد المشاركين إن 'قسماً كبيراً لم يتصالح أصلاً مع توجّهه الجنسي أو هويّته الجندرية'، ما قد يسهّل عليه إخفاءها أو تجنّب الدفاع العلني عنها. ويرى مشارك آخر أن 'التوجّه الجنسي ليس أولوية'، وأن ما يهمّ بعض الأشخاص هو أن يستطيعوا عيش حياتهم الخاصّة، ولو بصورة سرّية.
تتشعّب استراتيجيات البقاء داخل المجتمع الكويري نفسه. يرى البعض أن العودة إلى الاختفاء خيار اضطراري، فيما يرفض آخرون هذا المنطق باعتباره استسلاماً دائماً لسلطة الخوف.
يعلن رافي موقفه بوضوح: 'أؤيّد وبشدّة، الاختفاء. الأمان ثم الأمان أولاً وأخيراً. ما فائدة الإعلان عن وجود مجتمع كويري في وقت قد يتعرّض أفراده للقتل؟'.
في المقابل، يرفض مجيد هذا المنطق، قائلاً: 'دائماً مطلوب منا، نحن الكويرز، أن نقدّم الجميع على حياتنا، وأنا شبعت. أنا اليوم أعيش لذاتي أولاً'.
أما منير، فيصف موقفه بقدر أكبر من التعقيد: 'حين رأيت أفراداً من مجتمعنا يدعمون هذه السلطة، شعرت بخيانة مضاعفة، لكنّني أفهم دوافعهم. كثيرون يعيشون ضمن عائلات وبيئات صغيرة لا يمكنهم الانفصال عنها، فيختارون الصمت مقابل أمان نسبي'، ويضيف أن الاختفاء عاد 'بشكل أكثر عنفاً من السابق'، بعدما تحوّلت حتى المساحات الصغيرة التي كانت توفّر قدراً من الأمان، إلى فضاءات قابلة للمراقبة والاستدراج.
ويختصر مازن الأمر بالقول: 'البراغماتية قد تنفع، لكنّها لن تنفع سوى مؤقّتاً'، ويضيف: 'تتّضح هذه الممارسة لدى شخصيّات عُرفت طويلاً بدفاعها عن الكويرية، ثم قرّرت فجأة إخفاء هويّاتها لصالح الدولة. كأن الكويريين السوريين يظهرون فقط في أوروبا، أما داخل الجغرافيا السورية فيعودون إلى أدوارهم المعيارية، من دون شبكات تضامن أو مواجهة سياسية للقوانين السورية'.
هذا الظهور المقنّع يقابله التلاشي الذي يصفه منير بقوله: 'نعم، هو تلاشٍ، لكن ليس بشكل دراماتيكي مفاجئ، بل تدريجي. أصبحت أصغّر مساحتي يوماً بعد يوم: أقلّ ظهوراً، وأقلّ كلاماً، وأقلّ حضوراً. وهناك ما هو أصعب من الخوف من الموت، وهو الخوف من أن تُمحى تدريجياً، حتى لا يلاحظ أحد أنك كنت موجوداً أصلاً'.
أما رافي فيشير إلى مصدر آخر للتهديد، يأتي من داخل المجتمع الكويري نفسه: “الشعور بالتهديد نابع من حالة ‘التكويع’ عند بعض الأشخاص الذين لطالما أظهروا دعماً للكويريين أو كانوا منهم… واليوم أصبحوا من نفس الجمهور الذي لا يعبأ بالحرّيات الشخصية. الشعور بالتهديد من هؤلاء هو أكبر بكثير من الشعور بالتهديد من السلطة نفسها'.
هكذا يتنقل الخوف بين الخارج والداخل، بين السلطة والمجتمع، وبين ما هو معلن وما يتغيّر بصمت داخل الشبكات التي يفترض أنها الأكثر أماناً.
ربما تكشف تجربة مجتمع الميم- عين السوري جانباً ممّا آلت إليه حال السوريين عموماً في هذه الحقبة. فلم يكن الخيار يوماً مفاضلة حقيقية بين الحرية والقمع، بل مناورة مستميتة بين درجات مختلفة من الخطر، وبين سلطات ومجتمعات تطالب الفرد بالتنازل عن جزء من ذاته كي يضمن قدراً محدوداً من السلامة.
ويبقى السؤال الأصعب: كيف يمكن بناء بلد يخاف فيه المواطنون من بعضهم بعضاً بقدر خوفهم من سلطتهم، أو أكثر؟




































































