اخبار لبنان
موقع كل يوم -لبنان الكبير
نشر بتاريخ: ٧ أيار ٢٠٢٦
لم يعد ما يجري في القرى الحدودية وغيرها من بلدات الجنوب مجرد عمليات عسكرية عابرة، بل تحوّل إلى واقع قاسٍ تعيشه المنطقة يومياً تحت القصف والتدمير المستمر. فالجنوب يمرّ بواحدة من أصعب مراحله، في ظل تصعيد إسرائيلي متواصل يستهدف المنازل والبنية السكنية بشكل واسع، ما يثير مخاوف جدية من محاولة فرض واقع أمني جديد على الحدود اللبنانية.
يعتمد الاحتلال سياسة تقوم على التفجير المنظّم للأحياء السكنية، حيث تُدمَّر منازل بشكل متعمد، فيما تُترك بعض الأبنية قائمة لاستخدامها كنقاط تمركز عسكرية مؤقتة، قبل أن تُفجَّر أو تُحرَق عقب الانسحاب منها، في مشهد يعكس محاولة واضحة لجعل العودة إلى هذه المناطق أكثر صعوبة.
وحتى الآن، لا يمكن وضع إحصاء نهائي لحجم الدمار، إذ إن بعض القرى جُرفت خلال الحرب الماضية، فيما تستمر عمليات التفجير في مناطق أخرى، بينما تنتظر قرى إضافية مصيرها بعد انسحاب قوات الاحتلال منها، ما يجعل الجنوب أمام عملية تدمير متواصلة لا تتوقف بانتهاء الاشتباكات.
ووفق مصدر ميداني، توزّع الدمار على الشكل الآتي:
دمار كلي:
الناقورة، أم التوت، الزلوطية، يارين، الضهيرة، مروحين، راميا، طير حرفا، شيحين، الجبين، إضافة إلى عيتا الشعب، حانين، بيت ليف ورشاف في القطاع الأوسط.
دمار كبير:
بنت جبيل، عيناتا، عيترون، بليدا، ميس الجبل، حولا، رب الثلاثين.
قرى دُمّرت في حرب 2024:
عديسة، كفركلا، مارون الرأس، محيبيب.
هذا الحجم من التدمير لم يغيّر فقط شكل القرى، بل بدّل ملامح المناطق الحدودية وجغرافيتها العمرانية بصورة واضحة.
فالمشهد العام يوحي بأن إسرائيل لا تخوض معركة موضعية فحسب، بل تعمل على إعادة رسم الحدود الأمنية بالقوة، عبر محو القرى الحدودية وقطع الترابط العمراني بين شمال الليطاني وجنوبه، تمهيداً لفرض منطقة عازلة بعمق عدة كيلومترات.
من القرى التي تتعرض للقصف والتفجير بنت جبيل، التي لا تتمتع بأفضلية جغرافية كبيرة مقارنة بباقي القرى، إلا أنّ رمزيتها السياسية والمعنوية جعلتها هدفاً أساسياً لإسرائيل، التي تسعى إلى تحقيق نصر رمزي فيها أكثر من سعيها إلى إنجاز عسكري فعلي.
وقد ارتبط اسمها بمحطات مفصلية، إذ أُلقي منها خطاب للأمين العام السابق لحزب الله، السيد حسن نصرالله، وصف فيه العدو بأنه 'أوهن من بيت العنكبوت'.
وفي الحديث عن مدينة بنت جبيل، قال النائب علي بزي إن بنت جبيل تُعدّ حاضرة جبل عامل وعاصمة القضاء، مشيراً إلى أن 'المدينة لعبت تاريخياً دوراً أساسياً في مقاومة الانتداب والاستعمار وكل أشكال الاحتلال.'
وأوضح بزي أن 'موقعها الجغرافي المتاخم لفلسطين المحتلة جعلها شاهدة وشهيدة في آن واحد'، لافتاً إلى أن هناك بنت جبيل المقيمة وبنت جبيل المغتربة، حيث تنتشر عائلاتها في الولايات المتحدة ودول الاغتراب، وقد خرج منها عدد كبير من الأدباء والعلماء والشعراء والسياسيين والمناضلين.
وأضاف أن 'المدينة تختزن إرثاً عمرانياً واجتماعياً متنوعاً يمتد عبر أحيائها المختلفة، من حاكورة نصف الضيعة إلى حي البركة والدورة وعين الزغيرة وعين الكبيرة وحي المسلخ وبيادر صفّ الهوا، ما يعكس تاريخها الاجتماعي والإنساني المتجذّر.'
وأشار بزي إلى أن 'بنت جبيل تميّزت دائماً بعلاقات حسن الجوار مع بلدات رميش ودبل والقوزح، وترتبط جغرافياً بمناطق صور والنبطية ومرجعيون وحاصبيا'، معتبراً أن التنوع البشري في هذه المناطق شكّل مصدر شراكة في الآمال والآلام معاً.
وتحدث عن العدوان الإسرائيلي، قائلاً إن 'إسرائيل سعت في حربها الأخيرة إلى الثأر لهزائمها السابقة، فأمعنت نسفاً وتدميراً في أحياء المدينة وساحاتها ومعالمها، من حي العولمة وملعب بنت جبيل إلى ثانوية البراعم ومجمع المرحوم موسى عباس ومهنية بنت جبيل، وصولاً حتى إلى المقابر'، مؤكداً أن بصمات الوحشية والمجازر كانت واضحة.
وشدّد بزي على أن 'أهالي بنت جبيل والجنوب لا يعترفون بأي خط أصفر رسمته إسرائيل'، مؤكداً أن 'حدود الجنوب وبنت جبيل هي من تراب لبنان وسيادته وكرامته وحريته.'
توحي التطورات على الأرض بأن واقعاً جديداً يتشكّل في الجنوب، مع توسّع ما يُعرف بـ«المنطقة الصفراء» واستمرار التهديدات وإخلاء القرى الحدودية، ما يثير مخاوف من تحوّلها إلى منطقة عازلة غير معلنة.
وتزداد هذه المخاوف بعد تصريحات وزير المالية الإسرائيلي بتسلئيل سموتريتش، التي تحدّث فيها عن تغيير المعادلات الحدودية وفرض وقائع دائمة بعد الحرب، في وقت لا تزال فيه ملفات التسوية والمفاوضات، إلى جانب الانسحاب وعودة الأهالي وورشة الإعمار، غير محسومة حتى الآن.
وفي ظل هذا المشهد، يبقى الجنوب أمام مرحلة مفتوحة على أكثر من احتمال، بانتظار ما ستؤول إليه مسارات التهدئة والتسويات السياسية المقبلة.











































































