اخبار لبنان
موقع كل يوم -الصدارة نيوز
نشر بتاريخ: ٥ أيلول ٢٠٢٦
كتب حامد الدقدوقي في موقع الصدارة نيوز…
منذ أكثر من عشرين عامًا، كنت قريبًا من سماحة مفتي صور ومنطقتها الشيخ محمد صلاح دالي بلطة، رحمه الله، وأتاحت لي تلك المرحلة أن أتعرّف إلى طيف واسع من رجال الدين والشخصيات العامة، ولا سيما العاملين في الحقل الديني، مؤسساتيًا ودعويًا وحركيًا.
وكانت علاقتي بسماحة رئيس المحكمة الشرعية السنية العليا، الشيخ الدكتور محمد عساف، حفظه الله، من أكثر تلك العلاقات رسوخًا واستمرارًا. فلم تقف عند حدود المعرفة العابرة، بل توثقت مع الأيام، حتى عرفت فيه العالم والقاضي وصاحب المسؤولية. وهو نجل العلّامة المجتهد الشهيد الشيخ أحمد عساف، رحمه الله، لكنه لم يتكئ على إرث بيت العلم الذي نشأ فيه، بل بنى لنفسه مكانة علمية وقضائية مستقلة بما حصّله من علم وخبرة، وما راكمه من عمل وممارسة.
ومنذ توليه رئاسة المحكمة الشرعية السنية العليا، تابعت أداءه عن قرب، وأشهد أمام الله أنني لم أنقل إليه شكوى صاحب حق أو مظلمة مواطن إلا حملها محمل الجد، وتابعها حتى نهايتها، وبذل ما في وسعه لإحقاق الحق وإعطاء كل ذي حق حقه.
وقد ظهرت حقيقة المسؤولية لديه في أشد الأيام قسوة، حين عصفت بلبنان رياح الفوضى والانهيار وتعطلت مؤسسات كثيرة أو تراجع حضورها. يومها ظل القضاء الشرعي قائمًا بواجبه، محافظًا على استمرارية العمل وخدمة الناس.
وأذكر أنني ناقشته يومًا في حق الموظفين في الإضراب، وهو حق مشروع لا يجوز إنكاره، فكان جوابه واضحًا: نحن لا ندير مرفقًا عاديًا يمكن تأجيل خدماته، بل نحن مؤتمنون على حقوق الناس ومصالحهم، والأيتام والأرامل وأصحاب الحقوق لا يستطيعون الانتظار إلى أن تؤدي الدولة إلى الموظفين حقوقهم المشروعة.
كان يميّز بوضوح بين مشروعية مطالب الموظفين وحرمة أن تُترك مصالح الضعفاء معلّقة. ولذلك لم يكن استمرار العمل عنده خيارًا إداريًا فحسب، بل واجبًا أخلاقيًا وشرعيًا تمليه الأمانة التي يحملها.
ومنذ توليه المسؤولية، كان حاضرًا في عمله حضورًا يكاد يكون دائمًا، حتى بدا كأنه لا يعرف للعطلة معنى. وضع استمرار المؤسسة وتطويرها وخدمة المراجعين في مقدمة أولوياته، ولو كان ذلك على حساب وقته الخاص ونصيبه من الراحة وحياته الأسرية والاجتماعية.
وما أكتبه هنا لا يخرج عمله من دائرة المراجعة، فالمسؤول العام لا يكبر على السؤال، والنقد حق أصيل، بل ضرورة لكل من يتولى شؤون الناس. ومن ثمّ، فإن أعمال رئيس المحكمة الشرعية السنية العليا وقراراته وأداءه قابلة للنقاش والتقويم بالحجة والوقائع، شأنه في ذلك شأن كل صاحب مسؤولية.
لكن النقد يُعرف بدليله ولغته وموضوعه. أما حين يغيب الدليل وتحضر الإهانة، ويُترك العمل جانبًا ليُستهدف صاحبه بالتجريح والانتقاص، فنحن لا نكون أمام نقد، بل أمام حملة تتخذ من النقد ستارًا لها.
والاسم المستعار لا يبطل وحده كل قول، لكنه يصبح جزءًا من الحكاية حين يقترن بغياب الحجة والإصرار على التشهير. وفي المشهد مفارقة لا تخفى على من يعرف أصحاب الأقلام من آثارها: فمن طال عهده بالكتابة من وراء الأبواب، لا يصعب عليه أن يطلّ اليوم من وراء اسم مستعار، ولو ارتدى كلامه ثوب الدفاع عن المظلومين ونصرة الطائفة.
والطائفة لا تُنصر بإهانة علمائها، والحقوق لا تُحمى بالتشهير بالقضاة، والقضاء الشرعي ليس مَكْسَرَ عصًا، ولا مقام رئيسه حائطًا قصيرًا يستسهل كل عابر أن يتطاول عليه.
هذه شهادتي في الشيخ الدكتور محمد عساف، أقولها وفاءً لما عرفته منه وما شهدته في عمله، لا طلبًا لرضاه ولا خصومة مع أحد. ومن كان لديه اعتراض على قرار أو أداء، فليأتِ بحجته وليضع اسمه عليها. أما الإساءة المتخفية، فلا تكشف من حقيقة المُساء إليه بقدر ما تكشف من حقيقة صاحبها.











































































