اخبار فلسطين
موقع كل يوم -وكالة عمون الاخبارية
نشر بتاريخ: ٣ تشرين الثاني ٢٠٢٦
حين تعيد دول حلف شمال الأطلسي بناء قدراتها العسكرية، لا يقتصر السؤال على مستقبل الحلف أو مقدار ما ستوفره الولايات المتحدة من نفقات الدفاع عن شركائها. فمن منطقتنا، التي تحملت طويلاً تداعيات التدخلات الخارجية وتنافس القوى الكبرى، يبرز سؤال آخر: هل يؤدي اتساع الاستقلال العسكري لهذه الدول إلى علاقات دولية أكثر توازناً، أم يمنحها أدوات إضافية لفرض مصالحها خارج حدودها؟ فالتحرر من الاعتماد على قوة مهيمنة لا يعني، بالضرورة، التخلي عن ممارسة الهيمنة على الآخرين.
وتكمن المفارقة في أن واشنطن، وهي تدفع حلفاءها إلى تحمّل مسؤوليات أكبر عن أمنهم، قد تسهم في تغيير الأساس الذي منحها نفوذاً استثنائياً داخل الحلف. فالدولة التي تصبح أكثر قدرة على الدفاع عن نفسها، وأقل احتياجاً إلى حماية غيرها، ستعيد النظر في حدود التزاماتها وفي مقدار ما تقبله من تأثير خارجي على قرارها. ومن هنا، فإن إعادة التسليح تفتح نقاشاً حول توزيع السلطة داخل الناتو، وليس حول توزيع النفقات وحدها.
قام الحلف على التزام بالدفاع الجماعي، لكنه استند عملياً إلى تفاوت كبير في القدرات بين الولايات المتحدة ومعظم شركائها. وقد منح التفوق الأميركي واشنطن وزناً استثنائياً في تشكيل بيئته الأمنية وتحديد أولوياته. ولم تكن الدول الأخرى بلا إرادة أو مصالح، لكنها كانت تتخذ قراراتها في ظل حاجة يصعب تعويضها إلى الحماية الأميركية. ولذلك فإن انتقالها إلى قدرة أوسع على حماية نفسها يغيّر أحد الأسس المادية للعلاقة، حتى لو بقيت نصوص المعاهدة ومؤسسات الحلف قائمة.
التحول الأميركي المعلن لا يعني إلغاء الدفاع عن الحلفاء، بل تحميلهم المسؤولية الأساسية عن دفاعهم مع دعم أميركي أكثر محدودية. غير أن لهذا التحول أثراً سياسياً يتجاوز الصياغة العسكرية: عندما تصبح المساندة أقل يقيناً أو أكثر ارتباطاً بحسابات واشنطن المتغيرة، تضطر الدول إلى بناء قدراتها على أساس احتمال غيابها. وعندئذٍ يصبح التسليح استجابة لمطالب الولايات المتحدة، وتأميناً ضد تراجعها في آن واحد.
أرى أن التناقض الأساسي يبدأ هنا. فواشنطن تريد حلفاء قادرين على تخفيف أعبائها، لكن الحليف الذي يمتلك قدرة فعلية على تحمّل تلك الأعباء سيطالب، عاجلاً أو آجلاً، بحق أوسع في تعريف التهديد وتحديد توقيت المواجهة وشروط التسوية. ولا أعتقد أن زيادة المسؤولية العسكرية يمكن أن تبقى طويلاً منفصلة عن إعادة توزيع النفوذ السياسي. فالدولة التي تدفع الكلفة وتتحمّل خطر الحرب لن تقبل بالضرورة أن تُصاغ أولوياتها وفق ترتيب مصالح قوة أخرى.
وتتضح أبعاد هذا التحول عند النظر، على سبيل المثال، إلى ألمانيا وتركيا وكندا، وهي دول أعضاء في الناتو تختلف مواقعها ومصالحها وحجم اعتمادها على الولايات المتحدة. ففي الحالة الألمانية، يطرح توسيع القدرة العسكرية سؤالاً عن إمكان تحويل الثقل الاقتصادي إلى نفوذ أمني وسياسي أوسع في أوروبا.
وفي الحالة التركية، يبرز السؤال عن مدى توظيف بناء القدرات الذاتية لتوسيع هامش القرار والمساومة داخل الحلف، وخدمة أولويات إقليمية لا تتطابق بالضرورة مع أولويات بقية أعضائه. أما كندا، فإن تعميق شراكاتها الدفاعية مع أوروبا يفتح أمامها مجالاً لتنويع خياراتها وتقليل انكشافها على تقلب العلاقة مع واشنطن. وتقدم اليابان حالة مقارنة مهمة؛ فهي ليست عضواً في الناتو، لكنها حليف للولايات المتحدة وشريك للحلف، ويثير تعزيز قدراتها الدفاعية السؤال ذاته: إلى أي حد يمنح تحمّل مسؤولية أكبر عن الأمن الوطني حرية أوسع في اتخاذ القرار؟
ولا تعني هذه الأمثلة أن الدول الأربع تسير نحو غاية واحدة، أو أنها قررت الاستغناء عن تحالفاتها. لكنها تُظهر، في تقديري، أن إعادة التسليح قد تتجاوز سد النقص في القدرات إلى إعادة تحديد شروط العلاقة مع الحليف الأميركي. ولهذا ينبغي التمييز بين امتلاك ترسانة كبيرة وامتلاك قدرة مستقلة على الدفاع. قد تشتري دولة أحدث الأسلحة، وتظل محتاجة إلى غيرها في الذخائر والصيانة والمعلومات والاتصالات والنقل العسكري. وفي هذه الحالة يزيد إنفاقها وقوتها النارية، بينما تبقى حرية استخدامها محدودة بدرجات متفاوتة. أما الاستقلال الدفاعي فيتطلب منظومة تستطيع اتخاذ القرار وتنفيذه وإدامته تحت الضغط، بما يشمل الصناعة والإمداد والاستخبارات والقيادة والقدرة الاقتصادية على تحمّل صراع ممتد. وعندما تتوافر هذه المقومات، يصبح السؤال أكثر إلحاحاً: هل توظف الدولة قوتها الجديدة لتعزيز التزاماتها التحالفية، أم لإعادة التفاوض عليها، أم للتحرك خارجها حين تختلف المصالح؟
في هذا السياق تبرز آلية SAFE، وهي اختصار للاسم الإنكليزي Security Action for Europe، أي «العمل الأمني من أجل أوروبا». إنها أداة تمويل أوروبية لدعم المشتريات الدفاعية المشتركة وتوسيع الإنتاج العسكري، وليست جيشاً أوروبياً أو معاهدة دفاع بديلة عن الناتو. وقد أتاح الاتفاق مع كندا مشاركة شركاتها ومنتجاتها في المشتريات المشمولة بهذه الآلية.
لكن أهمية SAFE السياسية، في تقديري، تتجاوز التمويل. فإذا ساعدت على بناء قاعدة إنتاج قادرة على توفير السلاح والذخيرة واستمرار الإمداد، فإنها تخفّض اعتماد الدول المشاركة على القرارات الصناعية والتصديرية الأميركية. ويغدو السؤال عندئذٍ متعلقاً بمن يستطيع ضمان استمرار القدرة العسكرية في لحظة اختلاف سياسي، وليس فقط بمن يبيع السلاح بسعر أفضل. فحرية القرار تحتاج إلى بدائل عملية، ولا تُبنى بإعلان الرغبة في الاستقلال.
ويحمل التقارب الأوروبي الكندي دلالة مماثلة. فالعمل المعلن على ارتباط أوثق، دون العضوية الكاملة في الاتحاد الأوروبي، يفتح مجالاً لتوسيع الخيارات بين شركاء يجمعهم إطار سياسي وأمني متقارب. ويمكن لهذه العلاقات أن تخفف الإفراط في الاعتماد على أقوى أطراف التحالف، دون أن تستلزم مغادرته أو التحالف مع خصومه. وبذلك يصبح بناء البدائل وسيلة لإعادة التفاوض على شروط العلاقة مع واشنطن.
ومن هنا لا أجد أن ازدياد تسليح أعضاء الناتو يقود بالضرورة إلى ازدياد صلابته السياسية. قد تتحسن قدرته على القتال، بينما تتراجع وحدة أعضائه بشأن أسباب القتال وحدوده. فالسلاح يوفّر إمكانية الفعل، لكنه لا يصنع وحده اتفاقاً على المصالح. وإذا كانت الحاجة إلى الحماية الأميركية قد ساعدت سابقاً على احتواء بعض الخلافات، فإن انخفاض هذه الحاجة قد يسمح بظهورها بصورة أكثر وضوحاً.
وأذهب إلى أن اكتمال قدرة عدد من أعضاء الحلف على الدفاع عن أنفسهم، منفردين أو ضمن ترتيبات أوروبية مشتركة، سيضع الناتو أمام اختبار مختلف: عليه أن يثبت أن العمل من خلاله يضيف أمناً وتأثيراً يتجاوزان ما تستطيع تلك الدول تحقيقه خارجه. فالتحالف الذي يستند إلى الحاجة إلى طرف مهيمن يختلف عن تحالف تختاره دول تملك بدائل ذات صدقية. وقد يبقى الناتو في الحالتين، لكن شروط بقائه وطريقة اتخاذ القرار فيه لن تكونا بالضرورة واحدة.
مع ذلك، لا يعني تراجع الاعتماد على واشنطن زوال الحاجة إلى الدفاع الجماعي. فأوروبا ليست دولة واحدة ذات تقدير موحد للأخطار؛ وتختلف أولويات دولها بحسب الجغرافيا والتاريخ والمصالح. كما أن بناء استقلال تقليدي واسع لا يحسم تلقائياً مسائل الردع النووي والإنذار المبكر والقدرات الاستراتيجية. وهذه عوامل تمنح استمرار الناتو قيمة فعلية، وتفسّر لماذا قد تختار دول أكثر استقلالاً البقاء فيه.
لكنني لا أرى في هذه العوامل ضمانة دائمة لصلابة الحلف. فالاختبار الحاسم يقع حين يختلف الأعضاء حول حرب محتملة: هل يتفقون على أنها تهدد أمنهم جميعاً؟ وهل يثقون بأن توزيع مخاطرها وتكاليفها عادل؟ وهل يملكون تأثيراً متناسباً في القرار؟ إذا ضعفت الإجابات، فلن تكفي الترسانات المتنامية ولا البيانات المشتركة لإنتاج إرادة موحدة.
وقد يكون التآكل التدريجي أكثر احتمالاً من الانهيار المفاجئ. يمكن أن تبقى المعاهدة والقيادات والاجتماعات، بينما تنتقل القرارات الأهم إلى تفاهمات ثنائية وتكتلات أصغر. وعندئذٍ تصبح المؤسسات المشتركة أقل قدرة على ضبط اختلاف المصالح، وتتحول بعض القدرات الوطنية من مساهمة في الحلف إلى احتياط لمواجهة إخفاقه. ولا يحتاج هذا التحول إلى إعلان انسحاب كي يؤثر في صدقية الردع.
أما بالنسبة إلى منطقتنا، فإن أثر الاستقلال الدفاعي المتنامي لدول الناتو يستحق قراءة تتجاوز الخشية من تعدد مراكز الهيمنة. فالدول الأعضاء ليست كتلة سياسية متطابقة، وقد اتخذت دول تجمع بين عضوية الاتحاد الأوروبي والناتو، مثل إسبانيا وفرنسا والبرتغال وسلوفينيا، مواقف داعمة لحق الفلسطينيين في تقرير مصيرهم وإقامة دولتهم ضمن حل الدولتين، شملت الاعتراف بدولة فلسطين. كما دفعت إسبانيا وسلوفينيا نحو إجراءات تتعلق بمراجعة العلاقة الأوروبية مع إسرائيل وفرض عقوبات على المستوطنين المتورطين في العنف. وهذه المواقف تكشف وجود إرادة سياسية يمكن البناء عليها، دون افتراض تساوي تلك الدول في استعدادها لتحمّل كلفة تنفيذها.
وأرى أن اتساع استقلال هذه الدول في الدفاع قد يمنحها مستقبلاً هامشاً أكبر لتحويل مواقفها إلى سياسات مؤثرة، إذا خفّض خشيتها من كلفة الاختلاف مع واشنطن. فالمقصود ليس توظيف السلاح الأوروبي في مواجهة عسكرية مع إسرائيل، وإنما تقليل قدرة الاعتماد الأمني على تقييد القرار الدبلوماسي والاقتصادي. وعندئذٍ قد تصبح هذه الدول أكثر استعداداً للضغط من أجل وقف الاعتداءات الإسرائيلية على الشعب الفلسطيني، ومواجهة الاستيطان والضم والتهجير، وحماية المقومات الفعلية للدولة الفلسطينية. غير أن التسليح لا يُنتج هذه الإرادة تلقائياً؛ فالمواقف الداعمة للحقوق الفلسطينية ظهرت بالفعل قبل اكتمال الاستقلال الدفاعي، وما قد يضيفه هذا الاستقلال هو قدرة أكبر على الثبات عليها وتحمّل تبعاتها.
ولهذا فإن معيارنا ينبغي أن يكون مدى ترجمة الاستقلال الأوروبي إلى احترام استقلال الآخرين وحقوقهم. فلا تكفي زيادة الاعترافات إذا استمر تقويض الأرض والمؤسسات والمجتمع التي ستقوم عليها الدولة الفلسطينية. والمصلحة العربية تقتضي البناء على هذه المواقف بشراكات ومبادرات محددة، تساعد على تحويل التأييد السياسي إلى حماية للحقوق ومساءلة عن انتهاكها. وفي تقديري، ستكون القضية الفلسطينية أحد الاختبارات الكاشفة لمعنى الاستقلال الذي تسعى إليه هذه الدول: هل يتيح لها الدفاع عن القانون الدولي حين يصطدم بمصالح حلفائها، أم يبقى هامشاً أوسع لإدارة مصالحها وحدها؟
أما المسار الأكثر استقراراً للحلف، فيتطلب قبول الولايات المتحدة بأن تحمّل الحلفاء مسؤوليات أكبر سيمنحهم نفوذاً أكبر، ويزيد قدرتهم على رفض بعض خياراتها. كما يتطلب من الأوروبيين وكندا تحويل الإنفاق إلى قدرات متكاملة، وتحويل الحديث عن الاستقلال إلى استعداد لتحمّل كلفته السياسية والاقتصادية. عندها يمكن أن يتجدد الناتو على أساس مشاركة أوسع، بدلاً من أن يبقى أسير توزيع قديم للنفوذ لم تعد القدرات الجديدة تبرره.
إنني أرى أن مستقبل الناتو سيُحسم حين يصبح أعضاؤه قادرين فعلاً على الاختيار: هل يجدون فيه إطاراً يحترم مصالحهم ويضاعف أمنهم، أم قيداً على قرارات باتوا قادرين على اتخاذها بأنفسهم؟ أما مستقبل علاقتنا بهم، فلا ينبغي أن يبقى رهناً بإجابتهم وحدها. قد تتراجع مركزية واشنطن وتتعدد مراكز القوة، لكن تحرر منطقتنا من الهيمنة يتوقف أيضاً على قدرتها على بناء أسباب استقلالها، لا على انتظار استقلال الآخرين عن الولايات المتحدة.

























































