اخبار سوريا
موقع كل يوم -درج
نشر بتاريخ: ٥ تشرين الأول ٢٠٢٦
تتلخص حاجة دمشق، إذاً، في إغلاق الحدود أمام عمليات التهريب، وبخاصة تهريب الأسلحة والمخدرات، وتفكيك خلايا 'حزب الله' في الجنوب، وتفادي فتح جبهة ثانية مع الحزب، فيما تواجه ضغوطاً إسرائيلية متزايدة، إلى جانب مأزق ملف إعادة الإعمار
كشف تقرير حصري لوكالة 'رويترز'، بتاريخ الأول من تشرين الأول/ أكتوبر 2026، استناداً إلى ستة مصادر متقاطعة الولاءات (مسؤولَين سوريَّين، ومسؤول أميركي، ومصدر أمني لبناني كبير مقرّب من حزب الله)، أن ممثلين عن الحكومة السورية و'حزب الله' التقوا سراً في تركيا خلال أيلول/ سبتمبر 2026، بدعوة من أجهزة الأمن والمخابرات التركية، في أول اجتماع مباشر معروف بين الجانبين.
نتج من اللقاء، وفقاً لـ'رويترز'، ترتيبات أمنية محدَّدة، فمن جهة تتعهّد دمشق بعدم التدخل عسكرياً في لبنان تلبيةً للمطالب الأميركية للمساهمة في نزع سلاح الحزب باستخدام القوة العسكرية، ومن الجهة الثانية يتعهّد الحزب بعدم التدخل في الشأن السوري، مع مطالبة سورية بوقف التهريب وتفكيك الخلايا النائمة، خصوصاً في جنوب سوريا.
لكن اللافت كان سرعة النفي الرسمي للقاء، فخلال ساعات من نشر التقرير، سارعت دائرة الاتصال في الرئاسة التركية إلى نفيه بعبارات قاطعة، وصفت فيها الادعاءات بأنها 'مختلقة ومحض تكهنات بالكامل'. كما نفته الحكومة السورية عبر حساب باللغة الإنكليزية، قائلة إنها 'ادعاءات غير صحيحة' وعلى لسان شخصيات مقربة من السلطة أو جزء منها، فيما اكتفى 'حزب الله' بالصمت رافضاً التعليق بدلاً من النفي، ما يفتح الباب أمام التكهّنات بوجود تواصل فعلي، ويضع النفي التركي والسوري في خانة الحاجة إلى الإنكار الفوري لأسباب سياسية واقتصادية مختلفة، لعلّ من أهمها الخوف من عودة العقوبات الأميركية.
بينما لا مصلحة مباشرة للحزب في النفي من عدمه، لكونه ببساطة فصيلاً مسلحاً لا يحمل مسؤوليات رسمية ولا يتحمل تبعات اقتصادية ودبلوماسية، ليتحول عدم النفي من جهته إلى سبب للتشكيك في الموقفين التركي والسوري.
تلميحات قبل اللقاء
تقرير 'رويترز' لم يسقط من السماء فجأة، بل سبقه إعلان وزير الخارجية السوري أسعد الشيباني، في مطلع تموز/ يوليو الماضي خلال زيارته الرسمية إلى لبنان، انفتاح دمشق على لقاء 'حزب الله'، تلاه ردّ الأمين العام للحزب الشيخ نعيم قاسم في الرابع من آب/ أغسطس، إذ قال: 'لا مانع من اللقاء بين حزب الله والقيادة السورية، في الوقت المناسب وبتقدير الطرفين'. وهذه التصريحات العلنية المتبادلة في فترة زمنية متقاربة، لا تتناقض مع التسريبات حول عقد لقاءٍ سري.
جاء الخبر عن اللقاء في ظل رفض الحكومة السورية تلبية مطالب الرئيس الأميركي دونالد ترامب المتكرّرة لدخول الحرب ضد 'حزب الله'، والتي تكثّفت تحديداً منذ شهر آذار/ مارس 2026 حتى تموز/ يوليو، بخاصة مع ظهور محطات عدة كانت بمثابة فرص لا تعوّض بالنسبة إلى دمشق، حيث كانت الظروف الميدانية مهيأة لشن مواجهة عسكرية ضد الحزب، فاكتفت الحكومة السورية بدعم نظيرتها اللبنانية سياسياً وتأييد مسعاها لحصر السلاح بيد الدولة، مع مطالبتها بتعزيز الأمن على الحدود السورية-اللبنانية.
ومن الجائز أن تكون الأحداث الأمنية في جنوب سوريا سبباً لتسريع اللقاء بين الجانبين بهدف التوصل إلى تفاهمات أولية تؤجل أو تمنع نشوب مواجهة مباشرة ليس من مصلحة الطرفين الانزلاق إليها، سواء بسبب التوغل والقصف المدفعي الإسرائيلي في ريفي درعا والقنيطرة وإصرار إسرائيل على عدم الانسحاب من الأراضي السورية، أو بسبب تحركات خلايا يشتبه بارتباطها بـ'حزب الله'.
قبل يومين من تقرير 'رويترز'، أعلنت وزارة الداخلية السورية اعتقال خلية مرتبطة بالحزب في حوض اليرموك بريف درعا الغربي زُعِم أنها كانت تجهّز منصات إطلاق صواريخ، وسبقها اعتقال خلية في بلدتي سعسع وكناكر بريف دمشق الغربي في أيلول/ سبتمبر الماضي، إلى جانب سلسلة من العمليات الأمنية التي زُعِم أنها استهدفت خلايا مرتبطة بالحزب في الأشهر الماضية، كانت أكبرها في أيار/ مايو، وشملت خمس محافظات بشكل متزامن، والتي نفاها الحزب جميعها.
هذا الاتهام من الجانب السوري ثم نفي حزب الله، تكرر منذ سقوط نظام الأسد. فقد أعلنت وزارة الداخلية السورية توقيف عشرات الخلايا واتهمتها بالعمل مع حزب الله، فيما سارع الحزب إلى نفي علاقته بها، مؤكداً عدم وجوده في سوريا، في مشهد بات روتينياً في سياق العلاقة بين الطرفين.
وما هي أسباب النفي؟
إذا افترضنا أن الأسباب المذكورة أعلاه للتشكيك في رواية النفي الرسمية السورية صحيحة جزئياً، فإن وراء النفي أسباباً أخرى، لعلّ أولها الشرعية الدولية التي بنتها الحكومة الجديدة في دمشق، والمستمدّة بشكل أساسي من القطيعة التامة مع المحور الإيراني. فالعقوبات الأميركية على سوريا تُرفَع تدريجياً، بدءاً من الأمر التنفيذي رقم 14312 في حزيران/ يونيو 2025، مروراً بإلغاء قانون قيصر نهائياً في المادة رقم 8369 من قانون تفويض الدفاع الوطني الأميركي في كانون الأول/ ديسمبر 2025، وصولاً إلى إلغاء تصنيف سوريا في قائمة الدول الراعية للإرهاب بعد 47 عاماً، وإنهاء العزلة المالية والقيود المتبقية في آب/أغسطس 2026.
رفع العقوبات الأميركية عن سوريا لا يمكن أن يكون بلا ثمن، و'حزب الله' مصنّف على لائحة الإرهاب الأميركية. الاعتراف العلني بلقاء مسؤولين من الحزب سيعرّض العلاقات الدبلوماسية الجديدة بين دمشق وواشنطن للخطر، ومن شأنه أن يؤدي إلى إعادة تفعيل العقوبات بعد إعادة التقييم. وفي المحصلة، فإن السبب الأول للنفي السوري الرسمي ليس بدافع الخصومة الفعلية مع 'حزب الله'، بل بدافع حماية العلاقات الدبلوماسية للنظام الجديد في دمشق. فاللقاء سواء عُقِد حقاً أم لم يُعقَد، يظل صدور النفي أمراً حتمياً.
السبب الثاني هو مخاوف دمشق من تصعيدٍ إسرائيلي في جنوب سوريا، فيما يفتقر الجيش السوري الجديد إلى القدرات العسكرية المطلوبة للمواجهة، لا سيما بعد تأكيد إسرائيل نياتها العدوانية بقصفها قاعدة أبو الظهور بريف إدلب الشرقي في آب/ أغسطس الماضي بذريعة الانتشار التركي فيها؛ الأمر الذي يضاف إلى تقارير سابقة عن قصفٍ لثلاثة مواقع سرية في وسط سوريا كان من المفترض أن تتحوّل إلى قواعد جوية تركية في آذار/ مارس 2025 (راجع/ي مقال تركيا وإسرائيل: حربٌ باردة في مشرق ملتهب)، إذ إن تواصل الحكومة السورية مع الحزب يغذي سردية إسرائيل التي تسوّغ بقاءها في 'المنطقة الأمنية' التي استحدثتها في مناطق عدة من القنيطرة ودرعا، وصولاً إلى السيطرة على قمم جبل الشيخ الاستراتيجية بعد توسيعها المنطقة العازلة في الجولان.
ولهذا السبب، يدأب الرئيس السوري الانتقالي أحمد الشرع على بذل جهود دبلوماسية على مستويين: الأول محاولة التوصل إلى اتفاقٍ أمني جديد مع إسرائيل يضمن انسحابها جزئياً أو كلياً من المناطق التي سيطرت عليها حديثاً، والثاني تجنب الانجرار إلى مواجهة مباشرة مع 'حزب الله' لما في ذلك من تبعات محلية وإقليمية، بما في ذلك احتمال اشتعال جبهة شرق سوريا على الحدود العراقية ودخول المنطقة في فوضى عارمة لا رابحَ حقيقيٌّ فيها سوى إسرائيل.
أما السبب الثالث فهو داخلي، يتعلق بمصداقية الحكومة في دمشق أمام الرأي العام السوري، بخاصة أنها تفتقر إلى التأييد الشعبي الكامل في ظل الانفلات الأمني والجرائم المتنقلة وشبه اليومية من قتل وخطف واعتداء على الممتلكات بحق المواطنين العلويين في مناطق الساحل وحمص وحماة، وتفاقم الكراهية مع الدروز في السويداء بعد مجازر عام 2025، إلى جانب الخوف من توتر العلاقة مجدداً مع الأكراد على الرغم من حل ميليشيا 'قسد' واندماجها الكامل في الجيش السوري الجديد والاعتراف الرسمي بالحقوق الكردية.
فإذا أعلنت الحكومة الجديدة تعاونها مع 'حزب الله'، فإنها ستعرّض مصداقيتها للاهتزاز لدى حاضنتها الشعبية ذات الغالبية السنية، والتي تعرّضت لانتهاكات جسيمة من عناصر الحزب، بخاصة في مناطق القصير والقلمون وريف دمشق وحلب والزبداني، ولا تزال تحمل ضغينة تجاه الحزب إلى درجة التنكيل بمأساة أهل جنوب لبنان على مواقع التواصل الاجتماعي، على رغم أنهم ضحايا أمر واقع لم يريدوه حقاً، حتى وإن برره البعض منهم. يُضاف إلى ذلك أن شبكات التهريب والكبتاغون عبر الحدود اللبنانية، والتي تُضبَط بشكلٍ دوري، مرتبطة بنحو أو بآخر بنفوذ الحزب أو المجموعات المتصلة به، والتي تحظى بحمايته السياسية أو الأمنية أو كلتيهما.




































































