اخبار السعودية
موقع كل يوم -جريدة الرياض
نشر بتاريخ: ٤ تشرين الأول ٢٠٢٦
د. بدر بن سعود
الركض وراء الشباب البيولوجي ليس إلا قفزًا في الفراغ، لأن تجديد الشباب مبرمج طبيعيًا داخل الجسد البشري، ويمكن أن ينشط تلقائيًا وبكفاءة عالية من خلال ممارسات سهلة، كالصيام المتقطع المنضبط، الذي يحفز عملية الالتهام الذاتي، فظاهرة إطالة العمر البيولوجي لا تمثل مسارًا علميًا حقيقيًا، بل مجرد تجارة تستثمر في رغبات أصحاب الأموال، أو من يحاولون التميز عن غيرهم..
نقلت صحيفة 'نيويوك تايمز' الأميركية، في عددها المنشور يوم 30 يوليو 2026، اعترافات صادمة للملياردير الأميركي برايان جونسون، أعلن فيها عن تراجعه وتشكيكه في برنامجه المعروف باسم 'بلوبرينت'، وكلامه السابق جاء بعد تشخيصه بمرض مناعي نادر، يحفز المعدة على أكل نفسها، ويظهر أنه لم يستفد من إنفااق 10 ملايين دولار في الخمسة أعوام الماضية، وبمعدل مليوني دولار سنويا، في محاولة لتأخير وصول جسده لمرحلة الشيخوخة، وربما نجح نسبياً، بالنظر الى ان عمره البيولوجي يقدر بـ37 عاما، في حين أن عمره الحقيقي هو 48 عاما، وجسد برايان يشيخ بمعدل 0,69 سنوياً، أو بما يعادل ثمانية أشهر لكل عام، ولعل هوسه يعيد الى الذاكرة عقدة الملك المصري بيبي الثاني، وتغطيته لأجساد خدامه بالعسل، حتى يحمي بشرته من التعرض للذباب ولدغات الحشرات وإزعاجها، في سلوك مشابه لما قام به جونسون، عندما نقل بلازما ابنه المراهق إليه، محولا جسده الصغير الى مستودع بيولوجي يبعد عنه خلايا الشيخوخة.. وانتكاسة برايان الطبية لم تمنع بلوبرينت من إقامة إمبراطورية تجارية برأسمال ضخم قيمته 60 مليون دولار، ومن تسويق عبوات زيت زيتون بقيمة 35 دولارا للعبوة، وبأرباح سنوية تصل الى 25 مليون دولار، ومن تأسيس برنامج إيمورتالز في فبراير 2026، لمن يرغب في محاكاة تجربة برايان، مقابل مليون دولار سنوياً، والبرنامج حصل على 1500 طلب شراء في ساعاته الأولى.
الأصعب ان طالبي الشباب الدائم موجودون في المجتمع السعودي، فقد أكدت دراسة سعودية نشرتها مجلة هيلث كير السويسرية الدولية عام 2025، أن 51,4% من المهتمين بأبحاث إطالة العمر في المملكة، هم مراهقون وشباب تتراوح أعمارهم ما بين 18 و25 عاماً، ووصول الهوس إليهم في هذه السن الصغيرة يعني أن هناك ماكينة استغلال تجاري عالمية ومحلية تستثمر في خوف الناس من الموت، وتحوله من تشخيص طبي الى تجارة استهلاكية، والمسألة ليست جديدة فقد كانت حاضرة أيام الملك البابلي جلجامش، في عام 2500 قبل الميلاد، وهو حاول الوصول الى إكسير الحياة الأبدية، ولكنه عمره انقضى دون ان يجده.
اللافت والمقلق معا، أن القيمة العالمية لهذه السوق قدرها 29 مليار دولار، استنادا لما نشرته شبكة بزنس واير الاقتصادية، في يونيو 2024، والمفروض ان تأخذ هذه الاستثمارات المرتفعة بما تعمل عليه مؤسسة هيفولوشن السعودية، والتي تدعم أبحاث إطالة العمر الصحي للإنسان بميزانية سنوية قيمتها مليار دولار، وذلك عن طريق معالجة أمراض الشيخوخة المعروفة في وقت مبكر، وهيئة الغذاء والدواء الأميركية ترفض الاعتراف بالشيخوخة كمرض يمكن علاجه، ما يعني ان كل عمليات التعديل الجيني، تدخل في خانة الممارسات غير القانونية من الناحية الطبية، ولا يغير في ذلك اعتقاد أصحاب الثروات أن ثرواتهم تعطيهم الحق في مخالفة النظام، وفي احتكار الشباب وتأجيل الموت الفيزيائي.
الإنفاق المليوني الضخم على برامج إطالة العمر لا يمنح أصحاب الأموال إلا زيادة بيولوجية بسيطة تتأرجح ما بين صفر وأربعة أعوام، مقارنة بعامة الناس ممن يتبعون نظاما حياتيا عاديا، واستنادا لدراسة نشرها البروفيسور أولشانسكي عام 2024 في 'مجلة نايتشر إيجينغ'، فقد ثبت بالدليل العلمي ان الجسد محكوم بساعة جينية، تفرض سقفا حتميا للموت، لا يمكن لدفاتر الشيكات تجاوزه، ومن الأمثلة، الملياردير الأميركي ديفيد روكفلر، الذي سخر ثروته لتمديد حياته، ورحل عام 2017 وعمره 101، وهو نفس العمر الذي يصل اليه الأشخاص العاديون في الأماكن الزرقاء، كأوكيناوا اليابانية، بالاعتماد على نمط غذائي وحركي بسيط، والسابق يؤكد أن البابوهاكينغ، والركض الاستعراضي للأثرياء على السوشال ميديا مجرد تجارة تبيع الوهم للناس، ولا تمنحهم تفوقا بيولوجيا أمام حتمية الموت.
الركض وراء الشباب البيولوجي تحول الى ظاهرة طبقية تقودها عيادات للنخبة، اشتراكاتها السنوية تبدأ من 50 ألفا وتصل الى 150 ألف دولار للشخص الواحد، وهذا يجعل تقنيات تجريبية من نوع الأكسجين عالي الضغط، والخلايا الجذعية، امتيازا حصريا لأصحاب الأموال، وأكدت دراسة نشرتها مجلة 'ذا لانست' البريطانية عام 2023 أن ما سبق ليس الا قفزا في الفراغ، لأن تجديد الشباب مبرمج طبيعيا داخل الجسد البشري، ويمكن ان ينشط تلقائيا وبكفاءة عالية من خلال ممارسات سهلة، كالصيام المتقطع المنضبط، الذي يحفز عملية الالتهام الذاتي، لتطهير الخلايا من السموم، ولحمايتها من الشيخوخة البيولوجية، وهذا يكشف أن ظاهرة إطالة العمر البيولوجي لا تمثل مسارا علميا حقيقيا، وأنها مجرد تجارة تستثمر في رغبات أصحاب الأموال، أو من يحاولون التميز عن غيرهم.
هيئة التجارة الفيدرالية الأميركية، قامت في نوفمبر 2024، بملاحقة منصات القرصنة الحيوية، لأنها كانت تروج لحقن ومكملات مغشوشة لتمديد العمر، ما يفسر غياب عيادات البايوهاكينغ في المملكة، وفرض رقابة على أنشطتها، في الوقت الحالي، لحماية المستهلكين من المتاجرين بالأوهام البيولوجية، والأنسب، في رأيي، هو الاستثمار في أبحاث علاج الأمراض المزمنة، لأنها ستعمل على إطالة أعمار أصحابها، فإنقاذ مريض سكري واحد، أو تأجيل ضمور خلايا مريض الزهايمر بالأدوية المعتمدة، يعطي البشرية عافية حقيقية، لا تشتريها مختبرات أصحاب الثروات، ولكنها تصنع بالخيارات المتوازنة، التي تضمن سقف أعمار أطول، لمن يحتاجونه كضرورة وليس للوجاهة والاستعراض، فتأخير الشيخوخة متاح لكل أحد، ووفق معادلة تقوم على النوم المنضبط لسبع ساعات، وعلى تحفيز الالتهام الذاتي بالصيام، وعلى المشي اليومي السريع لمدة 30 دقيقة، لا أكثر.










































