اخبار لبنان
موقع كل يوم -المرده
نشر بتاريخ: ٦ تشرين الثاني ٢٠٢٦
كتب ناصر قنديل في البناء
تأتي زيارة أمين المجلس الأعلى للأمن القومي الإيراني محسن رضائي إلى موسكو، ولقاؤه الرئيس فلاديمير بوتين حاملاً رسالة من المرشد مجتبى خامنئي، لتضع التغيير الأميركي أمام اختبار استراتيجي يتجاوز خسارة ترامب الأكثرية في الكونغرس. فالمباحثات التي تناولت ترتيبات ما بعد الحرب ومشاريع الغاز والنقل تكشف اتجاهاً إلى تثبيت المصالح الروسية الإيرانية في لحظة تتراجع فيها قدرة الرئيس الأميركي على إغراء موسكو بصفقة منفصلة عن شريكيها الإيراني والصيني. ومع صعود أكثرية ديمقراطية أشد عداءً لروسيا، تصبح وعود ترامب أقل قدرة على ضمان مكاسب مستدامة لبوتين، ويرتفع في المقابل وزن الشراكة مع طهران وبكين. هنا تفتح الانتخابات الأميركية فرصة لإعادة تماسك التقارب الثلاثي، وتحويل تراجع المبادرة الأميركية إلى مكاسب استراتيجية مشتركة، بعدما راهنت واشنطن على استدراج أطرافه إلى مكاسب منفردة تدفع ثمنها من قوة اجتماعها.
تدرك موسكو طبيعة الأكثرية الديمقراطية المقبلة. وقد عبّر نائب وزير الخارجية الروسي سيرغي ريابكوف عن ذلك بوصف موقف قيادة الحزب الديمقراطي من روسيا بأنه سلبي بصورة حادة. ويتصل هذا التقدير بتاريخ من الخلاف حول أوكرانيا والعقوبات والأمن الأوروبي، وبموقف ديمقراطي يرى في التساهل مع موسكو خطراً على موقع الولايات المتحدة وتحالفاتها. لذلك تنظر روسيا إلى النتيجة بوصفها زيادة في العقبات أمام أي تفاهم مع ترامب، وفتحاً لاحتمال استمرار هذه العقبات في المرحلة التي تعقب رئاسته أيضاً.
وتظهر الآثار العملية في ملفات المساعدات لأوكرانيا والعقوبات والوجود العسكري الأميركي في أوروبا. فقد عرضت «فورين بوليسي» كيف تتيح السيطرة الديمقراطية على لجان الإنفاق والرقابة الضغط على خيارات الإدارة، ومنها تخفيف العقوبات عن روسيا وتقليص الالتزام تجاه كييف. ويعني ذلك أن ما قد يعرضه ترامب على بوتين سيواجه سلطة تشريعية تملك أدوات لمساءلته وعرقلة تمويله وتقييد استمراره.
تتراجع هنا قيمة الإغراء الأميركي بمسار روسي منفصل. فالصفقة التي تستدعي من موسكو تعديل علاقاتها الاستراتيجية تحتاج إلى مقابل ثابت، يتجاوز عمر الرئيس الذي يقترحها. وإذا كانت واشنطن منقسمة على الصفقة، وكان الحزب الصاعد يرفض مضمونها، تصبح المكاسب المحتملة محاطة بمخاطر التراجع عنها بعد الحصول على التنازلات الروسية. عندها يرتفع ثمن الابتعاد عن الشركاء، وتنخفض قيمة التعويض الذي يستطيع ترامب تقديمه.
من هذه الزاوية يمكن لطهران وبكين قراءة التغيير الأميركي باعتباره فرصة لتراجع القلق من تحييد موسكو عنهما. فقد أثبت صمود إيران أن مقاومة الضغط الأميركي تستطيع إنتاج أثر داخل المجتمع الأميركي نفسه، وصولاً إلى تحويل الحرب إلى عبء انتخابي تعترف به قيادة الإدارة. ويمنح ذلك الشراكة مع إيران قيمة إضافية في الحساب الروسي، طرف قادر على الصمود وفرض كلفة على خصمه يوسّع هامش شركائه، ويحدّ من قدرة واشنطن على الانتقال من ساحة إلى أخرى لتطويقهم تباعاً.
وتتقدم الصين في المعادلة نفسها بوصفها شريكاً يمتلك ثقلاً اقتصادياً وسياسياً يسمح بتحويل تراجع المبادرة الأميركية إلى فرص تعاون ممتدة. ويصبح الحافز الروسي للتمسك بالعلاقة مع بكين وطهران أقوى كلما تقلصت موثوقية الوعود الأميركية. فتماسك الشراكة يمنح الأطراف الثلاثة قدرة على التفاوض من مواقع متساندة، ويمنع واشنطن من استخدام تسوية في أوكرانيا لعزل إيران، أو تفاهم مع طهران لإضعاف موسكو، أو اتفاق تجاري مع الصين لتضييق المجال على شريكيها.
ولا يحتاج هذا الخيار إلى إغلاق قنوات التفاوض مع الولايات المتحدة. فاستمرار الاتصالات الروسية الأميركية يمكن أن يخدم المصالح الروسية عندما يستند إلى قوة الشراكات القائمة. والفارق الاستراتيجي يكمن في أن تدخل موسكو التفاوض وهي تطلب مكاسب تعزّز موقعها وموقع شركائها، بدلاً من قبول مكاسب مؤقتة تدفع ثمنها من تماسك علاقاتها.
هنا تقع الفرصة التي تفتحها الانتخابات عبر تحويل التراجع الأميركي إلى مكاسب مشتركة تتصل بالأمن والطاقة والتجارة وممرات النقل وضمانات التسويات. وهذه مكاسب يمكن تثبيتها بتعاون الأطراف الثلاثة، بينما يسهل على واشنطن استرداد التنازلات التي تمنحها لكل طرف منفرداً. ولذلك قد تنتهي خسارة ترامب إلى نتيجة أوسع من تقييد سياسته بتضييق قدرته على تفكيك التقارب الروسي الإيراني الصيني، وإعادة الحافز إلى تعميقه في لحظة تحتاج فيها واشنطن إلى تسويات أكثر مما تستطيع فرض شروطها.











































































