اخبار لبنان
موقع كل يوم -الصدارة نيوز
نشر بتاريخ: ٦ أيلول ٢٠٢٦
كتب حامد الدقدوقي في موقع الصدارة نيوز…
لم تعد القضية مجرّد ضبط مستودع يحتوي على معدات وأدوية طبية مخالفة، بل تحوّلت إلى فضيحة تطرح علامات استفهام خطيرة حول آليات الرقابة على القطاع الصحي، وخصوصًا المستشفيات الحكومية، وحول المسؤوليات الإدارية والرقابية التي يفترض أن تحمي حياة المرضى من الفاسدين.
فبحسب ما أعلنته المديرية العامة لأمن الدولة منذ أيام، تم الكشف عن نشاط يتعلق بإعادة بيع معدات وأدوية طبية مستعملة ومنتهية الصلاحية، بعد تنظيفها وإعادة توضيبها، مع شبهات تتعلق بالتلاعب بتاريخ الصلاحية وبلد المنشأ، تمهيدًا لإعادة طرحها في السوق الصحي.
وقد أسفرت العملية، وفق المعطيات المعلنة يومها، عن توقيف 12 شخصًا من الشركة، بينهم صاحبها، إضافة إلى مراقب صحي من وزارة الصحة العامة، فيما جرى ختم مستودعات الشركة في شننعير بالشمع الأحمر، وأحيل الملف مع الموقوفين والمضبوطات إلى النيابة العامة المالية.
ومن أكثر الأسئلة إلحاحًا في هذه القضية من هو المستشفى الحكومي الذي ورد ذكره في التحقيقات، وما طبيعة دوره في هذه العملية؟
فإذا كانت التحقيقات قد أشارت إلى مستشفى حكومي كان له دور في تنظيف المعدات وإعادة توضيبها، فإن إبقاء اسم المؤسسة بعيدًا عن التداول يطرح علامات استفهام مشروعة حول أسباب عدم كشف التفاصيل كاملة للرأي العام، خصوصًا أن القضية تمس سلامة المرضى وثقة اللبنانيين بالمستشفيات الحكومية.
وبطبيعة الحال، فإن كشف الاسم يجب أن يتم ضمن الأصول القانونية وبعد تثبيت الوقائع، لكن في المقابل، فإن أي تأخير غير مبرر في تحديد المؤسسات أو الأقسام أو المسؤولين المعنيين قد يثير مخاوف من احتمال العبث بالأدلة أو إخراج ما تبقى من معدات من التداول.
وقد تداولت معلومات وشهادات غير رسمية عن مشاهدة حقائب ومعدات تخرج من غرف العمليات في إحدى المستشفيات الحكومية، وهي معلومات تحتاج إلى تحقيق رسمي مستقل للتثبت من صحتها، ولا يجوز التعامل معها كوقائع ثابتة قبل التحقق منها.
فالقضية تفتح أيضًا ملفًا أوسع يتعلق بطريقة إدارة المستشفيات الحكومية في لبنان. فكل مؤسسة صحية حكومية يفترض أن تخضع لسلسلة من المسؤوليات الإدارية والطبية والمالية، من المدير ومجلس الإدارة إلى رؤساء الأقسام والأجهزة الرقابية والوزارة الوصية.
ومن هنا تبرز أسئلة لا بد من الإجابة عنها، أين كانت الإدارة؟، الرقابة الطبية؟، الرقابة الإدارية والمالية؟ وكيف مرّت هذه المواد، إن صحّت الوقائع، من دون اكتشافها؟
وفي سياق متصل، هناك معلومات متداولة وأحاديث جرى تناقلها عقب كشف الفضيحة وانتشار خبر توقيف صاحب الشركة نفسه، مفادها أن الأخير كان يزور بعض المستشفيات الحكومية، حيث يُقال إنه كان يجتمع مع رئيس قسم المحاسبة لإجراء الحسابات وتسوية المستحقات وقبض قيمة الفواتير داخل المكتب.
وتطرح هذه المعطيات علامات استفهام حول آلية إجراء هذه العمليات، ولا سيما أن الشركات المماثلة ومقدمي الخدمات عادةً ما تُنجز معاملاتهم المالية والمحاسبية عبر شباك الصندوق، وفق الآليات المعتمدة داخل المؤسسات.
واللافت أن هذه الممارسة، بحسب ما يتم تداوله، كانت لا تزال قائمة قبل فترة وجيزة من توقيف صاحب الشركة، الأمر الذي يثير تساؤلات إضافية حول طبيعة الإجراءات المتبعة ومدى توافقها مع الأنظمة المالية والإدارية المعمول بها في المستشفيات الحكومية.
وإذا أظهرت التحقيقات وجود تقصير أو تغاضٍ أو تواطؤ داخل أي مؤسسة، فإن المسؤولية لا ينبغي أن تتوقف عند الأشخاص الذين جرى توقيفهم، بل يجب أن تمتد إلى كل من يثبت التحقيق علمه بالمخالفات أو تقصيره في منعها، كلٌّ بحسب مسؤوليته القانونية والإدارية.
أما توقيف مراقب صحي من وزارة الصحة، بحسب ما أعلن، فيطرح بدوره سؤالًا بالغ الحساسية من يراقب المراقب؟
فالرقابة الصحية وُجدت أساسًا لمنع وصول المواد غير الصالحة إلى المرضى، وليس فقط لاكتشافها بعد وقوع الخطر.
وإذا ثبت قضائيًا أن أحد المراقبين تستّر على مخالفات أو سهّل تمريرها أو امتنع عن القيام بواجبه، فإن القضية تصبح فضيحة رقابية موازية للفضيحة الطبية نفسها.
وهنا لا بد من التدقيق في آليات اختيار المراقبين، وكيفية متابعة عملهم، وما إذا كانت هناك رقابة دورية على أدائهم، ومن يتحمل المسؤولية عندما يفشل جهاز الرقابة في أداء مهمته.
وماذا عن المرضى الذين خضعوا للعمليات؟ هنا تكمن أخطر حلقات القضية.
فإذا كانت معدات مستعملة أو منتهية الصلاحية قد وصلت فعلًا إلى غرف العمليات، فإن السؤال لا يعود فقط من باع ومن اشترى؟
بل يصبح كم مريضًا استخدمت هذه المعدات خلال العمليات التي خضعوا لها؟
وهل جرى فتح سجلات المرضى وتدقيق العمليات التي أجريت خلال الفترة التي يُشتبه بأن هذه المعدات كانت متداولة فيها؟
وهل تم رصد أي مضاعفات أو التهابات أو مشاكل صحية غير اعتيادية لدى هؤلاء المرضى؟
وهل لدى وزارة الصحة آلية تلزم المستشفيات بالإبلاغ عن الحالات التي تظهر فيها نسب غير طبيعية من المضاعفات بعد العمليات الجراحية، بما يسمح بتحديد مصدر الخلل ومعالجته سريعًا؟
هذه الأسئلة ليست ترفًا إعلاميًا، بل ترتبط مباشرة بحقوق المرضى وسلامتهم، خصوصًا إذا ثبت أن مواد غير صالحة للاستخدام الطبي دخلت فعلًا إلى غرف العمليات.
القضية باتت أمام القضاء، ونحن نثق بأن التحقيقات ستكشف كامل الحقيقة، وتحدد المسؤوليات بدقة، بعيدًا عن التسييس أو الحماية أو التدخلات.
والمطلوب ليس فقط معرفة من قام بالبيع أو الشراء، بل كشف السلسلة الكاملة:
من استورد أو اشترى المعدات؟، من قام بتنظيفها وإعادة توضيبها وغيّر بياناتها أو تواريخ صلاحيتها وسمح بتداولها وإلى أي مستشفيات وصلت وكم مريضًا يمكن أن يكون قد تعرض للخطر؟
وفي حال ثبوت الضرر، يجب أن تشمل المحاسبة أيضًا حقوق المرضى والمتضررين، بما في ذلك التعويضات التي يقرّها القضاء وفقًا للقانون.
والسؤال الذي لا يقل أهمية هو أين المسؤولون الذين يرفعون شعار الدفاع عن الناس؟
قضية بهذا الحجم، إذا ثبتت تفاصيلها، لا يمكن التعامل معها وكأنها حادث عابر.
حياة المرضى ليست تفصيلًا إداريًا، والمستشفيات الحكومية ليست ملكًا لمديريها أو موظفيها، بل هي مرافق عامة يفترض أن تكون ملاذًا آمنًا للمواطن، وخصوصًا في بلد يعاني أصلًا من أزمة صحية واقتصادية غير مسبوقة.
والصمت السياسي أمام قضية تمس صحة الناس وحياتهم يطرح أكثر من علامة استفهام، فإذا كان السياسيون يتسابقون على الظهور عند افتتاح مستشفى أو إطلاق مشروع صحي، فعليهم أيضًا أن يكونوا في الواجهة عندما تظهر فضيحة تهدد الثقة بالمؤسسات الصحية الرسمية.
هذه القضية لا تحتمل طمس الأسماء، ولا تمييع المسؤوليات، ولا الاكتفاء بتوقيف بعض الأشخاص ثم إغلاق الملف.
المطلوب تحقيق قضائي وإداري شفاف يكشف كامل المسار، ويحدد مسؤولية كل شخص أو مؤسسة يثبت تورطها أو تقصيرها، مع اتخاذ إجراءات عاجلة لضمان عدم وصول أي معدات أو أدوية مشكوك بصلاحيتها إلى المرضى.
فالفضيحة، إذا ثبتت الوقائع، لا تتعلق فقط بمعدات جراحية مستعملة أو منتهية الصلاحية، إنها تتعلق بالثقة.
والثقة في القطاع الصحي لا تُستعاد بالبيانات ولا بالتصريحات، بل بالمحاسبة وكشف الحقيقة ومنع تكرار الجريمة.
أما أن يبقى اللبناني يدخل المستشفى وهو لا يعرف ما إذا كانت الأدوات التي ستُستخدم في جسده صالحة وآمنة أم لا، فهذه ليست أزمة قطاع صحي فحسب…
هذه أزمة دولة، ومسؤولية، ومحاسبة للفاسدين الذين يعرّضون حياة المرضى للخطر، وقد يصل هذا الخطر، في أسوأ الحالات، إلى الموت.











































































