اخبار فلسطين
موقع كل يوم -وكالة سوا الإخبارية
نشر بتاريخ: ٢١ حزيران ٢٠٢٦
فيما يتم إنجاز ترتيبات الاتفاق الأميركي الإيراني، وفيما يتم التركيز على شمل الملف اللبناني ضمن الاتفاق فإن غزة تبدو مستبعدة منه بشكل مباشر. الاتفاق الذي ترعى التوصل إليه إسلام آباد يشير كما يقول المسؤولون الإيرانيون لوقف إطلاق النار في لبنان رغم محاولة تل أبيب فصل الحرب في جنوب لبنان عن هجماتها على الضاحية. والجيش الإيراني الذي قام بقصف حيفا رداً على قصف الضاحية وضع الحرب على بيروت على طاولة المحادثات التي لم تبدأ، كما أن عدم ذهاب المفاوض الإيراني لجولات سويسرا أيضاً يرتبط بما تعتبره طهران خرقاً للاتفاق حول وقف شامل لإطلاق النار. وحتى لا ننجرف وراء الأحلام فإن فكرة الوقف الشامل لا يقصد بها غزة. على الأقل، لم نسمع هذا صراحة من الطرف الإيراني كما أن استمرار الحرب والقصف على غزة لم يتم ربطه بأي حال بالملف الفلسطيني في غزة. والحالة الوحيدة التي تم فيها هذا الربط في الرد الإيراني الباهت على اغتيال إسماعيل هنية في قلب المربع الأمني في طهران. كان الرد الإيراني وقتها مضبوطا ومحسوبا حتى لا يجر المزيد من رد الفعل الإسرائيلي وتم على شكل طائرات مسيّرة كان حتى المواطن العادي ينتظر وصولها وفق التوقيت المعلن. ما خلا ذلك فإن الربط بين الحرب الشاملة على غزة والحرب على إيران أو الاشتباك الإيراني الإسرائيلي لم يكن واضحاً ومعلناً.
ربما الاستثناء الوحيد في ذلك هو إصرار الطرف الفلسطيني المعني وفي هذه الحالة « حماس » و»الجهاد الإسلامي» على وجود هذا الربط والتمسك به واستخدام عبارات من باب «وحدة الساحات» للتعبير عنه، وهي وحدة لم تثبت صحتها. ربما كان تدخل «حزب الله» في لحظة معينة في الحرب مشاركة معنوية مهمة في محاولة للتخفيف عن غزة من خلال تشتيت الجهد الحربي للجيش الإسرائيلي كما كان القصف من اليمن، ولكن ما أشير إليه هو المشاركة الإيرانية في الدفاع عن غزة. كان الخطاب أكثر بلاغة من الفعل، ولم يكن ثمة فعل حقيقي. وحين يقارن المواطن بين القوة النارية الإيرانية التي أوجعت بها طهران تل أبيب وكانت مفاجئة للجميع ومدى تأثير الرد الإيراني على تغيير خطط واشنطن وتل أبيب تجاه إيران، وبين الكيفية والقوة التي استخدمت في التعبير عن الغضب على اغتيال هنية في قلب طهران فإن المرء يدرك أن القوة الإيرانية وجدت للدفاع عن ايران وان «وحدة الساحات» عبارة فضفاضة وغير عملية وليست بأكثر من تعبير رغبوي وحلم لم يتحقق في أحسن الأحوال. وأنا كما أي عاقل لا يلوم طهران أنها تستخدم قوتها للدفاع عن برامجها التسليحية أو حتى عن الطائفة التي تمثل مجالها الحيوي في مجتمع تنظر له طهران بعداء وتريد أن تصدر ثورتها إليه، ولكن ألوم من يصر على خداع نفسه ولا يدرك للأسف انه بخداعه لنفسه لا يكلفه شيئاً بل يكلف الأبرياء في غزة حياتهم.
وأنا لا أريد الاستفاضة في الموضوع الطائفي لكن من المفيد أيضاً التذكير به، فعلاقة إيران بـ»حماس» ليست كعلاقتها بـ»حزب الله»، وطبيعة العلاقة مع الحزب الشيعي ليست كطبيعة العلاقة مع التنظيم السني. وربما عمل خامنئي الأب على توطيد العلاقة مع الإخوان المسلمين لجملة أسباب جزء منها يرتبط بتقديره الشخصي لحسن البنا وإعجابه بكتابات سيد قطب، فيما يظل جزء آخر مرتبطاً بالربيع العربي وظهور الإسلام السياسي كقوة تغيير بديلة ومحتملة للحلول مكان الدولة العربية. أما الصراع مع إسرائيل فقد أضفى بعدا آخر على ربط قرار الإسلام السياسي الفلسطيني بمكونيه المركزيين بطهران. مرة أخرى هذا الربط تقرر طهران شكله وليس المصلحة الفلسطينية. وقد يمتعض البعض من الإشارة للاستخدام الأدواتي الذي أشير له ضمناً لكن هذه هي الحقيقة، فطهران لم تنذر نفسها لتقاتل عن الفلسطينيين بل كل شيء في سياساتها يتم توظيفه لتعزيز قوتها الإقليمية.
وبمتابعة نتائج الحرب الأميركية الإسرائيلية على ايران فإنه يمكن للمرء أن يستنتج أن غايات أي اتفاق هو تعزيز النفوذ الإيراني. طهران تدرك بأنها تستطيع أن تواصل فرض حضورها على حساب العلاقات الأميركية مع دول الخليج، وقد تطرح نفسها كحليف بديل إذا ما تمت تسوية بعض القضايا الخلافية المتعلقة ليس بتفكيك المشروع النووي الإيراني بل بـ»إدارته»؛ وهنا مربط الفرس.
عموماً في كل هذا النقاش فإن غزة «مش عل البال» ولم تكن يوماً في وارد أي ترتيبات إيرانية حول علاقتها المتوترة حتى اللحظة مع واشنطن. غزة ليست قضية إيرانية، فإيران كما اسلفنا لم تربط يوما بين الحرب عليها وبين الحرب المستمرة على غزة. كان هذا واضحاً في الحرب الأولى، العام الماضي، وهو يبدو اكثر وضوحاً في الحرب الأخيرة. قد يريد البعض أن يتذكر أيضاً طبيعة تفاعل «حزب الله» مع الحرب على ايران ونوعية هذا التفاعل والقوة النارية الهجومية التي شارك فيها. ومع ذلك فإن هذا النقاش يصيب وعي التنظيمات الفلسطينية التي تصر على أن الصراع صراع واحد في مقتل، لأنه يكشف قصور هذا الوعي عن فهم طبيعة الصراعات في المنطقة ولأنه وربما هذا الأهم يعني اعترافها بتضحيتها باستقلال القرار الوطني الفلسطيني، فكل طريق لا يمر عبر فلسطين لا يوصل إليه والطريق إلى القدس لا تمر عبر طهران ولا عبر أي مكان آخر في العالم.
ربما تحاول واشنطن أن تعيد الانتباه لغزة ولاستعادة الهدوء هناك، ليس حباً فيها ولا قلقاً على المدنيين ولكن لأنها أيضاً تريد أن تحافظ على نوع من التوازن في المنطقة، تريد أن تقول لأصدقائها في الخليج، إنها لم تتنازل عنهم بشكل كامل وإنها ما زالت تتمسك بمصالحها ومصالحهم في المنطقة، وربما يكون ثمن ذلك المزيد من التقارب مع تل أبيب في ظل تقارب طهران ونزع فتيل التوتر معها.
جميع المقالات تعبر عن وجهة نظر أصحابها وليس عن وجهة نظر وكالة سوا الإخبارية

























































