اخبار فلسطين
موقع كل يوم -فلسطين أون لاين
نشر بتاريخ: ٨ تشرين الثاني ٢٠٢٦
أعادت واقعة استيلاء المستوطنين على ثمانية منازل وفلل فلسطينية في منطقة الديوك التحتا بمدينة أريحا، شرقي الضفة الغربية، فتح واحد من أكثر الملفات حساسية وتعقيداً في المشهد الفلسطيني، والمتعلق بتسريب العقارات والأراضي لصالح المشروع الاستيطاني، وسط اتهامات متصاعدة للسلطة في رام الله بالتقصير في حماية الملكية العقارية، وعجز مؤسساتها عن منع وصول الأراضي الفلسطينية إلى أيدي المستوطنين، فضلاً عن مطالبات بالكشف عن الجهات التي تقف وراء عمليات البيع المشبوهة، ومحاسبة كل من يثبت تورطه فيها، أياً كان موقعه أو نفوذه.
ولم تكن المفاجأة في دخول عائلات المستوطنين إلى المنازل الثمانية فحسب، وإنما في الطريقة التي جرى بها التحضير للعملية، بعدما نشر المستوطنون تسجيلات مصورة وثقت مراحل التخطيط والدخول، وتباهوا بما وصفوه بإنجاز استيطاني تحقق بعد تحضيرات سرية استمرت فترة طويلة، في حين ادعى المجلس الإقليمي الاستيطاني «بنيامين» أن المنازل جرى شراؤها بالكامل من فلسطينيين.
وأثارت هذه الرواية تساؤلات واسعة بشأن هوية البائعين والمشترين والوسطاء الذين تولوا إتمام الصفقات، والكيفية التي وصلت بها العقارات إلى أيدي المستوطنين، خصوصاً أن القضية تتعلق بأراضٍ ذات طبيعة قانونية خاصة، بعضها مرتبط بأملاك الدولة والخزينة الأردنية، الأمر الذي وضع المؤسسات الفلسطينية أمام اختبار حقيقي بشأن مسؤوليتها عن حماية الأراضي العامة والخاصة ومنع تسريبها.
واقعة الاستيلاء
شهدت منطقة الديوك التحتا، الواقعة غرب مدينة أريحا، دخول ثماني عائلات من المستوطنين إلى مجموعة من المنازل والفلل الفلسطينية، في عملية رافقتها ترتيبات ميدانية وأمنية، وجرى توثيقها عبر طائرات مسيرة وتسجيلات مصورة نشرها المستوطنون أنفسهم.
وأظهرت التسجيلات مشاركة عائلات من مستوطنة «متسبية أريحا» القريبة في عملية الدخول، وسط أجواء احتفالية بالسيطرة على العقارات، فيما أعلن قادة المستوطنين أن العملية تأتي في إطار خطة أوسع لإعادة الوجود الاستيطاني إلى مدينة أريحا، التي يعتبرونها موقعاً استراتيجياً وتاريخياً.
وفي المقابل، ادعى جيش الاحتلال أن دخول المستوطنين لم يجرِ بالتنسيق المسبق معه، رغم أن العملية استمرت في ظل إجراءات أمنية رافقتها، وهو ما أثار تساؤلات بشأن طبيعة الموقف الإسرائيلي من هذه الخطوة، ومدى وجود تنسيق غير معلن بين الجهات الاستيطانية والمؤسسات العسكرية.
وتقع العقارات المستهدفة ضمن المنطقة المصنفة «ج» وفق اتفاقيات أوسلو، وهي منطقة تخضع لسيطرة الاحتلال الأمنية والإدارية، وتكتسب أهمية جغرافية واستراتيجية لقربها من مواقع أثرية ومناطق زراعية ومستوطنات قائمة في محيط أريحا والأغوار.
وأكدت سلطة الأراضي عدم وجود معاملات رسمية لتسجيل أو نقل ملكية القطعتين لديها، مشيرة إلى إحالة الملف إلى الجهات المختصة للتحقيق في الادعاءات المتعلقة بوجود عمليات بيع ووكالات ومستندات أولية.
تهديد للوجود الفلسطيني
وقال محافظ أريحا والأغوار حسين حمايل، لصحيفة 'فلسطين': 'ما جرى في منطقة الديوك التحتا يمثل تطوراً خطيراً يستهدف مدينة أريحا ومحيطها الجغرافي، ويحمل أبعاداً سياسية واستيطانية تتجاوز حدود العقارات التي دخل إليها المستوطنون.
نحن أمام محاولة لفرض واقع جديد على الأرض الفلسطينية، من خلال إدخال عائلات استيطانية إلى مواقع ذات أهمية استراتيجية، بما يمهد لتحويلها تدريجياً إلى بؤر استيطانية دائمة'.
وأضاف: 'إن خطورة القضية تكمن أيضاً في طبيعة الأراضي التي أقيمت عليها هذه المنازل، فهناك أراضٍ تتبع لخزينة المملكة الأردنية الهاشمية، وأخرى لها وضع قانوني وملكية خاصة، وقد اتخذت المؤسسات الفلسطينية خلال السنوات الماضية إجراءات لحماية هذه الأراضي والحفاظ على وضعها القانوني.
ولذلك فإننا لن نتعامل مع ادعاءات المستوطنين بشأن شراء العقارات باعتبارها حقيقة قانونية مسلمّاً بها، بل سنخضع كل وثيقة أو وكالة أو عقد مزعوم للفحص والتدقيق'.
وتابع حمايل: 'لقد شكلنا خلية أزمة تضم الجهات المعنية، وبدأنا جمع المعلومات والوثائق المتعلقة بالعقارات المستهدفة، بهدف تحديد كيفية وصول هذه المنازل إلى أيدي المستوطنين، ومعرفة ما إذا كانت هناك عمليات بيع أو تصرفات غير قانونية سبقت عملية الاستيلاء.
كما نريد تحديد هوية الأشخاص الذين تولوا الوساطة، والجهات التي تعاملت معهم، وما إذا كانت هناك أطراف استغلت نفوذها أو مواقعها الوظيفية لتسهيل هذه العمليات'.
وشدد حمايل على أن 'أي شخص يثبت تورطه في تسريب الأراضي أو تسهيل الاستيلاء عليها يجب أن يتحمل مسؤوليته القانونية، دون استثناء أو حماية بسبب موقعه الاجتماعي أو الوظيفي.
حماية الأرض الفلسطينية ليست مسؤولية جهة واحدة، وإنما مسؤولية وطنية ومؤسسية، والتهاون في هذا الملف يفتح المجال أمام الاحتلال لتحويل عمليات التسريب الفردية إلى وسيلة منظمة للسيطرة على الجغرافيا الفلسطينية'.
وختم: 'نحن لا ننظر إلى ما حدث باعتباره خسارة لعدد من المنازل فقط، بل باعتباره تهديداً مباشراً لمستقبل أريحا والأغوار، ومحاولة لتضييق المساحة الجغرافية المتاحة للفلسطينيين، وفرض وقائع استيطانية تجعل وجودهم في مناطقهم مهدداً بصورة متزايدة.
ولذلك فإن المطلوب هو كشف الحقيقة كاملة، ومحاسبة المسؤولين عن أي تجاوزات، والعمل على استعادة العقارات وحماية ما تبقى من الأراضي الفلسطينية'.
ثغرات خطيرة في منظومة حماية الأراضي
من جانبه، يرى خليل التفكجي، خبير شؤون الاستيطان، أن ما جرى في الديوك التحتا يجب قراءته في سياق المخططات الإسرائيلية الرامية إلى تطويق المدن الفلسطينية وعزلها جغرافياً، وتحويل المناطق المحيطة بها إلى نقاط ارتكاز استيطانية تتحكم في حركة السكان وامتدادهم العمراني.
وقال تفكجي لصحيفة 'فلسطين': 'ما حدث في أريحا ليس مجرد استيلاء على ثمانية منازل، وإنما يمثل اختراقاً استيطانياً مدروساً لمحيط المدينة، ويأتي ضمن استراتيجية إسرائيلية تقوم على السيطرة على العقارات والمواقع الحيوية المحيطة بالتجمعات الفلسطينية، بهدف محاصرتها ومنع توسعها الطبيعي.
أريحا اليوم محاطة بمستوطنات ومواقع استيطانية ومناطق عسكرية مغلقة، من بينها نعمة ونفيوت يريحو والموج، وما يجري في الديوك التحتا يندرج ضمن محاولة تعزيز هذا الطوق وربط المواقع الاستيطانية بعضها ببعض'.
وأضاف: 'الخطورة الحقيقية أن المستوطنين لم يدخلوا إلى هذه المنطقة بصورة عشوائية، وإنما أعلنوا بأنفسهم أن هناك تخطيطاً مسبقاً وسرياً للعملية، وهذا يعني أننا أمام تحرك جرى الإعداد له على مدى فترة زمنية، وشمل على ما يبدو ترتيبات تتعلق بالعقارات والملكية والوسطاء والجهات التي تولت عملية الشراء المزعومة. والسؤال الأساسي هنا ليس فقط من دخل المنازل، وإنما كيف وصلت هذه العقارات إلى المرحلة التي أصبح فيها المستوطنون قادرين على الادعاء بأنهم اشتروها'.
وحمل تفكجي السلطة مسؤولية واسعة على ما حدث، وقال: 'هناك مسؤولية فلسطينية لا يمكن تجاوزها في هذا الملف، خصوصاً أن الحديث يدور عن أراضٍ لها ارتباط بأملاك الدولة والخزينة الأردنية. كيف ظهرت عليها مبانٍ وفلل خاصة؟ ومن منح أصحابها حق البناء والتصرف؟ وهل جرى تحويل أراضٍ عامة إلى ملكيات خاصة من خلال إجراءات إدارية أو قانونية؟ هذه أسئلة يجب أن تجيب عنها المؤسسات الفلسطينية، ولا يجوز أن تبقى معلقة'.
وبشأن اتهامات الفساد والتواطؤ، قال: 'لا يمكن توجيه اتهام جزافي إلى شخص أو مؤسسة دون أدلة، لكن من حق المواطنين أن يسألوا عن مسؤولية السلطة الفلسطينية والجهات التي تدير ملف الأراضي. إذا ثبت أن موظفين أو مسؤولين أو وسطاء استغلوا مواقعهم لتسهيل تحويل أراضي الدولة أو بيعها بطرق غير قانونية، فإن ذلك يمثل خللاً خطيراً يستوجب المحاسبة.
كما أن عدم اكتشاف هذه العمليات أو عدم التعامل معها في الوقت المناسب يثير تساؤلات عن مستوى الرقابة والشفافية داخل المؤسسات المعنية'.
وتعيد قضية الديوك التحتا تسليط الضوء على ملف تسريب الأراضي والعقارات الفلسطينية، باعتباره أحد المسارات التي يمكن أن يستغلها المشروع الاستيطاني لتوسيع نفوذه داخل التجمعات السكانية الفلسطينية، خصوصاً في المناطق التي تتمتع بأهمية جغرافية وتاريخية.
كما تضع القضية السلطة في رام الله أمام مطالبات شعبية ورسمية بالكشف عن ملابسات عمليات البيع المزعومة، وتوضيح كيفية إقامة عشرات المباني والفلل على أراضٍ يثار بشأنها ارتباط بأملاك الدولة، وتحديد المسؤوليات الإدارية والقانونية عن أي مخالفات محتملة.
وبينما يحتفل المستوطنون بما يعدونه اختراقاً جديداً للجغرافيا الفلسطينية، ينتظر الفلسطينيون إجابات واضحة بشأن مصير منازلهم وأراضيهم، وما إذا كانت التحقيقات ستكشف بالفعل عن الأطراف التي سهلت وصول المستوطنين إليها، أم أن القضية ستنتهي عند حدود البيانات الرسمية، دون الوصول إلى الشبكة التي تقف خلف واحدة من أكثر عمليات الاستيلاء العقاري إثارة للجدل في أريحا.

























































