اخبار لبنان
موقع كل يوم -جريدة اللواء
نشر بتاريخ: ١٠ أذار ٢٠٢٦
في الوجدان العربي، لا يقتصر رمضان على التبتل والعبادة فحسب، بل هو شهر «الأنس» والترويح عن النفس بما لا يخدش وقار الشهر. بعد انقضاء صلاة التراويح، تتحول الساحات والمقاهي والمجالس إلى ميادين لـ «المنافسة الشريفة»، حيث تبرز ألعاب شعبية وذهنية توارثتها الأجيال، وأصبحت جزءاً من الهوية الثقافية الرمضانية. إن ألعاب رمضان ليست مجرد وسيلة لتقضية الوقت، بل هي «تمارين ذكاء» ووسائل لتمتين الروابط الاجتماعية، حيث يختلط فيها الضحك بالتحدي، وتذوب فيها الفوارق بين الكبار والصغار تحت سطوة «قوانين اللعبة».
•«المحيبس» العراقي.. ملحمة البحث عن الخاتم تُعد لعبة «المحيبس» (تصغير كلمة محبس أي خاتم) هي «أيقونة» السهر الرمضاني في العراق بلا منازع. هي لعبة تعتمد على الفراسة وقراءة لغة الجسد. -طقوس اللعبة: يجتمع فريقان من حيين مختلفين (مثلاً الكاظمية والأعظمية)، يضم كل فريق العشرات. يختبئ «المحبس» في يد أحد أفراد الفريق تحت غطاء كبير، ثم يخرج «المنادي» من الفريق الخصم ليحدق في وجوه الرجال، محاولاً معرفة من يخفي الخاتم في قبضة يده. -البعد الاجتماعي: يذكر الباحثون في التراث البغدادي أن «المحيبس» كانت وسيلة للصلح بين العشائر والأحياء المتخاصمة؛ ففي نهاية اللعبة، يُقدم الفريق الخاسر «صواني» الحلويات (الزلابية والبقلاوة) للفريق الرابح وللجمهور، لتتحول المنافسة إلى مأدبة حب جماعية توثقها أهازيج «بغدادية» عريقة.
•دول الخليج والجزيرة.. «الدامة» و«الكيرم» و«الورق» في دول الخليج (السعودية، الكويت، الإمارات، قطر، البحرين، وعمان)، تتسم ألعاب رمضان بطابع هادئ يتناسب مع جلسات «المجالس» و«الدواوين». -لعبة الدامة، هي الشطرنج الشعبي في الخليج. تُلعب على قطعة قماش مربعة، وتتطلب تركيزاً ذهنياً عالياً وتخطيطاً استراتيجياً. يذكر أن كبار السن في موانئ الخليج القديمة كانوا يقضون سهرات رمضان في تحديات «الدامة» التي تمتد حتى السحور. الكيرم (Carrom)، رغم أصولها الهندية، إلا أن «الكيرم» أصبحت اللعبة الرمضانية الأولى في البيوت الخليجية. يجتمع الأبناء والأحفاد حول «اللوح الخشبي» المدهون بمسحوق «التلك»، في جو من الصخب الجميل الذي يكسر هدوء الليل. في السعودية والكويت، تبرز ألعاب الورق (الكوتشينة) مثل «البلوت» التي تمتلك شعبية طاغية وقوانين صارمة، حيث تُقام لها بطولات رمضانية كبرى تجمع الشباب، وتُعد وسيلة لتقوية الملاحظة وسرعة البديهة.
•مصر.. «السيجة» وشطرنج المقاهي في مصر، تكتسب الألعاب طابعاً تاريخياً يمتد لعصور قديمة. لعبة السيجة، هي لعبة فرعونية الأصل لا تزال حية في الأرياف وصعيد مصر والمناطق الشعبية في رمضان. تُلعب برسم مربعات في الرمل واستخدام الحجارة الصغيرة (الجراوة)، وتعتمد على «حصار» قطع الخصم. يذكر الجبرتي أن «السيجة» كانت تسلي الجنود والناس في ليالي رمضان الطويلة. في مقاهي القاهرة التاريخية (كـ «الفيشاوي» و«ماتاتيا»)، يظل صوت «القشاط» على لوح الطاولة الخشبي هو الموسيقى التصويرية لليل رمضان. يتبارى «الحريفة» في رمي الزهر، وسط تشجيع الحاضرين وتناول الشاي بالنعناع، في مشهد يمزج بين التسلية والحكمة الشعبية.
•بلاد الشام.. «البرسيس» وألعاب الذكاء في سوريا ولبنان وفلسطين، تشتهر ليلية رمضان بلعبة «البرسيس» (أو البرجيس)، هي لعبة عريقة تُمارس في البيوت الدمشقية والبيروتية القديمة. تعتمد على «الودع» (الأصداف) وقطعة قماش مطرزة بشكل صليب. تمتاز اللعبة بطول مدتها، مما يجعلها مثالية لسهرات رمضان التي تمتد من الإفطار إلى السحور، وغالباً ما تمارسها النساء والجدات في أجواء من القصص والأحاجي. في المقاهي الجبلية والساحلية، يظل «الطرنيب» هو المنافسة المفضلة للشباب، حيث تُعقد «الشراكات» بين اللاعبين، وتُوزع المشروبات الرمضانية كـ «رهانات» رمزية على الفريق الفائز.
•المغرب العربي.. «الخربقة» و«السيغ» في المغرب وتونس والجزائر، تبرز ألعاب تعتمد على الطبيعة والذكاء الفطري: -الخربقة: وهي تشبه «السيجة»، وتُمارس بكثرة في تونس والجزائر. تعتمد على الحفر في الأرض واستخدام الحصى أو نوى التمر. يحرص المصلون عقب التراويح على الجلوس في ساحات المساجد العتيقة لممارسة «الخربقة»، وهي وسيلة لتبادل الأحاديث الدينية والاجتماعية أثناء اللعب. -السيغ: لعبة موريتانية ومغربية شهيرة تُستخدم فيها «أعواد خشبية» ملونة، وتعتمد على الحظ والمهارة في آن واحد، وتُعد من أساسيات السهر في «الخيمة» الرمضانية في الصحراء الكبرى.
•السودان واليمن.. «الضالة» و«الكيرم اليمني» في السودان تبرز لعبة «الضالة»، وهي لعبة ذهنية تُمارس في القرى والأحياء الشعبية، حيث يجتمع الرجال حول رقعة مرسومة في التراب. كما تُقام منافسات «كرة القدم» الرمضانية التي تبدأ قبيل المغرب وتستمر حتى السحور تحت الأضواء الكاشفة في الميادين. في اليمن بالإضافة إلى «الكيرم» الذي يحظى بشعبية واسعة، يبرز «التشويق» في حل «الألغاز» (الحزازير) والقصائد المبطنة التي يُطلب من الحاضرين فك رموزها، وهو نوع من «اللعب بالكلمات» الذي يبرع فيه اليمنيون بفضل ملكتهم الشعرية.
•الأثر النفسي والاجتماعي لألعاب رمضان يرى علماء النفس الاجتماعي أن هذه الألعاب تؤدي وظائف حيوية في الوجدان العربي: 1.تفريغ الطاقات: وسيلة صحية لقضاء وقت الفراغ بين العبادات ومنع الخمول. 2.التواصل العابر للأجيال: هي المساحة التي يجلس فيها الحفيد ليتحدى جده، مما يكسر الجمود ويسمح بانتقال الخبرات. 3. تنمية الذكاء: معظم هذه الألعاب ذهنية (استراتيجية)، تنمي الصبر، وبعد النظر، والقدرة على قراءة الخصم. 4. تعزيز الروح الرياضية: رغم حدة المنافسة، تنتهي الألعاب دائماً بضحكات مشتركة وتقاسم للطعام، مما يكرس مبدأ أن «الجمع» أهم من «الربح».
****
إن ألعاب رمضان في الوجدان العربي هي «بهارات السهر» التي تمنح ليل الصائمين طعماً من الفرح العفوي. من «محيبس» بغداد إلى «دامة» الخليج، ومن «سيجة» مصر إلى «برسيس» الشام، تظل هذه الألعاب شاهداً على روح أمة تحب الحياة والجمال واللمة. ورغم مزاحمة الألعاب الإلكترونية، يظل لتلك «الأحجار» و«الأخشاب» و«الأوراق» سحر خاص، لأنها لا تُحرك العقل فحسب، بل تُحرك المشاعر وتوثق الروابط، مؤكدة أن رمضان هو شهر الوصل في كل تفاصيله، حتى في «اللعب».











































































