اخبار فلسطين
موقع كل يوم -فلسطين أون لاين
نشر بتاريخ: ٢٤ حزيران ٢٠٢٦
مع مرور ألف يوم على حرب الإبادة التي تعرض لها قطاع غزة، لم يعد الركام مجرد مشهد يملأ الشوارع والأحياء المدمرة، بل تحول إلى جزء من الحياة اليومية ومكوّن أساسي من ذاكرة الفلسطينيين الذين يعيشون بين أنقاض منازلهم ومدارسهم ومستشفياتهم.
فملايين الأطنان من الحجارة والحديد والإسمنت لم تعد تمثل آثار دمار فحسب، بل أصبحت شاهدة على فقدان الأحبة، وعلى محاولات متواصلة لإعادة إنتاج الحياة وسط واحدة من أكبر الكوارث الإنسانية في العصر الحديث.
أثر نفسي واجتماعي
يرى المختص النفسي د. فواز أبو جهل أن مرور ألف يوم على الحرب يفرض قراءة أعمق للأثر النفسي والاجتماعي والثقافي الذي خلّفه الركام، موضحًا أن الإنسان الفلسطيني، رغم الصدمة والخسارة، يمتلك قدرة استثنائية على تحويل الألم إلى قوة، والدمار إلى مساحة للصمود النفسي والاجتماعي، دون أن يقلل ذلك من حجم المأساة الإنسانية.
ويقول أبو جهل لصحيفة 'فلسطين': 'إن قطاع غزة يشهد كارثة إنسانية وبيئية غير مسبوقة نتيجة تراكم ملايين الأطنان من ركام المنازل والبنى التحتية التي دمرتها الحرب'، مشيرًا إلى أن الركام لم يعد مجرد بقايا مادية لمبانٍ منهارة، بل أصبح شاهدًا حيًا على الذاكرة الجماعية، ورمزًا لمعاناة مجتمع بأكمله، وفي الوقت ذاته نقطة انطلاق لإعادة التكوين النفسي والاجتماعي.
ويؤكد أن مفهوم الركام يتجاوز تعريفه الهندسي، إذ يحمل بين طبقاته قصص عائلات فقدت بيوتها وأحلامها وأفرادها، لكنه في المقابل يجسد محاولات مستمرة لإعادة بناء الحياة.
ويضيف: 'المجتمعات التي تعرضت لحروب كبرى استطاعت في كثير من الأحيان أن تستخرج من الأنقاض دافعًا للاستمرار، وهو ما يعيشه الفلسطينيون اليوم رغم قسوة الظروف'.
ويشدد أبو جهل على أن الحديث عن بعض الآثار النفسية للركام لا يعني تمجيد الدمار أو تبرير الخسائر، بل يعكس قدرة الإنسان على تطوير آليات للتكيف ومقاومة الانهيار، عبر تعزيز التماسك المجتمعي والانتماء الوطني، وتنمية الصمود النفسي، وتحفيز المبادرات التطوعية، وإعادة التفكير في أساليب البناء المستقبلية.
ومن منظور فلسفي، يوضح أن البيت بالنسبة للفلسطيني ليس مجرد مأوى، بل امتداد للهوية والذاكرة والانتماء، لذلك فإن تحوله إلى ركام يطرح أسئلة عميقة حول معنى البقاء والقدرة على الاستمرار رغم الفقد.
ويضيف: 'ومع ذلك، يعيد الفلسطيني إنتاج المعنى من داخل الألم، فيتحول الركام إلى رمز للصمود بدلًا من الاستسلام، وشاهد تاريخي على التمسك بالأرض والحقوق'.
ويشير إلى أن الركام قد يسهم، رغم صدمته، في تنمية المرونة النفسية على المدى المتوسط والبعيد، وهي القدرة على التكيف واستعادة التوازن تدريجيًا، إلى جانب تعزيز تقدير الحياة والعلاقات الإنسانية، وتشكيل شعور بوحدة المصير والدعم المتبادل داخل المجتمع.
ويتابع: 'علم النفس يصف هذه الظاهرة بـ'النمو ما بعد الصدمة'، حيث قد تؤدي التجارب القاسية إلى تطور إيجابي يتمثل في زيادة النضج النفسي وتعميق القيم الإنسانية وإعادة ترتيب الأولويات'.
وعلى المستوى الاجتماعي، يلفت أبو جهل إلى صور لافتة من التضامن خلال الحرب، تمثلت في استقبال العائلات لبعضها، وتقاسم الموارد، والتعاون في إزالة الركام، وظهور مبادرات شبابية تطوعية قدمت دعمًا نفسيًا وتعليميًا وإنسانيًا، إلى جانب المساعدة في تنظيف المناطق المتضررة.
كما أسهم الدمار الجماعي، بحسب أبو جهل، في تعزيز الهوية الوطنية والشعور بالمصير المشترك، ليصبح الركام جزءًا من الرواية الفلسطينية أمام العالم.
وفي الجانب التربوي، يشير إلى أن الحرب، رغم آثارها على التعليم، دفعت إلى ابتكار أساليب تعليم بديلة داخل مراكز الإيواء والخيام، وساهمت في تنمية مهارات التكيف وتحمل المسؤولية لدى الأطفال والشباب، وترسيخ قيم التعاون والصبر والعمل الجماعي.
أما اقتصاديًا، فيرى أن مرحلة إعادة الإعمار المستقبلية قد تخلق فرص عمل في مجالات إزالة الركام والبناء والصناعات المرتبطة به، إلى جانب إعادة تخطيط المدن وتطوير البنية التحتية.
كما يوضح أن الركام تحول إلى مساحة للتعبير الفني، حيث لجأ الفنانون والأطفال إلى الرسم والكتابة والتصوير والنحت على الأنقاض، لتحويل الألم إلى أشكال من التعبير الإبداعي.
تحذيرات اجتماعية
في المقابل، يحذر أبو جهل من أن مرور ألف يوم على الحرب كشف أيضًا عن تصدعات اجتماعية وقيمية عميقة نتيجة استمرار الضغط على الموارد الأساسية.
ويشير إلى تراجع بعض مظاهر التكافل لصالح سلوكيات فردية فرضتها ندرة الغذاء والماء والدواء، وظهور الاحتكار والاستغلال وبيع المساعدات في الأسواق السوداء، إضافة إلى تفكك بعض الأسر وارتفاع معدلات عمالة الأطفال والعنف الأسري.
كما يلفت إلى تراجع منظومة القيم لدى بعض الفئات نتيجة الانقطاع عن التعليم، وازدياد مظاهر التسول والسرقة البسيطة والعنف داخل مخيمات النزوح، فضلًا عن سلوكيات تمس الكرامة الإنسانية للحصول على الاحتياجات الأساسية.
ويعتبر أن أخطر ما أنتجته الحرب نفسيًا هو تصاعد مشاعر اليأس والإحباط والرغبة في الهجرة باعتبارها مخرجًا، في ظل استمرار الحرب وغياب أفق سياسي واضح.
ويختتم أبو جهل حديثه بالتأكيد على أن الركام بعد ألف يوم لم يعد مجرد بقايا مبانٍ، بل أصبح ذاكرة جمعية وهوية وطنية واختبارًا يوميًا لقدرة الإنسان الفلسطيني على الصمود.
ويؤكد أن إعادة إنتاج الأمل من قلب الفقد وتعزيز التماسك المجتمعي يمثلان أحد أهم أشكال الصمود، رغم أنهما لا يلغيان حجم الكارثة الإنسانية، بل يكشفان عن قوة مجتمع يواصل التمسك بالحياة رغم الدمار.

























































