اخبار فلسطين
موقع كل يوم -وكالة شهاب للأنباء
نشر بتاريخ: ٢٨ أب ٢٠٢٦
خاص / شهاب
يصارع صهيب الحلو، من على سرير أحد ما تبقى من المستشفيات في قطاع غزة، كتلة سرطانية ضخمة وخطيرة في صدره، يبلغ حجمها نحو 13 سم، وتتمركز في منطقة الصدر والمنصف الأمامي، محيطة بالأوعية الدموية الرئيسية في الصدر. كما يعاني الطفل، البالغ من العمر 6 سنوات، من تجمع للسوائل حول الرئة اليمنى وحول القلب، ما يزيد من خطورة وضعه الصحي ويهدد وظائف التنفس والقلب.
مشاعر العجز
ويحتاج صهيب، وهو الابن الوحيد لوالديه، إلى تحويلة طبية عاجلة للعلاج خارج قطاع غزة، وفق توصيات الأطباء الذين حذروا من خطورة الكتلة وإمكانية تدهور حالته الصحية سريعًا، مؤكدين حاجته إلى استكمال الفحوصات المتخصصة وبدء العلاج الكيميائي قبل أن تتفاقم حالته.
وعلى الجانب الآخر، يصارع والده مشاعر العجز تارة، بعد إصابته البليغة التي أدت إلى بتر قدمه اليمنى وأصابع يديه، كما تعرض للعقم نتيجة إصابته، ويصارع تارة أخرى مشاعر الخوف من فقدان طفله الوحيد، بينما لا تزال أسرته تنتظر تحويلته الطبية، علّها تفتح أمامه فرصة للعلاج في الخارج وفق توصيات الأطباء.
وبين انتظار التحويلة ونقص العلاج داخل القطاع، تتواصل معاناة صهيب مع المرض، فيما يخشى والده أن يطول الانتظار أكثر من قدرة جسد طفله على الاحتمال، في وقت يؤكد فيه الأطباء أن حالته تحتاج إلى تدخل عاجل وعدم تأخير العلاج.
وتحاول الأسرة، منذ تشخيص مرض صهيب، الوصول إلى فرصة للعلاج، لكن واقع مرضى السرطان في غزة يجعل الوصول إلى تلك الفرصة مهمة شاقة، في ظل نقص أدوية الأورام والعلاج الكيميائي، وتراجع إمكانات الفحوصات والمتابعة الطبية، وصعوبة خروج المرضى الذين يحتاجون إلى علاج غير متوفر داخل القطاع.
ويقول الدكتور محمد أبو سلمية، مدير مستشفى الشفاء في قطاع غزة، إن مرضى السرطان يواجهون ظروفًا بالغة القسوة، في ظل توقف العلاج الكيميائي ونقص الأدوية والمستلزمات الطبية، الأمر الذي أدى إلى ارتفاع أعداد الوفيات بينهم.
وأوضح أبو سلمية لـ'شهاب' أن مستشفى الشفاء بات يسجل يوميًا حالات وفاة بين مرضى السرطان، قائلًا: 'في الآونة الأخيرة بالفعل أصبحنا نسجل حالات وفيات كبيرة من ثلاث إلى خمس حالات يوميًا بسبب عدم تلقيهم العلاج الكيماوي اللازم لإنقاذ حياتهم'.
وأضاف أن مرضى السرطان في قطاع غزة باتوا يموتون بمعدلات تفوق ما كان مسجلًا قبل الحرب، نتيجة عدم توفر العلاج داخل القطاع، إلى جانب صعوبة خروج المرضى إلى الخارج لتلقي الرعاية الطبية المتخصصة.
وبيّن أبو سلمية أن مرضى السرطان ينتظرون لفترات طويلة للحصول على العلاج أو فرصة للسفر إلى الخارج، بينما تستمر حالاتهم الصحية في التدهور، لافتًا إلى أن تأخر العلاج يعني، في كثير من الحالات، وصول المرض إلى مراحل أكثر خطورة تقل معها فرص الاستجابة للعلاج.
وأكد أن الأزمة لا تقتصر على المرضى الذين سبق تشخيص إصابتهم، بل تمتد إلى المرضى الذين قد تكون إصابتهم بالسرطان غير مكتشفة، بسبب توقف أو تراجع الفحوصات والتشخيص المبكر خلال الحرب، ما يجعل اكتشاف المرض وعلاجه في مراحله الأولى أكثر صعوبة.
خطر الانتكاس
وفي السياق ذاته، حذرت الهيئة الدولية لدعم حقوق الشعب الفلسطيني 'حشد' من التداعيات الخطيرة للنقص الحاد في أدوية علاج الأورام والعلاج الكيميائي في قطاع غزة، مؤكدة أن نحو 4 آلاف مريض سرطان، بينهم 270 طفلًا، يواجهون خطر الانتكاس وتدهور حالتهم الصحية، في ظل صعوبة الحصول على العلاج داخل القطاع أو خارجه.
وقالت الهيئة إن الأزمة وصلت إلى مستوى خطير، موضحة أن بيانات وزارة الصحة الفلسطينية الصادرة في 20 يوليو/تموز 2026 أظهرت نفاد 27 صنفًا من أدوية علاج الأورام والعلاج الكيميائي من أصل 42 صنفًا معتمدًا ضمن البروتوكول العلاجي الوطني.
وأضافت أن نسبة النقص في قائمة الأدوية الأساسية بلغت 52%، فيما وصلت نسبة النقص في المستهلكات والمستلزمات الطبية إلى 62%، الأمر الذي ينعكس على قدرة المرضى على استكمال خططهم العلاجية في مواعيدها.
وأكدت 'حشد' أن انقطاع العلاج الكيميائي أو تأخر الجرعات لفترات طويلة قد يؤدي إلى فقدان فاعلية البروتوكولات العلاجية، وانتكاس المرض وتحوله إلى مراحل أكثر تقدمًا وخطورة، ما يحرم مرضى كان يمكن السيطرة على حالاتهم من فرص العلاج.
من جهته، حذر مركز غزة لحقوق الإنسان من تفاقم أوضاع مرضى السرطان في قطاع غزة، في ظل الانهيار شبه الكامل للمنظومة الصحية، والتوقف شبه التام للعلاج الكيماوي والإشعاعي، واستمرار القيود على سفر المرضى لتلقي العلاج خارج القطاع.
وقال المركز إن نحو 4 آلاف مريض سرطان يواجهون خطر الموت بسبب عدم توفر العلاج الكيماوي، فيما تُسجل يوميًا 4 إلى 5 حالات وفاة بين المرضى المحرومين من العلاج، وفق ما كشفه مدير مجمع الشفاء الطبي، الدكتور محمد أبو سلمية.
وأوضح المركز أن أحدث بيانات منظمة الصحة العالمية، حتى نهاية ديسمبر/كانون الأول 2025، تشير إلى وجود نحو 12,500 مريض سرطان في قطاع غزة من مختلف الفئات العمرية، مع تشخيص أكثر من 2,000 حالة جديدة سنويًا، بينها 122 حالة بين الأطفال.
وأشار إلى أن جلسات العلاج الكيميائي الوريدي والمتابعة الطبية توقفت بشكل شبه كامل منذ منتصف عام 2025، بينما توفي ما لا يقل عن 1,400 مريض وهم ينتظرون موافقات السفر لتلقي العلاج خارج القطاع، ولا يزال آلاف آخرون عالقين على قوائم الإحالة الطبية بانتظار الموافقة على سفرهم.
فرصة نجاة
وأكد المركز أن أزمة مرضى السرطان لا تتعلق بنقص الأدوية وحده، بل تشمل أيضًا غياب الفحوصات والعلاج الإشعاعي والمتابعة الطبية، ما يؤدي إلى تدهور الحالات ووصولها إلى مراحل متقدمة كان يمكن تجنبها لو توفرت الرعاية في الوقت المناسب.
ولفت إلى أن المرضى الذين يحتاجون إلى العلاج خارج غزة يواجهون بدورهم رحلة شاقة من الانتظار، حتى بعد حصولهم على تحويلات طبية، مشيرًا إلى حالات تدهورت صحتها بعد توقف العلاج البيولوجي أو بسبب عدم توفر المسكنات والأدوية الأساسية.
وتحذر هذه الجهات من أن استمرار انقطاع العلاج وتأخر السفر سيقود إلى مزيد من الوفيات بين المرضى، في وقت لا يملك فيه كثير من مرضى السرطان ترف الانتظار، بينما تتراجع فرص علاجهم كلما تأخر حصولهم على الدواء أو الجرعة أو الرعاية الطبية اللازمة.
وفي حالة صهيب الحلو، تبدو هذه الأزمة في صورتها الأكثر قسوة؛ طفل في السادسة ينتظر تحويلته الطبية والعلاج الذي يحتاجه، فيما يواصل والده المصاب بإعاقة شديدة التعلق بأي فرصة لإخراج طفله من دائرة الانتظار إلى مكان يمكنه فيه تلقي العلاج.
وبالنسبة إلى صهيب وآلاف مرضى السرطان في غزة، يبقى العلاج حقًا مرتبطًا بالوقت، وكل تأخير في الحصول على الدواء أو استكمال الجرعات أو السفر للعلاج قد يترك أثرًا مباشرًا على حالتهم الصحية وفرص نجاتهم من الموت .

























































