اخبار لبنان
موقع كل يوم -الهديل
نشر بتاريخ: ٣ أيلول ٢٠٢٦
خاص الهديل الإخبارية…
بقلم: محمد طارق عفيفي
في لبنان، لم يعد السؤال: أين المياه؟ بل السؤال: أين الدولة؟ بلد الأنهار والينابيع والأمطار والثلوج، يجد المواطن نفسه، وخصوصًا في بيروت، أمام حنفية جافة، فيما صهاريج المياه تجوب الشوارع وتبيع الناس ما يفترض أن تؤمّنه الدولة كخدمة أساسية. وهنا المفارقة التي تحتاج إلى جواب: لبنان يعاني من انقطاع المياه، لكن الصهاريج لا تعاني من نقصها… فمن أين تأتي المياه؟ ومن يراقب مصادرها؟ ومن سمح بتحويل مورد عام إلى تجارة؟
لسنا ضد أصحاب الصهاريج، ولا نعمّم على الجميع؛ فهناك من يعمل ضمن القوانين والأنظمة، لكن المشكلة في منظومة كاملة نشأت لأن الدولة لم تؤمّن الخدمة. فكما حدث في الكهرباء، عندما غابت الدولة ظهر أصحاب المولدات، واليوم، مع غياب المياه، أصبح أصحاب الصهاريج البديل. المواطن يدفع للدولة، ثم يدفع للمولد، ويدفع للصهريج، وكأنه يدفع ثمن فشل الدولة أكثر من مرة.
المياه ليست ملكًا خاصًا لأصحاب الصهاريج. إنها مورد عام يخضع للقانون وتنظيم الدولة، ومن حق المواطن أن يعرف: من أين تُستخرج المياه التي تُباع؟ هل المصادر مرخّصة؟ من يراقب الكميات؟ من يفحص نوعيتها؟ ومن يراقب الأسعار؟ وهل تستفيد الدولة من هذا القطاع كما يجب؟
والسؤال الأكبر: كم يدفع اللبنانيون سنويًا على المولدات والصهاريج؟ نحن لا نملك رقمًا رسميًا موحّدًا يسمح بتحديد حجم السوق بدقة، لكن حجم الإنفاق المتكرر على بدائل الكهرباء والمياه يؤكد أن أموالًا ضخمة تُدفع بدل خدمات كان يفترض أن تكون من مسؤولية الدولة. أموال لو استُثمر جزء منها على مدى سنوات في شبكات المياه، والخزانات، ومحطات المعالجة، والصيانة، وتقليل الهدر، لما بقي المواطن أسير الصهريج.
والقصة لا تتوقف هنا. فالصهاريج الثقيلة التي تجوب الشوارع يوميًا تترك خلفها ضغطًا إضافيًا على طرقات متهالكة أصلًا، من أضرار وحفر وازدحام، فيما المواطن يدفع أيضًا ثمن إصلاح الطرق التي تتضرر من هذه المنظومة.
المشكلة إذًا ليست أن لبنان بلا مياه، بل أن لبنان يعاني من سوء إدارة المياه، وهدر الموارد، وضعف البنية التحتية وغياب المحاسبة. الدولة تعرف المشكلة، وتعرف مسؤولياتها، وتعرف أن الحل ليس بإبقاء المواطن منتظرًا الصهريج.
نحن لا نريد إلغاء الصهاريج، كما لا نريد إلغاء المولدات؛ نريد أن نصل إلى اليوم الذي لا نحتاج فيه إليهما كبديل دائم عن الدولة.
نريد أن نعرف أين تذهب المياه، ومن يستخرجها، ومن يبيعها، ومن يراقبها، ومن يحاسب المخالف. ونريد من وزارة الطاقة والمياه أن تجيب الناس بالأرقام والخطط والنتائج، لا بالبيانات والوعود فقط.
فالمواطن اللبناني لم يعد يريد أن يسمع أن المياه «ستعود قريبًا». يريد أن يفتح حنفيته فتأتي المياه.
لبنان ليس بلدًا بلا مياه… لبنان بلدٌ حُرم من مياهه بسبب سوء الإدارة والتقصير وغياب المحاسبة.
والسؤال الذي يجب أن يوجَّه اليوم إلى كل مسؤول:
إذا كانت مياه لبنان حقًا عامًا، فلماذا يدفع المواطن ثمنها للصهريج؟ ومن المستفيد من بقاء الدولة غائبة؟ وإلى متى سيبقى اللبناني رهينة الصهريج كما أصبح رهينة المولد؟
نريد دولة تصل قبل الصهريج… لا دولة تصل بعده.











































































