اخبار لبنان
موقع كل يوم -لبنان الكبير
نشر بتاريخ: ٢٣ أذار ٢٠٢٦
في دوحة عرمون، التابعة إدارياً لبلدية الشويفات، تتقاطع الطرق كما تتقاطع مصائر الناس في زمن الحرب. هذه المنطقة التي شكّلت منذ الأيام الأولى للتصعيد ملاذاً لآلاف النازحين، تبدو اليوم تحت ضغطٍ يوميٍّ متزايد، مع حركة سير خانقة واكتظاظ سكاني غير مسبوق، فرضته موجات النزوح والبحث عن الأمان في بقعة تُعدّ نسبياً أكثر استقراراً من غيرها.
غير أنّ الصورة لا تكتمل من دون الإصغاء إلى أصوات السكان، الذين يعبّرون عن قلقٍ متصاعد حيال ما يصفونه بضعف الحضور الأمني في المنطقة. فمع ازدياد الكثافة البشرية ووقوع بعض الإشكالات التي كادت تتطور إلى مواجهات، ترتفع تساؤلات الأهالي والفعاليات المحلية حول واقع المتابعة الأمنية، في ظل غيابٍ ملحوظ للدوريات والحواجز مقارنة بمناطق أخرى. وبين ضغط النزوح وهواجس الأمن، تقف دوحة عرمون أمام اختبارٍ دقيق، يتداخل فيه الإنساني باليومي، والأمني بالمعيشي.
تتعرّض المنطقة اليوم لانتقادات متزايدة، في ظل تعبير عدد من السكان عن استيائهم مما يعتبرونه ضعفاً في مستوى المتابعة والصرامة من قبل البلدية، مقارنةً ببلديات أخرى. ويعزو هؤلاء ذلك إلى كثافة الوافدين إلى المنطقة، من دون تدقيقٍ كافٍ أو آليات واضحة لتنظيم هذا الواقع والحد من أي احتكاكات محتملة.
وفي هذا السياق، يستحضر الأهالي حادثة وقعت في وقت سابق، حين أقدم أحد الأشخاص، الذي وصفه بعض السكان بـ'عديم الأخلاق والفهم'، على تهديد من حوله مستخدماً سلاحه، مطلقاً عبارة: 'كلكن تحت صرماية حزب الله'، ما أثار حالة من القلق والاستياء في أوساط السكان، خصوصاً في ظل الظروف الحساسة التي يمر بها البلد.
وبين هذه الوقائع والهواجس المتزايدة، يطرح السكان اليوم تساؤلات مشروعة حول طبيعة الواقع الأمني في دوحة عرمون، وكيفية إدارته في ظل الظروف الاستثنائية التي تشهدها، وهو ما يفتح الباب أمام مقاربة هذا الملف من زاويتين: بلدية ورقابية من جهة، ومجتمعية من جهة أخرى.
الجردي لـ'لبنان الكبير': صادرنا أكثر من 30 بندقية كلاشنكوف وذخائر
أوضح رئيس بلدية الشويفات، نضال الجردي، في حديثٍ لموقع 'لبنان الكبير'، أن البلدية تعمل بتنسيق كامل ومباشر مع الأجهزة الأمنية، مشدداً على أن الوضع الأمني 'تحت السيطرة' رغم التحديات القائمة.
وأشار الجردي إلى أن الجيش اللبناني، ومخابرات الجيش، وقوى الأمن الداخلي، جميعها متواجدة بشكل دائم في المنطقة، لافتاً إلى عقد اجتماع أمني موسّع شاركت فيه البلدية إلى جانب هذه الأجهزة، بهدف تنسيق الجهود وتعزيز الاستقرار.
وأكد أن البلدية تعتمد آلية متابعة دقيقة للشقق السكنية، بحيث يتم التعامل فوراً مع أي شكوى ترد من المواطنين حول وجود حالات مشبوهة، قائلاً: 'أي شقة يُبلّغ عنها، تتحرك فوراً دورية من شرطة البلدية برفقة المختار، ويتم الدخول إلى الشقة والتأكد من هوية القاطنين وإجراء تعدادٍ لهم'.
وأضاف أن هذه الإجراءات تُنفّذ بشكل يومي ومنهجي، بالتوازي مع تسيير دوريات مستمرة لشرطة البلدية على مدار النهار، تغطي مختلف الأحياء والمفارق، ما ساهم في تحسين الواقع الأمني وتخفيف المخاوف لدى السكان.
وفي معرض رده على المخاوف التي أثارها بعض المواطنين، أشار الجردي إلى أن البلدية تعاملت بجدية مع حادثة سابقة تم تداولها عبر مواقع التواصل الاجتماعي، حيث ظهر أحد الأشخاص وهو يهدد بالسلاح، موضحاً أنه 'فور انتشار الفيديو، تحركت البلدية بالتعاون مع مخابرات الجيش، وتمت مداهمة المكان المعني، ولم يعد الشخص إلى المنطقة بعد ذلك'.
وشدد الجردي على أن البلدية حريصة على الوصول إلى جميع المواطنين والتأكد من سلامتهم، مؤكداً أن 'أي بلاغ يتم التعامل معه فوراً، ولا يتم تجاهل أي شكوى'.
وكشف عن تنفيذ عمليات تفتيش واسعة طالت مئات الشقق، خصوصاً في المناطق الممتدة بين دوحة عرمون ولوحة الشويفات، حيث تم الدخول إلى ما بين 300 و400 شقة، بناءً على شكاوى أو ضمن إجراءات استباقية، مضيفاً: 'في حال العثور على أسلحة، تتم مصادرتها فوراً وتسليمها إلى مخابرات الجيش، وقد قمنا بمصادرة عدد كبير من القطع، منها أكثر من 30 بندقية كلاشنكوف وذخائر'.
وفي سياقٍ متصل، لفت الجردي إلى اعتماد نظام بطاقات تعريف للسيارات، حيث يتم وضع بطاقات صادرة عن البلدية على سيارات القاطنين، بهدف ضبط حركة السير والتعرّف إلى المركبات، مشيراً إلى أن 'أي سيارة لا تحمل بطاقة تُتخذ بحقها الإجراءات اللازمة'.
أما على صعيد أعداد النازحين، فقد كشف الجردي أن عددهم في نطاق بلدية الشويفات يصل إلى نحو 60 ألف نازح، إضافة إلى حوالى 2000 شخص يقيمون في مراكز الإيواء، موضحاً أن البلدية عملت على تنظيم أوضاعهم بالتعاون مع الجهات المعنية، بما في ذلك مجلس الجنوب.
وأكد أن جميع النازحين المسجلين لديهم بيانات واضحة، كما تم تنظيم أوضاع السيارات الخاصة بهم عبر البطاقات البلدية، بهدف ضبط أي فوضى محتملة.
وفي ختام حديثه، شدد الجردي على أن العمل الأمني مستمر بالتعاون مع الأجهزة المختصة، لافتاً إلى أن 'أي شقة يتم الاشتباه بها تُفتَّش فوراً، ولا يوجد أي تهاون في هذا الملف'، مضيفاً أن الجهود المتواصلة ساهمت في الحفاظ على الاستقرار، رغم الكثافة السكانية الكبيرة التي تشهدها المنطقة.
وختم بالتأكيد أن 'الوضع مضبوط، والأجهزة الأمنية والبلدية في حالة استنفار دائم، ولن يُسمح بزعزعة الأمن في دوحة عرمون'.
وفي مقابل هذا العرض البلدي للواقع الأمني، يقدّم المجتمع المحلي قراءة موازية تعكس هواجسه وتفاصيل يومياته، إذ أعرب الناشط الاجتماعي فراس جوهر، في حديث لموقع 'لبنان الكبير'، عن قلقه من الوضع الأمني في منطقة دوحة عرمون، في ظل الظروف الحالية ووجود أعداد من النازحين، معتبراً أن المرحلة 'حساسة' وتتطلب جهداً مضاعفاً من الجهات المعنية، لا سيما على المستوى البلدي.
وأوضح جوهر أن الأجهزة الأمنية، بما فيها الشرطة والشرطة البلدية، متواجدة في المنطقة وتقوم بواجباتها، مشيداً بجهودها، لكنه أشار في المقابل إلى أن ذلك لا يعني أن الأوضاع ممسوكة بالكامل أو أن خطر التوتر غائب، لافتاً إلى وجود تصرفات فردية استفزازية قد تؤدي إلى إشعال الفتنة في أي لحظة.
وفي هذا السياق، روى حادثة مرّ بها شخصياً أثناء تنقله في المنطقة، حيث صادف سيارة تبث موسيقى بصوت مرتفع جداً وتتضمن عبارات ذات طابع طائفي واستفزازي، معتبراً أن مثل هذه الممارسات تعكس حالة من الفوضى وتؤشر إلى غياب الضبط الكافي، قائلاً إن 'البعض يتصرف وكأنه يبحث عن افتعال مشاكل'.
ورأى جوهر أن البلدية مطالبة بلعب دور أكبر في ضبط الوضع الأمني، مشيراً إلى أن ما يجري حالياً لا يواكب حساسية المرحلة، خصوصاً عند مقارنته ببلديات أخرى تتسم بقدر أعلى من الصرامة والانضباط.
ولم يقتصر انتقاد جوهر على الجانب الأمني، بل توسّع ليشمل الواقع الخدماتي في المنطقة، متحدثاً عن تدهور واضح في البنية التحتية، من انتشار الحفر في الطرقات، إلى تراكم النفايات، وغياب الإنارة، إضافة إلى تسجيل حالات سرقة، مؤكداً أن هذه المشاكل موثقة بفيديوهات يتم تداولها عبر مواقع التواصل الاجتماعي.
وأشار إلى أن الأهالي تواصلوا مراراً مع أعضاء البلدية وقدموا شكاوى واقتراحات، إلا أن الاستجابة بقيت محدودة، ما دفع بعض السكان إلى المبادرة الفردية لمعالجة بعض المشاكل، كإصلاح الحفر وردمها على نفقتهم الخاصة.
كما لفت إلى شعور شريحة واسعة من سكان دوحة عرمون بالتهميش، معتبراً أن المنطقة لا تحظى بالاهتمام الكافي من قبل بلدية الشويفات، ومشيراً إلى أن هذا الإهمال قد يكون مرتبطاً باعتبارات انتخابية، نظراً لكون عدداً كبيراً من السكان ليسوا من الناخبين المسجلين ضمن نطاق البلدية.
وختم جوهر بالتأكيد أن دوحة عرمون تملك مقومات كبيرة لتكون منطقة نموذجية، إلا أن غياب التخطيط والاهتمام البلدي يحول دون ذلك، معتبراً أن تحسين الواقع الحالي ليس أمراً مستحيلاً في حال توفرت الإرادة الجدية والعمل المنظم.











































































