اخبار لبنان
موقع كل يوم -جريدة اللواء
نشر بتاريخ: ٢٦ حزيران ٢٠٢٦
نوال أبو حيدر
يشكّل الأمن الغذائي اليوم أحد أكثر القضايا حساسية وتعقيدا، ولا سيما في الدول التي تعاني من أزمات اقتصادية واجتماعية متراكمة مثل لبنان. فالمسألة لم تعد تقتصر على مجرد توفير الغذاء في الأسواق، بل أصبحت ترتبط بمنظومة متكاملة تشمل الإنتاج المحلي، سلاسل التوريد، القدرة على ضبط الأسعار، وحماية المستهلك من التقلّبات الحادّة التي قد تهدّد استقراره المعيشي اليومي.
وفي لبنان، يكتسب هذا الموضوع أهمية مضاعفة في ظل الظروف الاقتصادية الصعبة التي أدّت إلى تراجع القدرة الشرائية لدى شريحة واسعة من المواطنين، وارتفاع معدلات التضخم بشكل غير مسبوق، ما جعل الحصول على الغذاء الأساسي تحدّيا يوميا لفئات متعددة من المجتمع. كما أن الاعتماد الكبير على الاستيراد، مقابل ضعف الإنتاج المحلي في بعض القطاعات الزراعية والصناعية، زاد من هشاشة السوق الغذائي وجعله أكثر عرضة للتقلبات الخارجية والأزمات العالمية.
إلى جانب ذلك، يطرح ملف الأمن الغذائي إشكاليات عميقة تتعلق بفعالية السياسات العامة، ودور الجهات الرقابية، وحدود تدخّل الدولة في ضبط الأسواق. فبين تعدد المؤسسات المعنية من جهة، واستمرار الأزمات من جهة أخرى، يبرز تساؤل جوهري حول مدى فعالية هذه المنظومة وقدرتها على تحقيق الاستقرار الغذائي للمواطنين.
ومن هنا، يصبح الأمن الغذائي أكثر من مجرد قضية اقتصادية، بل يتحوّل إلى مؤشر أساسي على الاستقرار الاجتماعي والسياسي، وإلى مرآة تعكس قدرة الدولة على حماية مواطنيها في ظل الأزمات. وهذا ما يفتح المجال أمام إشكالية محورية: هل ما يعيشه لبنان اليوم هو مجرد إدارة مؤقتة لأزمات متلاحقة، أم أنه يعكس غياب رؤية استراتيجية طويلة المدى قادرة على ضمان أمن غذائي مستدام؟
معادلة ثلاثية للأمن الغذائي
من هذا المنطلق، يقول رئيس نقابة مستوردي المواد الغذائية، هاني بحصلي لصحيفة «اللواء» إنه «أولا، يجب تعريف الأمن الغذائي قبل الدخول في أي تفصيل. فهو ينقسم إلى ثلاثة أقسام: وجود الغذاء، أي تأمينه واستيراده؛ ثم الوصول إلى الغذاء، من حيث القدرة على الوصول إلى مكان الشراء والتمكن من دفع الكلفة المطلوبة؛ وأخيرا صحة الغذاء، أي أن تكون البضائع صالحة وغير فاسدة».
ويتابع: «منذ عام 2019، وضعنا هذه المعادلة الثلاثية بهدف تحديد موضع الخطر بدقة في ملف الأمن الغذائي. وانطلاقا من ذلك، لا أوافق على القول إن الأمن الغذائي في لبنان أصبح ملف إدارة أزمات مؤقتة. على العكس، أرى أنه أقوى من أي رؤية استراتيجية، لأنه يستند إلى مقاربة واضحة تتيح تشخيص مكامن الخلل وتحديد التحديات الفعلية ضمن عناصره الأساسية الثلاثة».
أسباب ارتفاع الأسعار
وعن ارتفاع الأسعار، يقول البحصلي إن «الحديث يجب أن ينطلق من التحديات التي شهدتها المرحلة الأخيرة، والتي بدأت قبل أزمة الخليج مع رفع أسعار المحروقات وفرض الضريبة المخصصة لتغذية صندوق المتقاعدين العسكريين، ما انعكس على مختلف النفقات التشغيلية. ويضيف أن الحرب بدورها خلقت تحديات أكبر وأوسع أثرا».
ويوضح أنه «منذ عام 2024 برزت مشكلات في إيصال البضائع إلى المناطق المختلفة، إلى جانب تداعيات ملف النازحين، الأمر الذي أدّى إلى ارتفاع الأسعار بنسب تراوحت بين 5% و10%».
ويشير البحصلي إلى أن «الأزمة لم تكن لبنانية فحسب، بل اتخذت طابعا عالميا»، معتبرا أنه «من غير المنطقي ربط ارتفاع الأسعار بفشل الرقابة». ويؤكد أن «المقاربة التي يؤمن بها لا تقوم على الرقابة بهدف خفض الأسعار، بل على فتح الأسواق أمام منافسة واسعة ضمن ضوابط قانونية واضحة، بالتوازي مع مكافحة التهريب وضبط البضائع المزورة والمتدنية الثمن».
الأمن الغذائي حق للجميع!
وردّا على سؤال حول ما إذا كان الأمن الغذائي في لبنان يتحوّل تدريجيا من حق أساسي للمواطن إلى امتياز طبقي مرتبط بالدخل والقدرة الشرائية، يؤكد البحصلي أنه «لا يوافق على هذا الطرح، معتبرا أن الأمن الغذائي هو بالفعل حق أساسي لجميع المواطنين بغض النظر عن انتماءاتهم أو أوضاعهم الاجتماعية والاقتصادية».
ويشدّد على أن «الأمن الغذائي لا يقاس بالطبقات، بل يرتكز على عناصره الأساسية الثلاثة: وجود الغذاء، وإمكانية الوصول إليه، وسلامته وصحته». ويضيف أن «هذه الحقوق يجب أن تكون متاحة للجميع من دون استثناء، باعتبار أن الأمن الغذائي حق جامع لا امتيازا محصورا بفئة دون أخرى».
صمود رغم الأزمات
وعن تفسير استمرار هشاشة السوق الغذائي رغم تعدد الجهات الرقابية والمؤسسات المعنية، يرفض البحصلي أساسا توصيف السوق الغذائي بالهشاشة، معتبرا أنه «سوق متطور أثبت قدرته على الصمود في مواجهة الأزمات المتلاحقة. والدليل على ذلك يتمثل في عدم تسجيل أي أزمة غذائية حقيقية خلال السنوات العشر الماضية، رغم الظروف الاستثنائية التي مرّ بها لبنان». كما يشيد بالتعاون الذي أبدته الجهات المعنية المختلفة للمساهمة في تأمين الغذاء والحفاظ على استمرارية توافره في الأسواق.
وفي المقابل، لا ينكر البحصلي «وجود تحدّيات ومشكلات قائمة، من بينها العقبات المرتبطة بالمرفأ، ونقص الموظفين، وأزمات القطاع العام، والإضرابات، إضافة إلى واقع المختبرات». إلّا أنه يؤكد أن «هذه الصعوبات لم تؤدّ إلى هشاشة في السوق الغذائي»، مشدّدا على أن «القطاع الخاص لعب الدور الأساسي في تأمين الأمن الغذائي والحفاظ على استقرار الإمدادات رغم كل التحديات».
الاستيراد والصناعة: تحدّيات واحدة
وفي ختام حديثه، يرى البحصلي أن «لبنان لا ينتج ما يستهلكه بالاعتماد الكامل على إمكاناته، إذ حتى الصناعة المحلية ترتكز بشكل كبير على الاستيراد، ما يجعل الفصل بين البضائع المستوردة والمحلية غير دقيق. فعندما تواجه حركة الاستيراد تحديات، فإن المصانع المحلية تتأثر بالتحديات نفسها، نظرا لارتباطها المباشر بسلاسل التوريد الخارجية».
ويختم: «بالإشارة إلى أن الصناعة المحلية تواجه في الواقع تحديات أكبر من تلك التي يواجهها الاستيراد، ما يعكس عمق الترابط بين القطاعين في السوق اللبناني».











































































