اخبار لبنان
موقع كل يوم -نافذة العرب
نشر بتاريخ: ٢٨ أيلول ٢٠٢٦
تتأسس البيوتُ التقليدية في عمقها على فضيلة الحجب؛ إذ تُبنى الجدران كي تُخفي، ويُصاغ الصمت العائلي كي يبتلع الفضائح والندوب. لكن في رواية عادل الدوسري 'بيت عزيز'، تنهار وظيفة الحيز المكاني (البيت) بمجرد أن يسقط القناع الأول بعد موت الأم التي كانت مركز الأساسات الراسخة، فيتحول 'هذا البيت' من جغرافيا للاختباء إلى منصة يعرّي الكاتب قاطنيها بالكامل أمام قُرائه. وبعد أن كان مجرد بيت في مجتمع عربي محافظ يصبح انعكاساً يمثل هذا المجتمع بأكمله، وينقل تفاصيل دقيقة لأخلاقياته ومشكلاته البنيوية عبر شخصيات الرواية، مع مراعاة أن النص هنا لا يشرّح تفككاً أسرياً بالمعنى الاجتماعي الدارج، إذ يذهب أبعد من ذلك ليجعل من الجسد وحميميته الغريزية اللغة الوحيدة الصادقة والوحشية المتبقية للشخصيات؛ إنه فعل المقاومة الأخير ضد التيبّس والكبت، والمرآة الحقيقية التي لا تخجل من فضح العورات النفسية للخائفين والهاربين تحت هذا السقف.
قدّم الدوسري حكاية زمنين متصادمين يمكن أن نسميهما بـ'قبل الموت' و' بعد الموت' داخل بنية روائية مأزومة؛ فزمن متصلب وساكن يمثله عجز الأب في البدايات وثبات وتيرة حياة بعض الأشقاء، مقابل زمن متفجر وديناميكي يلهث خلف الانعتاق ويتخبّط أفراده في بؤرة الصراع الوجودي سعياً إلى تحقيق متأخر للذّات. وضمن هذا الاختلال العنيف في موازين القوى والغرائز، تتجرد الشخوص من لغتها المستعارة لتتحدث بِلغة أجسادها ورغباتها الكامنة، حيث يصبح الجنس هتكاً مقصوداً للمستور، وتتفاوت مصائر الأفراد بين من يمتلك القدرة على التحول والانعتاق من أسر الماضي، ومن يظل ساكناً فتطحنه رحى التغيير الدائرة حوله، ليبقى السؤال معلقاً فوق أنقاض ما انهار: هل يملك الأبناء حقاً فرصة للنجاة بعد أن تتقوض الأعمدة الأولى؟
الجسد بوصفه 'الهو' المتمرد
يتجلى الحضور الكثيف والحاد للحياة الجنسية لشخصيات 'بيت عزيز' كإحالة سيكولوجية عميقة على 'عقدة الكبت' (Repression) فوفقاً للمنظور الفرويدي: لا تتلاشى الطاقة الديناميكية للمكبوت، بل تظل تبحث عن منافذ بديلة للعودة إلى سطح الوعي. ينهض 'البيت' ببنيته التقليدية الصارمة، وصمته الثقيل، وسلطة الأم الحاضرة في حياتها ثمَّ بعد غيابها، ليمثل تجسيداً مادياً لـ 'الأنا العليا' (Super-Ego)؛ ذلك الرقيب الأخلاقي المتصلب الذي يفرضه المجتمع لدفن الرغبات وتنميط السلوك. وفي المقابل، تنفجر الممارسات الحميمية للشخصيات كاندلاع عنيف لـ 'الهو' (Id)، المستودع الغريزي اللامشروط الذي يرفض الانصياع لمنطق الجدران؛ فيتخذ الجنس في الرواية صفة 'نزوة الحياة' (Eros) المستميتة في مواجهة 'غريزة الموت' (Thanatos) والتلاشي التي خيمت على المنزل بعد الفقد. إنه فعل مقاومة وجودي، تتثبّت من خلاله الشخصيات من جدارتها بالوجود، وتهتك به حجاب الزيف الذي فرضه السقف المشترك في كل فصل من فصول العمل دون استحياء. يتحول الجسد هنا إلى مرآة الحقيقة العارية، حيث يتجرد الإنسان في لحظة شبقه (في حالة عاطف) أو إحباطه الغريزي (في حالة علي) من قناع 'الأنا' الاجتماعي المصطنع، ويعود إلى بدائيته الأولى، مما يمنح النص أداة تعرية سيكولوجية تكشف مكامن الخوف، والضعف، والرغبة في الانعتاق من إرث العائلة الثقيل.
تكتمل هذه المأساة عبر شخصية 'عبير'، التي تعيش اغتراباً جسدياً ونفسياً حاداً يتجلى في نفورها من زوجها، ويرتبط هذا النفور بآلية 'تذويت الذنب' (Introjection of Guilt)؛ حيث تحمل عبير في أعماقها شعوراً خانقاً بالخطيئة تجاه فعل لم ترتكبه، بل وقع عليها ليحيلها ضحيةً لتحرش شقيقها في الطفولة، وهو ما يفسره فرويد بفكرة أن الضحية تمتص الجريمة في لا وعيها لتتحول إلى جلاد لنفسها. ينمو هذا العصاب السلوكي في ظل الهيمنة المطلقة للأم 'نشمية'، التي قدمها الكاتب بوصفها شخصية ثلاثية الأبعاد، بكامل تفاصيلها النفسية والجسدية وما وراءها، لتكون الشخصية المسيطرة والمحورية، التي صيغت بصرامتها وعمدت إلى نفي 'عبير' وتزويجها قسراً لدفن الفضيحة، مضحيةً بسلامة ابنتها النفسية في سبيل الواجهة الاجتماعية، وهو ما فعلته مع علياء أيضاً ولكن بطريقة مختلفة. ليمتد أثر سطوتها وينعكس على مصائر الأبناء حتى بعد رحيلها الجسدي.
تطور الشخصيات وتمردها على المؤلّف
يلحظ في الرواية أن جذور التصدع السلوكي داخل البيت تتكشف عبر العودة إلى صدمات الطفولة المبكرة، فيضع الكاتب يده على التناقضات البشرية ليعيد تفكيك شخصياته والدفاع عن تركيبتها الإنسانية عبر تقديم التفسير السيكولوجي الكامن وراء أفعالها. يظهر ذلك جلياً في أزمة 'عاطف' الوجودية المتمثلة في عقم بيولوجي (وفقاً لنبوءة جدّته) يهدد فحولته وامتداده الرمزي في الحياة، وتتبدى استماتته للحصول على ابن كحالة 'تعويض' (Compensation) فرويدية كلاسيكية، يسعى من خلالها إلى ترميم رجولته الجريحة وصورته المهتزة أمام ذاته، فتتقلص المسافة الإنسانية بينه وبين زوجته لتتحول في وعيه إلى جدول زمني ومواقيت بيولوجية مرتبطة بدورتها الشهرية، مختزلاً كيانها في وظيفة الخصوبة الغائبة ومحاولاً لجم الخوف من الفناء والعجز، وهو ما يحيله المؤلف على مشكلات نفسية من مرحلة الطفولة كانت 'لنشمية' اليد الطولى في تشكلها. أما أكثر الشخصيات خضوعاً لتحولات بنيوية وتطور في الرواية فهي شخصية 'علي'، الذي يحمل في لا وعيه ندبة سيكولوجية شلّت قدرته على ممارسة حياته الحميمية مع زوجته بسبب صدمة الطفولة المتمثلة في 'المشهد البدئي' (The Primal Scene)؛ تلك الليلة التي تسلل فيها صبياً إلى غرفة والديه ليشهد -عن غير قصد- تفاصيل علاقتهما الجسدية دون أن ينتبها إليه، مما أنتج ربطاً شرطياً بين الجنس والذنب، وجعل تواصله الجسدي اللاحق ساحة للمواجهة مع خوف قديم. ومع ذلك، يتمايز 'علي' بديناميكية لافتة؛ إذ يمثل عَرَضه النفسي محركاً للمقاومة والبحث عن الانعتاق، فيسعى بمرور الوقت إلى مواجهة إرث الماضي لينمو ويتطور من خلال علاقته بمريم التي أصلحت في داخله شيئاً، لكن غيابها اللاحق حطم أشياء كثيرة.
من جانب آخر يُلحظ ثبات شبه تام في شخصية 'عمر' الذي يظل ساكناً في تكراره ومراحله السلوكية مستسلماً للبنية الراكدة المدعومة بنظرياته الحسابية التي تبدو بعيدة البعد كلّه عن المشاعر الإنسانية. وفي المقابل، يبرز الأب 'عزيز' كقوة كامنة ظلت متوارية في الهامش طوال الفصول الأولى، متدثرة بالصمت الحرفي (الخرس) والغياب الرمزي، حتى الجزء الأخير من الرواية حيث يتأخر بزوغه ليحدث تحولاً بنيوياً حاسماً، فينتفض من عزلته ليتولى القيادة الفعلية، ممثلاً استعادة لسلطة 'الأب البدئي' الصارم، في محاولة لفرض النظام وضبط الانفلات الغريزي والأخلاقي الذي عصف بالأبناء. هذا التداخل والتحول المفاجئ في المصائر هو ما يفسره عادل الدوسري نفسه في شهادته حين قال: 'لم تبدأ بيت عزيز كما انتهت.. كنت أظن أنني أمسك بالنهاية منذ البداية، وأن الكتابة مجرد تنفيذ هادئ.. لكن، ما إن بدأت الكتابة فعلياً حتى حدث ما لم أكن مستعداً له.. انفلت النص من الخطة'. هذا الانفلات هو الذي منح الشخصيات حريتها لتعبّر عن كبتها وعقدها، ولتتحرك وفق حتميتها النفسية لا وفق إرادة المؤلف.
العتبة الأخيرة: فلسفة النهايات المواربة
تظهر القيمة الفنية لـ 'بيت عزيز' في قدرة عادل الدوسري على جعل النص ساحة لتصادم الثنائيات الضدية الكبرى وتمازجها؛ إذ يتحرك السرد في مسافة حرجة بين الحياة والموت، والنظام والفوضى، والحرية والقيود، والبقاء والفناء، ويتبدى غياب الأم كموت فيزيائي يُفجر في المقابل اندلاع غريزة الحياة لدى الأبناء عبر أجسادهم، ومحاولاتهم لكسر القيود التي أصبحت شرطياً داخلياً يراقبهم حتى في غيابها، وتتحول فوضى الغرائز والانفلات التي وصلت ذروة التخبّط حين محاولة انتحار أحد أفرادها، إلى دافع حتمي قاد الأب في النهاية إلى محاولة إعادة ضبط المنظومة، وتشكيل أبعاد جديدة للنظام الأسري بالخروج من حالة الصمت الأبدي التي فرضها على نفسه والأخذ بزمام الأحداث. وفي ظل هذا التجاذب العنيف، تتمايز ثنائية البقاء والفناء ببعدها النفسي الخالص؛ إذ لا يرتبط الفناء بالغياب البيولوجي بقدر ارتباطه بالنسيان وتلاشي الأثر، في حين يتجسد البقاء كنزوع مستميت نحو الخلود وامتداد الذاكرة التي تقاوم الاندثار، مما جعل العمل تشريحاً وجودياً حاداً للتناقضات الإنسانية التي تؤسس البيوت وتدفعها نحو مصائرها.
تنتهي الرواية بصياغة مشهد ختامي يتجاوز القوالب الجاهزة؛ فلا هي نهاية تراجيدية بالمطلق تُغلق الأبواب على دمار كلي، ولا هي نهاية مفتوحة بالكامل تترك المصائر معلقة في الفراغ؛ إذ اختار المؤلف بذكاء وحدس روائي عالٍ منطقة وسطى أعاد فيها ترتيب موازين القوة داخل البيت بظهور الأب، لكنه في الوقت ذاته ترك مساحة لا بأس بها لتأويل القارئ وهواجسه حول قدرة هذه الشخصيات على التعافي الحقيقي من ندوب الطفولة، والتحرر من نسيانها المتربص. فجاءت النهاية لتمنح النص عمراً أطول في وعي المتلقي، وتؤكد أن 'بيت عزيز' أكثر مجرد حكاية عائلية تنتهي بإغلاق الصفحة الأخيرة، فهو بنية رمزية مستمرة ومفتوحة على تساؤلات الكبت والحرية والانعتاق التي تعيشها كثير من العائلات في مجتمعاتنا.
عبير الديب











































































