اخبار فلسطين
موقع كل يوم -وكالة شهاب للأنباء
نشر بتاريخ: ٥ تموز ٢٠٢٦
خاص / شهاب
تختزل مدينة الخليل اليوم واحدةً من أكثر صور الاستيطان والضم الإسرائيلي وضوحًا في الضفة الغربية، ولا سيما في محيط الحرم الإبراهيمي. لم تعد الحياة تسير بإيقاعها الطبيعي، بل باتت محكومة بمنظومة من الحواجز والإغلاقات والإجراءات التي أعادت تشكيل المكان تدريجيًا. وبينما تتداخل الاعتبارات الأمنية والدينية مع المشاريع الاستيطانية، تتغير معالم المدينة شيئًا فشيئًا، في مشهد يعكس مسارًا متسارعًا لفرض وقائع جديدة على الأرض.
ولم يكن هذا الواقع وليد الأشهر الأخيرة، بل جاء نتيجة مسار متدرج استهدف توسيع السيطرة 'الإسرائيلية' على المدينة، وتقليص الدور الفلسطيني في إدارتها. فمنذ مطلع العام، اتخذت حكومة الاحتلال سلسلةً من القرارات التي نزعت تدريجيًا صلاحيات التخطيط والبناء من بلدية الخليل، ونقلتها إلى ما يسمى 'الإدارة المدنية' التابعة للاحتلال، بما أتاح تنفيذ مشاريع كانت البلدية ترفضها، وفي مقدمتها مشروع تسقيف صحن الحرم الإبراهيمي.
آخر مظاهر الولاية
ولم تمضِ أسابيع حتى تُرجمت هذه القرارات إلى خطوات ميدانية، شملت إزالة المظلة القائمة في صحن المسجد تمهيدًا لتسقيفه، والمصادقة على إنشاء أول مبنى ديني يهودي داخل المدينة من دون أي موافقة فلسطينية، بالتزامن مع الدفع بمخططات استيطانية جديدة في محيط الخليل والضفة الغربية.
وتحذر مؤسسات فلسطينية مختصة بمتابعة الاستيطان من أن القرارات الإسرائيلية الأخيرة في الخليل تتجاوز كونها تعديلات إدارية أو تنظيمية، لتشكل تحولًا في آليات إدارة المدينة، عبر نقل صلاحيات كانت تمثل أحد آخر مظاهر الولاية الفلسطينية في المناطق الخاضعة للسيطرة الإسرائيلية إلى مؤسسات الاحتلال.
وترى أن هذه الخطوات تفتح الباب أمام مرحلة جديدة من تكريس الضم الفعلي، من خلال منح سلطات الاحتلال حريةً أوسع في التخطيط العمراني وتنفيذ المشاريع الاستيطانية، بعيدًا عن أي دور للجهات الفلسطينية.
وفي ورقة موقف أصدرتها هيئة مقاومة الجدار والاستيطان بعنوان 'الخليل في مرمى الضم'، اعتبرت الهيئة أن القرار الإسرائيلي يستهدف بصورة مباشرة الترتيبات التي أرساها بروتوكول الخليل، الموقع عام 1997، والذي أبقى، رغم تقسيم المدينة، عددًا من الصلاحيات المدنية والتنظيمية بيد المؤسسات الفلسطينية، خاصة في ملفات التخطيط والبناء والخدمات داخل المنطقة المعروفة بـ'H2'.
وترى الهيئة أن انتزاع هذه الصلاحيات لا يقتصر على تقليص الدور الإداري الفلسطيني، بل يؤسس لمرحلة تتولى فيها سلطات الاحتلال إدارة ملفات التخطيط والتنظيم بصورة مباشرة، بما يسمح بتسريع تنفيذ المشاريع الاستيطانية وتوسيعها، ويغير تدريجيًا المشهد العمراني والديموغرافي للمدينة، خاصة في محيط البلدة القديمة والحرم الإبراهيمي.
وتستند هذه المخاوف، وفق الورقة، إلى واقع استيطاني يتوسع بوتيرة متسارعة في محافظة الخليل، التي تعد من أكثر محافظات الضفة الغربية استهدافًا بالمشاريع الاستيطانية. وتشير البيانات إلى وجود 25 مستوطنة و80 بؤرة استيطانية في المحافظة حتى نهاية عام 2025، يقطنها أكثر من 25.8 ألف مستوطن، في وقت تواصل فيه سلطات الاحتلال استخدام أدوات التخطيط والبناء لتوسيع هذا الوجود وترسيخه على حساب الأراضي الفلسطينية.
مرمى الضم
وتلفت الورقة إلى أن عام 2025 شهد دراسة سبعة مخططات هيكلية استيطانية جديدة في محافظة الخليل، إلى جانب إنشاء 23 بؤرة استيطانية خلال العام نفسه، وهو ما يعكس، بحسب الهيئة، تصاعدًا في استخدام أدوات التخطيط العمراني كوسيلة لفرض وقائع جديدة على الأرض، وإعادة تشكيل الخريطة الجغرافية والإدارية للمدينة بما يخدم المشروع الاستيطاني، ويقوض فرص الحفاظ على هويتها الفلسطينية.
ولا يرى الناشط الحقوقي ومؤسس حركة 'شباب ضد الاستيطان'، عيسى عمرو، أن ما تشهده الخليل يقتصر على توسع الاستيطان أو تشديد الإجراءات العسكرية، بل يعتبر أن المدينة انتقلت خلال السنوات الأخيرة إلى مرحلة مختلفة تقوم على إعادة تشكيل الفضاء الفلسطيني نفسه، بحيث تصبح السيطرة الإسرائيلية جزءًا من تفاصيل الحياة اليومية، وليس مجرد وجود عسكري مؤقت.
ويقول إن هذا التحول يتجسد بوضوح في الحرم الإبراهيمي، الذي لم يعد، وفق وصفه، مجرد موقع ديني يخضع لإجراءات أمنية، بل ساحةً لإعادة صياغة الهوية والسيادة. فمنذ تقسيم المسجد عقب مجزرة عام 1994، تتراكم الإجراءات التي تستهدف تقليص الحضور الإسلامي داخله، بدءًا من القيود على دخول المصلين، ومنع رفع الأذان في مناسبات متكررة، وصولًا إلى إجراء تغييرات إنشائية في مرافقه ومحيطه، بما يعكس ــ بحسب رأيه ــ سعيًا متواصلًا لتغيير طابع المكان وترسيخ حضور المستوطنين فيه.
ويربط عمرو هذه التحولات بسلسلة من القرارات التي اتخذتها الحكومة الإسرائيلية خلال الأعوام الأخيرة، والتي يرى أنها نقلت إدارة الحرم ومحيطه من منطق الاحتلال العسكري المؤقت إلى إدارة مدنية إسرائيلية أكثر رسوخًا. ويشير إلى أن تعيين جهات استيطانية للإشراف على أجزاء من الموقع، وسحب صلاحيات التخطيط من بلدية الخليل، ومنح المؤسسات الإسرائيلية سلطة تنفيذ مشاريع داخل البلدة القديمة، كلها مؤشرات على أن إسرائيل لم تعد تتصرف باعتبارها قوة احتلال تدير منطقة خاضعة لنزاع، وإنما باعتبارها سلطة تمارس سيادتها بصورة متدرجة.
بيئةً طاردة للسكان
ولا يقتصر هذا التحول، بحسب عمرو، على الحرم الإبراهيمي، بل يمتد إلى البلدة القديمة بأكملها، حيث أصبحت الحواجز العسكرية تمثل بنيةً دائمة لتنظيم الحياة اليومية. فهذه الحواجز، كما يقول، لا تؤدي وظيفة أمنية فحسب، بل تتحكم في حركة السكان، وتحدد من يستطيع الوصول إلى منزله أو متجره أو مكان عبادته، كما تعيد رسم العلاقات الاجتماعية داخل المدينة، عبر عزل الأحياء عن بعضها البعض، وفرض منظومة من القيود تجعل أبسط تفاصيل الحياة مرتبطةً بموافقة جنود الاحتلال.
ويضيف أن هذه السياسة تخلق بيئةً طاردة للسكان الفلسطينيين، من دون اللجوء إلى قرارات إخلاء جماعية أو تهجير مباشر. فبدلًا من إخراج السكان بالقوة، تُفرض عليهم ظروف معيشية قاسية، تبدأ بتقييد الحركة، وتمر بتراجع الخدمات، وانعدام الشعور بالأمان، ولا تنتهي عند المراقبة الدائمة والاحتكاك اليومي مع الجنود والمستوطنين، الأمر الذي يدفع كثيرًا من العائلات إلى مغادرة البلدة القديمة تدريجيًا، وهو ما يصفه بسياسة 'تفريغ بطيء' للمكان.
ويرى عمرو أن أخطر ما في التجربة الجارية في الخليل أنها لم تعد حالةً محلية، وإنما أصبحت نموذجًا تعمل إسرائيل على استنساخه في مناطق أخرى من الضفة الغربية. ويشير إلى أن كثيرًا من أدوات السيطرة التي ظهرت لاحقًا في بلدات مثل حوارة والقدس، من إغلاق الطرق، والفصل بين حركة الفلسطينيين والمستوطنين، وتكثيف أنظمة المراقبة، جرى اختبارها أولًا في الخليل، قبل تعميمها على نطاق أوسع.
ويخلص إلى أن المدينة تحولت إلى ما يشبه 'مختبرًا' لتطوير أدوات السيطرة الإسرائيلية، حيث تُختبر السياسات والإجراءات الجديدة قبل نقلها إلى جغرافيا فلسطينية أخرى، وهو ما يجعل ما يجري في الخليل اليوم مؤشرًا على الكيفية التي يمكن أن تُدار بها أجزاء أخرى من الضفة الغربية مستقبلًا إذا استمر مسار الضم والتوسع الاستيطاني.

























































