اخبار لبنان
موقع كل يوم -نافذة العرب
نشر بتاريخ: ٢٠ أيلول ٢٠٢٦
يشكل الذكاء الاصطناعي مصدر استهلاك كبير للطاقة، إلا أنه في الوقت ذاته يمتلك القدرة على المساعدة في تقليل هذا الاستهلاك وتحسين كفاءة استخدام الموارد، وهو موضوع تم تناوله بعمق خلال المنتدى العالمي الرابع لأخلاقيات الذكاء الاصطناعي الذي نظمته اليونيسكو في فندق «الريتز كارلتون» بالرياض بين 15 و17 سبتمبر 2026.
برزت خلال المنتدى قضية التوازن بين النمو السريع لمراكز البيانات الضخمة التي تعتمد على الذكاء الاصطناعي من جهة، والضغوط المتزايدة التي تسببها على شبكات الكهرباء والمياه والبنية التحتية من جهة أخرى. في هذا السياق، أطلقت اليونيسكو نسخة مطورة من «منهجية تقييم الجاهزية» (RAM 2.0) وأداة جديدة للذكاء الاصطناعي والبيئة، تهدف إلى دعم صناع القرار في تقليل البصمة البيئية للأنظمة الذكية، والاستفادة منها في دعم العمل المناخي وحماية التنوع البيولوجي وتعزيز مرونة النظم البيئية. ووفقًا لليونيسكو، فإن 58 دولة قد أكملت تقييمات جاهزيتها باستخدام هذه المنهجية.
يحيى خوجة، المدير العام للذكاء الاصطناعي وتطوير الأعمال بوزارة الطاقة السعودية، شارك في جلسة تناولت العلاقة بين الذكاء الاصطناعي والبيئة والطاقة، حيث وصف العلاقة بأنها تسير في اتجاهين متقابلين. فالذكاء الاصطناعي يتطلب طاقة كبيرة ليستمر في النمو، بينما يمكن لقطاع الطاقة أن يحسن من كفاءته من خلال حلول الذكاء الاصطناعي. وأضاف خوجة أن التحدي الأكبر للحكومات يكمن في إيجاد توازن بين دعم تطور التكنولوجيا وضمان استخدام الموارد بكفاءة مع مراعاة الاستدامة البيئية والاقتصادية.
وقد قدم خوجة أمثلة عملية على الدور الفعلي للذكاء الاصطناعي في تحسين كفاءة الطاقة، مثل الاستفادة من البيانات والتحليلات الذكية لفهم استهلاك الكهرباء في الأصول الحكومية المختلفة، بما يشمل المنشآت التعليمية والصحية، وإنارة الشوارع. وأشار إلى أن الذكاء الاصطناعي قادر على تحليل كميات ضخمة من البيانات للكشف عن أنماط الاستهلاك غير الطبيعية، مما يساعد في توجيه فرق الصيانة إلى المناطق التي تستحق التدخل الفوري، وبالتالي تقليل الهدر.
وأكدت دراسات حديثة هذه المفارقة. ففي مراجعة علمية نشرت في مجلة Nature Reviews Clean Technology في يوليو 2026، تم تحذير من الضغوط المتزايدة على نظم الكهرباء والانبعاثات بسبب ازدياد مراكز البيانات الخاصة بالذكاء الاصطناعي، مع توقعات بأن يصل الطلب إلى نحو 650 تيراواط/ساعة سنويًا بحلول عام 2028. في المقابل، أظهرت دراسة نُشرت عام 2026 أن استخدام الذكاء الاصطناعي لتحسين كفاءة الطاقة في المباني يمكن أن يقلل استهلاك الكهرباء من 218.4 إلى 174.5 كيلوواط/ساعة يوميًا في المباني التجريبية، وذلك عبر التنبؤ بالاستهلاك والتكيّف مع ظروف التشغيل بشكل ديناميكي.
وحول توصياته لحكومات تسعى لمواءمة سياسات الذكاء الاصطناعي والطاقة، شدد خوجة على أن الحل لا يكمن في تحسين التقنيات فقط، بل في الحوار الشامل بين الجهات المعنية. وقال: «لا أعتقد أن الإجابة تقنية… الإجابة هي في الحقيقة الحوار»، مؤكداً ضرورة جمع أصحاب المصلحة للنقاش المستمر والتعاون الجماعي لاتخاذ قرارات متوازنة ومستدامة.
وبهذا يبرز التحول في مجال أخلاقيات الذكاء الاصطناعي من وضع المبادئ العامة إلى تنفيذها عبر أدوات وإجراءات عملية قابلة للقياس. ففي قطاع الطاقة، تظهر الأثر الحقيقي للتكامل بين الذكاء الاصطناعي والطاقة، حيث يعتمد الأول على الطاقة في تطوره، بينما يتيح الثاني فرصًا لتحسين الكفاءة عبر استخدام حلول الذكاء الاصطناعي.
يبقى أن حوكمة هذه العلاقة بين التكنولوجيا والطاقة والإنسان هي المفتاح لمستقبل مستدام، لا تتحقق فقط بالخوارزميات أو التطورات التقنية، بل بالحوار والتنسيق المشترك بين جميع الفاعلين في هذا المجال











































































