اخبار لبنان
موقع كل يوم -لبنان الكبير
نشر بتاريخ: ٢٥ تشرين الأول ٢٠٢٦
قد تحطّ العصفورة على حافة المحبرة، وتُلقي فيها خبرًا ثم تطير؛ فيغمس الكاتب قلمه، ويُخرج للناس من همسة عابرة أحكامًا تتناقلها الألسن. وتغيب العصفورة وراء الشجر، ويبقى الحبر على الورق، ويبقى في عِرض إنسان ما لا تمحوه يدٌ تمزّق الورقة.
هذا ما يستدعيه كلام متداول عن مشروع تعديل المادة الرابعة والخمسين من المرسوم الاشتراعي المنظّم لشؤون الإفتاء والأوقاف؛ ترويه هنا )عصفورة(، وتسنده هناك مصادر لا تُسمّى؛ فهذا يتشدّق، وذاك يزيد. وتتراوح الروايات بين الجزم بمخطط لإقصاء المنافسين على منصب مفتي الجمهورية، والقول بحصر قرار المجلس الشرعي في أربعة أعضاء، والتخوّف من توسيع صلاحيات اللجنة القضائية. ولكلّ دعوى مقدارها من الإثبات؛ فلا يقوم الاحتمال مقام النصّ، ولا يغني السؤال عن الدليل الذي توحي عبارته بوجوده.
وقبل مناقشة التفاصيل، ينبغي ضبط صفة النصّ المطروح: إنه مشروع تعديل معروض للمناقشة أمام المجلس الشرعي الأعلى، ولم يصبح بعدُ نصًّا مُقرًّا. فما يثيره من إشكالات في الصياغة أو الاختصاص أو ضمانات المراجعة، محلّه البحث والتوضيح والتصويب عند مناقشته. وليس المشروع فوق النقد، لكن نقده يقتضي عرضه بأمانة، وتحديد مواضع الاعتراض عليه؛ أمّا تصويره كأنه أمر نافذ اكتملت به السيطرة على المؤسسة، فيتجاوز مضمون النصّ والمرحلة التي بلغها معًا.
فأين يتضمن المشروع منح اللجنة القضائية سلطة البتّ في الترشيح لمنصب مفتي الجمهورية؟ إن البند المتعلق بالترشيحات يذكر مفتي المناطق وعضوية المجلس الشرعي والمجالس الإدارية الوقفية. أمّا الترشيح لمنصب مفتي الجمهورية، فقد نظّمته المادة السابعة، بصيغتها المعدّلة، في جلسة الانتخاب، باقتراح من أحد أعضاء المجلس وتأييد عضوين آخرين. فمن أراد أن يجعل المشروع بابًا لإقصاء المرشحين لهذا المنصب، فعليه أن يبيّن كيف استخرج منه سلطة لم يذكرها، وكيف تجاوز النصّ الذي ينظّم الترشيح.
وأمّا الاستناد إلى تسمية 'مفتي بيروت' لإدخال مفتي الجمهورية في عداد مفتي المناطق، فيغفل التحوّل الذي كرّسه المرسوم رقم ٢٩١، الصادر في التاسع من تموز سنة ١٩٣٢، بتسمية مفتي بيروت مفتيًا للجمهورية اللبنانية. ثم جاء المرسوم الاشتراعي المنظّم للإفتاء، فجعل لهذا المنصب أحكامه الخاصة في الترشيح والانتخاب. فلا تُستعاد تسمية تاريخية لإهدار تنظيم قانوني لاحق، ولا يخضع الترشيح لمنصب مفتي الجمهورية لأحكام الترشيح لمفتي المناطق لمجرّد أن المنصب نشأ في بيروت.
ثم إن سماحة الرئيس محمد عساف يرأس اللجنة التشريعية التي أعدّت اقتراح التعديل، وليس عضوًا في اللجنة القضائية. وبين إعداد النصّ والتحكّم في أصوات العاملين به مسافة لا يلغيها الاتهام وحده. فمن نسب إليه السيطرة على أعضاء اللجنة القضائية، فعليه دليل هذه السيطرة؛ فأصوات الناس لا تصبح ملكًا لرجل لمجرّد أنه شارك في إعداد مشروع يتناول تنظيم عملهم.
وأوّل ما يلزم في مناقشة الأعداد ضبط ما يُقترح تعديله فعلًا. فالمشروع يُبقي اللجنة القضائية على تسعة أعضاء، خلافًا لما نُشر عن خفض عددهم إلى سبعة. ويقترح خفض نصاب انعقادها من سبعة إلى خمسة، والحدّ الأدنى للموافقة من ستة أصوات إلى أربعة. وعدد الأعضاء، ونصاب الاجتماع، وأكثرية القرار أمور متمايزة؛ ومن خلط بينها بدأ استنتاجه من واقعة متوهمة غير صحيحة. فعند انعقاد اللجنة بالحدّ الأدنى المقترح، أي بحضور خمسة أعضاء، لا تكفي موافقة ثلاثة، بل تُشترط موافقة أربعة. ولا يصحّ فهم هذا العدد على أنه يكفي لتمرير القرارات مهما بلغ الحضور؛ فالنصّ يشترط أكثريةً لا تقلّ عن أربعة في هذه الحالة، ولا يجعل الأربعة أكثريةً في جميع الأحوال. فإذا اكتمل حضور أعضاء اللجنة التسعة، فلا يستقيم عقلًا أن تفرض أربعة أصوات قرارًا على خمسة أصوات مخالفة.
هذا تخفيف مقترح في شروط الاجتماع واتخاذ القرار، يمكن مناقشة ضرورته وآثاره. لكن العدد يبيّن كيف يُتخذ القرار، ولا يثبت لمن يخضع أصحابه. كذلك فإن خفض نصاب اللجنة لا يوسّع، بذاته، اختصاصها؛ ومن يدّعي انتقال سلطة من المجلس إليها، فعليه أن يحدّد هذه السلطة والنصّ الذي يُراد نقلها بموجبه.
وأمّا تصوير اختصاص اللجنة بالبتّ في طلبات الترشيح لعضوية المجلس الشرعي كأنه سلطة ينشئها المشروع، فيردّه نصّ قائم منذ سنة ١٩٧١؛ فقد أسند إليها القرار رقم ١٢، الصادر في الثلاثين من نيسان من تلك السنة، النظر في هذه الطلبات والبتّ بها نهائيًّا. فالاختصاص سابق، ووصف البتّ بالنهائي سابق أيضًا؛ وإيرادهما في الصياغة المقترحة لا يجعل منهما حكمًا مستحدثًا. وغياب الحكم عن المادة التي قرأها الكاتب لا يعني غيابه عن النظام القانوني الذي يحكم المسألة.
يُضاف لذلك أن نفاذ قرارات اللجنة ليس أمرًا يستحدثه المشروع أيضًا؛ فهو مقرّر في المادة الرابعة والخمسين القائمة، مع إتاحة طلب إعادة النظر أمام المجلس الشرعي الأعلى. بل إن اجتهاد مجلس شورى الدولة تناول اختصاص اللجنة بالبتّ النهائي في طلبات الترشيح، وأقرّ بإمكان طلب إعادة النظر. فالنهائية لم تكن، بمجرّد لفظها، مرادفةً لانعدام كلّ مراجعة.
ومن هنا، فإن عدم تكرار حكم المراجعة في الصياغة المقترحة لا يكفي، وحده، للجزم بإلغائه؛ فالأصل بقاء الحكم السابق ما لم يثبت إلغاؤه صراحةً أو قيام تعارض لا يمكن التوفيق معه. ومن يدّعي زوال المراجعة، فعليه أن يبيّن سنده في النصّ وأثر التعديل المقترح عليه، لا أن يجعل السكوت وحده نصًّا بالإلغاء. أمّا عبارة (غير قابلة للطعن أو المراجعة)، التي أوردها منشور (العصفورة) كأنها ألفاظ المشروع، فلا ترد فيه بهذه الصيغة، ولا يصحّ إحلالها محلّ عباراته ثم بناء الاتهام عليها.
أما في استبدال العقارات الوقفية، يتضمن المشروع تشديد رقابة المجلس الشرعي الأعلى، باشتراط موافقته على الإذن بالسير بالمعاملة، وتعليق نفاذ قرار اللجنة القضائية في الإحالة القطعية على البتّ النهائي فيه من المجلس نفسه. وهكذا يحضر المجلس، وفق الصياغة المقترحة، عند بدء الإجراءات وعند نهايتها، برقابة واجبة في هذا الباب لا تنتظر طلبًا من صاحب علاقة؛ فلا تستقلّ اللجنة بإنفاذ الاستبدال.
فكيف يجتمع سلب المجلس قراره مع اشتراط قراره لنفاذ المعاملة؟ وكيف يُغفل هذا القيد عند تصوير سلطة اللجنة؟.
للكاتب أن يستنتج من النصّ ما يراه، ولكنه مسؤول عن إثبات الصلة بين النصّ واستنتاجه. فأين هذه الصلة حين ينسب إلى اللجنة صلاحية لا يتضمن المشروع منحها إياها، ويصوّر اختصاصًا سابقًا كأنه مستحدث، ويغفل رقابة ينصّ عليها الاقتراح؟ لقد أضاف في عرضه ما تقوم به التهمة، وأسقط ما ينقضها، ثم احتجّ بالنصّ! فهو يحتجّ في الحقيقة بروايته عن النص، ويحمّل واضعي المشروع تبعة ما أضافه بنفسه وما أغفله.
وما دام المطروح مشروعًا للمناقشة، فالأجدى أن تنتهي الملاحظات إلى اقتراحات ترفع الالتباس: ضبط أكثرية القرار بعبارة صريحة تحدّد كيفية احتسابها بحسب عدد الحاضرين، مع حدّ أدنى من أربعة أصوات عندما يكون النصاب بالحد الأدنى المقترح؛ وتأكيد حقّ طلب إعادة النظر أمام المجلس الشرعي الأعلى ضمن المهل المقرّرة، وتوضيح المقصود بالنهائية بما يمنع الخلط بينها وبين انعدام المراجعة. فوضوح الصياغة يصون التعديل من سوء التأويل، ويقطع الطريق على تحميله ما لا يحتمل. وهذا موضع النقاش أمام المجلس: ضبط الصياغة، وإحكام العبارات، وحفظ حقوق أصحاب العلاقة.
وفي الختام العصافير تطير حيث شاءت؛ ولكنّ القلم يُسأل عمّا يحمل عنها، ولا تُعفيه خفّة أجنحتها من ثقل أمانته. فالخبر الذي تُلقيه وتمضي، يبقى تحت اسم كاتبه، ويبقى أثره في الناس. وعليه أن يزن ما ينشر، وأن يُظهر من النصّ ما يصحّح روايته؛ وإلّا كان نصيب قارئه خبرًا يطير… وحقيقةً تُطمَس.
بقلم القاضي الشيخ وائل شبارو











































































