اخبار لبنان
موقع كل يوم -لبنان الكبير
نشر بتاريخ: ٥ أذار ٢٠٢٦
ما إن أُقِرّت الزيادة على سعر صفيحة البنزين حتى بدأت الأسواق تتفاعل سريعًا، فارتفعت الأسعار تباعًا. وبين زيادة البنزين المرتقبة وانعكاسات رفع الـTVA، يبقى الهمّ الأكبر: هل يستطيع اللبناني هذا العام الحفاظ على مائدة رمضان كما اعتادها دائمًا، أم أن الغلاء سيفرض واقعًا جديدًا على تفاصيلها؟
وكان وزير الاقتصاد قد أشار إلى تعهّد نقابات أصحاب السوبرماركت واتحاد نقابات الأفران بالالتزام بالأسعار السائدة حاليًا، مع استمرار الاجتماعات لضبط السوق. إلا أن الواقع يُظهر أن الأسعار بدأت ترتفع فعليًا، وأن المواطن بات يشعر بالفارق وهو يتحضّر لمائدة رمضان.
فالسؤال اليوم لا يقتصر على ارتفاع الأسعار، بل يتعدّاه إلى قدرة العائلات على الحفاظ على الموائد التي اعتادت إعدادها كل عام.
في الجنوب، وعلى الرغم من تزيين الشوارع وافتتاح القرى الرمضانية، تعاني عائلات عدة ظروفًا اقتصادية صعبة منذ عام 2019، زادتها الحرب الأخيرة قسوة. ففي السنوات الماضية، كانت هذه الأسر تعتمد على زراعة أراضٍ قريبة من منازلها لتأمين جزء من احتياجاتها اليومية، ولا سيما الخضار الأساسية لمائدة رمضان. أما اليوم، فقد حُرمت من هذه العادة؛ فمنهم من خسر مواسمه الزراعية، ومنهم من خسر مصدر رزقه، وبات دخله محدودًا.
مواد أساسية اختفت من لائحة الأولويات، وسلع استُبدلت بأخرى أقل كلفة. وبمعنى آخر، لم يعد المواطن يبحث عن الجودة بقدر ما يبحث عن السعر الأدنى، حتى باتت بعض الأصناف تُصنَّف في خانة “الترف”.
ومن الأطباق الأساسية على مائدة رمضان “الفتوش”، الذي يعتمد على أكثر من سبعة أصناف من الخضار، إضافة إلى الحامض ودبس الرمان وزيت الزيتون وغيرها، وهو سيتأثر حُكمًا بارتفاع أسعار مكوّناته.
في السنوات الماضية، كان إعداد الفتوش يكلّف ما يقارب 600 ألف ليرة على مدار الشهر، أما اليوم، ووفق “الدولية للمعلومات”، فقد بلغت الكلفة نحو 398 ألف ليرة يوميًا لعائلة من خمسة أشخاص، بزيادة تقارب 39% عن العام الماضي.
كما ارتفعت أسعار اللحوم الحمراء والدجاج؛ إذ وصل سعر كيلو اللحم إلى مليون وأربع مئة ألف ليرة، فيما تراوح سعر الدجاج بين 250 و300 ألف ليرة، ما أضاف عبئًا إضافيًا على المواطنين.
وفي هذا السياق، تقول المواطنة فاطمة منصور، وهي من إحدى القرى الحدودية:
“لم ولن يكن شهر رمضان ضيفًا ثقيلًا علينا، لكن قدرتنا الشرائية جعلت كل الأشهر ثقيلة. منذ حرب الإسناد ابتعدنا عن أرضنا، وجاءت الحرب الأخيرة لتقضي على ما تبقّى من منزلنا والمصلحة التي كنا نعتاش منها.”
وتضيف: “حتى عام 2024، ومع بداية الأزمة الاقتصادية، لم نكن نقلق بشأن تحضير الإفطار. صحيح أن كل لبنان تأثر، لكننا كنا الأقل تأثرًا لأننا نعتمد على الزراعة. كنّا نقطف الخضار الطازجة لنزيّن بها مائدتنا، وحتى الحامض وزيت الزيتون كانا متوافرين. اليوم، بعد انتقالنا إلى المدينة، خسرنا تلك المكوّنات، وبات الإفطار يكلّف كثيرًا. حتى الفتوش، الصنف الدائم، لم نعد نحضّره بكامل مكوّناته؛ فالفليفلة والملفوف الأحمر ودبس الرمان يمكن الاستغناء عنها.”
أما المربية علا سرور، فتؤكد أن: “شهر رمضان هو شهر الخير. صحيح أن أسعار السلع ارتفعت، لكن لا يمكن الاستغناء عن الأصناف الأساسية، إنما يمكن تقليل الكميات وعدم التنويع. فبدل تحضير صنفين من الطبق الرئيسي، سنكتفي بوجبة واحدة. أما الجلاب والحلويات، فسنستغني عنهما بعدما كانا يزيّنان سفرتنا يوميًا. اليوم لم يعودا من الأولويات. أما الفتوش، فلا رمضان من دونه.”
لم يعد السؤال: ماذا سنحضّر في رمضان؟ بل: ماذا يمكننا أن نُلغي؟
أصناف تُستبدل، كميات تُقلَّص، ولحوم تتحوّل إلى طبق أسبوعي بدل أن تكون يومية. حتى الفتوش، الذي كان يومًا عنوان البساطة ووفرة الأرض، بات يُحضَّر بنسخة “مختصرة” تراعي القدرة الشرائية لا العادة.
رمضان، الذي لطالما ارتبط بالكرم والاجتماع والوفرة، يدخل هذا العام بملامح مختلفة. ليس لأن اللبنانيين فقدوا رغبتهم في الفرح، بل لأن الغلاء سبقهم إلى موائدهم. وبين ارتفاع البنزين وتداعيات الضرائب وتآكل المداخيل، تتبدّل تفاصيل صغيرة… لكنها تمسّ جوهر الحياة اليومية.
وفيما تبقى الفوانيس مضاءة في الساحات، يبقى التحدي الحقيقي في أن تبقى الموائد مضاءة في البيوت.











































































