اخبار السعودية
موقع كل يوم -صحيفة البلاد
نشر بتاريخ: ٧ أيلول ٢٠٢٦
منذ أن اقتحم الذكاء الاصطناعي حياتنا المهنية، انشغل العالم بسؤال مخيف: متى ستأخذ هذه التقنية وظائفنا؟ نراقب النماذج الجديدة، ونحصي المهن المهددة، ونتساءل إن كان المحاسب أو المبرمج أو الصحفي أو المحامي سيجد نفسه يومًا أمام تقنية أسرع منه، وأقل تكلفة، ولا تطلب راتبًا أو إجازة.
لكن بينما ننتظر حرب الإنسان والتقنية، اندلعت داخل الشركات حرب أخرى أكثر هدوءًا، وربما أكثر أهمية: حرب البشر على البشر بسبب الذكاء الاصطناعي.
هذا ما يكشفه مقال للباحثين غراهام كيني، وكيم أوستهاوزن، وغانا بوغريبنا، يرصد صدامًا متناميًا بين فريقين يفترض أنهما في المعسكر نفسه: تقنية المعلومات والذكاء الاصطناعي.
إدارة تقنية المعلومات أمضت عقودًا تتعلم كيف تمنع الكوارث: تحمي البيانات، وتؤمّن الأنظمة، وتلتزم باللوائح، وتقلل المخاطر. النجاح لديها يعني أن تعمل الأشياء بلا مفاجآت. ثم دخل فريق الذكاء الاصطناعي بفلسفة مختلفة: جرّب، أخفق، تعلّم، عدّل، ثم تحرك بسرعة.
الأول يسأل: ماذا لو فشل النظام؟ والثاني: ماذا لو تأخرنا وسبقنا المنافسون؟
وهنا يتحول الاختلاف التقني إلى صراع على السلطة. من يملك البيانات؟ من يقرر الأدوات التي تدخل الشركة؟ من يسمح باستخدام معلومات العملاء؟ ومن يحدد مقدار المخاطرة المقبول؟ قبل سنوات كانت الإجابات واضحة. أما اليوم فقد ظهر لاعب جديد يريد مقعدًا على طاولة القرار.
ولن تبقى المعركة بين التقنيين. ستدخل الإدارة القانونية خشية المسؤولية، والموارد البشرية قلقة على الوظائف، والإدارة المالية باحثة عن عائد الاستثمارات، بينما يجلس الموظف أمام أداة جديدة ويسأل نفسه: هل جاءت لتساعدني، أم لتتعلم عملي ثم تحل مكاني؟
وتشير أبحاث «ماكينزي» إلى أن المؤسسات الأكثر نجاحًا في التحول بالذكاء الاصطناعي لا تضيف أدوات جديدة إلى طرق العمل القديمة فحسب، بل تعيد تصميم سير العمل والأدوار وآليات اتخاذ القرار. فلا يمكن إدخال تقنية ثورية إلى مؤسسة تقليدية، ثم توقع ألا يتغير شيء سوى شاشة الكمبيوتر.
وهنا يظهر الامتحان الحقيقي للقيادة. فالمدير الحكيم لا يختار بين فريق يضغط على دواسة الوقود وآخر يضع قدمه على المكابح؛ فالسيارة تحتاج إليهما معًا. الابتكار بلا حوكمة قد يتحول إلى فوضى، والحوكمة التي تمنع كل تجربة قد تصبح اسمًا أنيقًا للخوف من المستقبل. السرعة وحدها ليست إستراتيجية، والحذر وحده ليس قيادة.
لذلك، ربما لا يكون السؤال الأهم أمام مجالس الإدارات: كم أنفقنا على الذكاء الاصطناعي؟ ولا: ما أحدث نموذج اشتريناه؟
السؤال الأصعب هو: هل مؤسستنا، بثقافتها وقياداتها وصراعاتها الداخلية، مستعدة فعلًا للذكاء الاصطناعي؟
فقد نكتشف في النهاية أن أكبر عقبة أمام ثورة التقنية لم تكن الآلة نفسها، بل البشر الذين اختلفوا على من يملك مفاتيحها.










































