اخبار لبنان
موقع كل يوم -جريدة اللواء
نشر بتاريخ: ٢٨ شباط ٢٠٢٦
بينما ينشغل العالم بضجيج وسائل التواصل الاجتماعي، وبالترندات اليومية التي تصنعها الخوارزميات، يجري تحوّل أعمق يمس جوهر حياتنا. نحن لا نعيش مجرد تطور تقني، بل انتقالاً تدريجياً إلى عالم تصبح فيه الأموال، والملفات الصحية، وحتى الإدراك العام، جزءاً من بنية رقمية مترابطة يمكن إدارتها وتحليلها والتحكّم بها.
الانتقال من النقد الورقي إلى العملات الرقمية ليس مجرد تحديث في وسيلة الدفع، بل إعادة تعريف للعلاقة بين الفرد والنظام. النقد يمنح هامشاً من الاستقلال؛ أما العملة الرقمية القابلة للبرمجة فتمكّن - تقنياً - من تتبّع كل معاملة، وتجميد المحافظ الإلكترونية، وفرض قيود على نوع الإنفاق أو حجمه. في مثل هذا النظام، لا يصبح السؤال «هل أملك المال؟» بل «هل يُسمح لي باستخدامه؟».
الأمر ذاته ينطبق على رقمنة الملفات الطبية. صحيح أن السجلات الصحية الإلكترونية تسهّل الرعاية وتحسّن الكفاءة، لكنها في الوقت نفسه تحوّل الجسد إلى بيانات قابلة للتحليل والتصنيف. ومع تداخل الأنظمة المالية والصحية والهوية الرقمية، يمكن نظرياً ربط السلوك الصحي بالتكلفة التأمينية، أو بالامتيازات المالية، أو حتى بفرص العمل. وهنا تنتقل الخصوصية من كونها حقاً طبيعياً إلى معطى خاضع للسياسات والخوارزميات.
في الخلفية، تلعب رأسمالية التكنولوجيا دوراً محورياً. عمالقة المنصات الرقمية لا يديرون أدوات تواصل فحسب، بل يديرون الانتباه ذاته. اقتصادهم قائم على البيانات: كل نقرة، وكل إعجاب، وكل تفاعل يتحول إلى مادة خام تُباع وتُستثمر. الجيل الجديد يعيش داخل منظومات صممت لتوجيه سلوكه، وتشكيل رغباته، وتعزيز أنماط استهلاك محددة. ما يبدو اختياراً شخصياً غالباً ما يكون نتيجة هندسة خوارزمية دقيقة.
الأخطر من ذلك أن صانعي المحتوى والمؤثرين على وسائل التواصل تحوّلوا في نظر شريحة واسعة من الجيل الجديد إلى ما يشبه «علماء المستقبل». لم تعد المرجعية المعرفية مرتبطة بالبحث الأكاديمي أو الخبرة المتخصصة، بل بعدد المتابعين وقوة الانتشار. تتحول الآراء إلى «حقائق» عبر التكرار، وتُختزل القضايا المعقدة في دقائق معدودة. وعندما يُعاد تعريف المصدر الموثوق ليصبح منصة رقمية أو شخصية مؤثرة، يصبح تشكيل القناعات أسهل من أي وقت مضى. في بيئة كهذه، يمكن توجيه العقول ليس عبر المنع المباشر، بل عبر صناعة السردية، وتحديد ما يجب أن يُرى، وما يجب أن يُهمَّش، ومن يجب أن يُصدَّق.
عندما تتقاطع قوة رأس المال التكنولوجي مع البنية الرقمية للمال والصحة والهوية، ويترافق ذلك مع إعادة تشكيل المرجعيات الفكرية عبر المؤثرين، يتشكّل نموذج جديد من السيطرة الناعمة. لا تُفرض القيود بالقوة، بل عبر التصميم. لا يُمنع الإنسان من الفعل مباشرة، بل يُوجَّه نحو خيارات معينة وتُجعل خيارات أخرى أكثر صعوبة أو كلفة. وهكذا تُعاد صياغة الحرية داخل إطار غير مرئي.
التكنولوجيا ليست عدواً بطبيعتها، لكنها تصبح خطرة عندما تتركّز مفاتيحها في يد قلة تملك البيانات والمنصات والبنية التحتية. العالم يتجه نحو رقمنة شاملة، لكن السؤال الأهم ليس عن سرعة هذا التحوّل، بل عن توازنه. هل ستبقى الرقمنة أداة لتحسين الحياة، أم ستتحوّل إلى نظام يُعيد تعريف حدودها؟
المستقبل سيكون رقمياً بلا شك.
لكن إن لم يُحاط هذا التحوّل بوعي أخلاقي وتشريعات تحمي الإنسان قبل المنصة، فقد نجد أنفسنا نعيش في عالم يبدو حرّاً... بينما تُدار خياراته من خلف الشاشة.
رائد محمود











































































