اخبار فلسطين
موقع كل يوم -وكالة عمون الاخبارية
نشر بتاريخ: ٤ تشرين الثاني ٢٠٢٦
في وقت يمضي فيه الأردن بثقة نحو ترجمة رؤى التحديث السياسي والاقتصادي والإداري، لم تعد إدارة الشؤون العامة مجرد وظيفة بيروقراطية جامدة محكومة بالتشريعات والقرارات الإدارية والبلاغات الرئاسية، بل غدت فناً قيادياً رفيعاً يتطلب مهارة عالية في التواصل، وهو ما يمكن تسميته 'بدبلوماسية العمل العام' لتسيير عجلة تقديم الخدمات في الدولة وفقاً لأرقى المعايير الإدارية الدولية قوامها الحوكمة التي تعني تحقيق العدالة، والشفافية، والمساءلة، وضمان توازن مصالح الأطراف كافة (الدولة، الموظف، المواطن) والامتثال الذي يعني الانصياع والالتزام التام بالتشريعات، والأنظمة، والتعليمات، ومدونات السلوك الصادرة عن الجهات التنظيمية منعاً للمخالفات القانونية، وحماية المؤسسة من الغرامات، والمساءلة القضائية.
ولا تقتصر هذه الدبلوماسية على النطاق الخارجي للمؤسسة، بل تبدأ من عمق بيئتها الداخلية التي تنظمها 'مدونة قواعد السلوك الوظيفي'، حيث يتجلى سلوك الإدارة الحكيمة في تعاملها مع الموظف العام كشريك أساسي عبر انتهاج سياسة الباب المفتوح والتحفيز المستمر، مما يولد بيئة وظيفية آمنة ترتكز على العدالة والشفافية.
وينعكس هذا السلوك الإداري المنضبط بدوره على علاقة الموظف العام مع زملائه، والتي تؤطرها المبادئ الأخلاقية والقانونية للمدونة لضمان أرفع قيم الزمالة، وتكامل الجهود بروح الفريق الواحد، مما يسهم في خلق مناخ مؤسسي إيجابي يترفع عن النزاعات الشخصية، ويصهر الطاقات كافة في بوثقة الصالح العام وتجويد الخدمة.
وتتكامل هذه البيئة الداخلية لتنعكس تفوقاً في الميدان؛ حيث تتجلى أصول هذا الفن في قدرة المسؤول على النزول للميدان والإنصات الحقيقي لنبض الشارع قبل وضع السياسات، ففهم احتياجات المواطن وتحسس مخاوفه يشكل الخطوة الأولى لبناء جسور الثقة المستدامة؛ فاللغة الدبلوماسية في الإدارة لا تعني مواربة الحقائق أو التخلي عن إنفاذ القانون، بل هي القدرة على تقديم الحلول للقرارات الصعبة بأسلوب وطني جامع يتسم بالمكاشفة ويمتص القلق الجماهيري عند الأزمات، تجسيداً للمسؤولية المجتمعية باستخدام أدوات القانون وتطويعها لسير المرفق العام لانجاز الخدمات العامة بدقة وعدالة وشفافية.
على صعيد الأثر، تشكل هذه الدبلوماسية شريان الحياة لإنجاح خطط التطوير وتذليل العقبات أمام متلقي الخدمة وسرعة الانجاز من خلال الحوار المفتوح وتفعيل الشراكة مع القطاع الخاص ومؤسسات المجتمع المدني. فضلاً عن ذلك، فإن الدبلوماسية الإدارية تعد أداة حاسمة لكسر 'العزلة البيروقراطية' بين الوزارات، مما يضمن تدفقاً مرناً للمعلومات، ويمنع التضارب في التصريحات التي قد تؤثر على الطمأنينة العامة.
إن النجاح الحقيقي في قيادة العمل العام في الأردن يكمن في انتهاج هذا المزيج الذكي بين هيبة القانون ولغة الحوار الواعي، وبين امتثال الموظف والادارة العامة لمدونات السلوك الوظيفي ومرونة التعامل الإنساني.
* الباحث والخبير القانوني

























































